التشكيل الكويتي

فنون عربية وعالمية

الفن وما حوله

فنون العمارة

كتاب في سطور

ورقة من حياة فنان

متاحف عالمية

حوار ورأي

حرف

قراءات

قاموس التشكيلي

تشكيل الحياة

أجراس

العودة للأولى

 

 

 

 

   أشرف أبو اليزيد 


 

خليفة القَطان

خليفة القَطان

عمل مجسم للفنان خليفة القطان

عمل مجسم للفنان خليفة القطان

عبدالله القَصَّار

عبدالله القَصَّار

وحش البحار للفنان عبد الله القصار

وحش البحار للفنان عبد الله القصار

  • برحيل الفنانين خليفة القَطان وعبد الله القَصَّار يغيب عن ساحة الفن التشكيلي الكويتي رائدان ساهما في غناها خلال القرن العشرين.

          من اليسير أن يحظى الفنان التشكيلي الراحل خليفة القطان (1934 ـ 2003) بلقب رائد الحركة الفنية التشكيلية في الكويت, ليس فقط لمحاولته ابتكار أسلوب خاص به في الرسم أسماه الدائرية (السيركليزم), معتمدًا الجذور الفلسفية في الصراع الإنساني في لوحته التي تمثل تعبيرية انطباعية خاصة, ولكنه ـ أيضا وبشكل أساسي ـ رائد في النهوض بالمرسم الحر للفنون الجميلة, أساس انطلاقة الفن التشكيلي بالكويت, وهو ثاني الفنانين الملتحقين به في العام 1964 بعد أن سبقه الفنان عيسى صقر بثلاث سنوات.

          ولا شك في أن الرحلة التي بدأت منذ مولده في يناير 1934 حتى التحاقه بالمرسم الحر, فإدارته له, ومساهمته الكبيرة في تأسيس الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية في العام 1968 شكلتها ميوله الفنية مثلما ساندتها روحه المناضلة التي حاول أن يظهر تمردها في الرسوم والمنحوتات معًا. وقد اختير خليفة القطان رئيسًا للجمعية, ليحقق أول أحلامه بتشجيع كل الفنانين للانضمام لها, وإقامة معرض سنوي خاص لهم. وتدشين بينالي الكويت عام 1969. وفي عام 1971 عندما أنشئ الاتحاد العام للفنانين في دمشق, كان القطان أحد أعضائه المؤسسين ممثلاً للجمعية الكويتية.

          وقد أسعفته الموهبة, وكونه مدرسًا في سن 17 لمواد دراسية عديدة بينها الفن, لينظم في عام 1953 أول معرض فني شخصي كويتي في المدرسة خلال مهرجان محلي, قبل أن ترعى إدارة التربية أول معرض فني جماعي في البلاد شارك هو أيضا فيه سنة 1958. وقد سافر القطان إلى بريطانيا للدراسة في  معهد ليستر للفنون والتكنولوجيا, حيث أمضى وقته بين الهواية والعروض الفنية, حتى نال دبلومًا في الأعمال الخشبية سنة 1958. وبعدها عاد للكويت ليعلم في كلية التكنولوجيا.

          وللقطان مع الريادة موعد متجدد حين ينتقي بعض أعماله فيقيم بها معرضين آخرين خارج الكويت عام 1962, أحدهما في القاهرة والثاني بمدينة فيرارا الإيطالية, ليبدأ انطلاقة لم تتوقف, بين ألمانيا الشرقية والبحرين ومصر والمغرب ولبنان وتونس وقطر والعراق وفرنسا وبريطانيا والصين عام 1981, حيث حل معرضه ضيفا لمدة شهر بالعاصمة بكين في قاعة الفن الحديث. كما كان القطان أول فنان كويتي يتعاون مع إدارة الطوابع البريدية في الأمم المتحدة منذ منتصف الستينيات إلى جانب نشاطه داخل الكويت.

          تتذكر زوجته الفنانة ليديا القطان معرضين له: (في عام 1975 أثار القطان ضجة عندما أقام معرضا يضم 35 عملاً فنياً تحت اسم (التفاحة). وكانت مدته المقررة أسبوعا واحدًا لكنه استمر شهراً كاملاً. ورغم حساسية موضوع الجنس في المجتمع وجرأته, استقبلت أعمال القطان الفلسفية في الفن بنجاح من قبل الجمهور, ظهر في مقالات مطولة ورسوم كاريكاتورية في المجلات والصحف, وجمع القطان ذلك كله في كتاب اسماه (التفاحة), أما المعرض الآخر بعنوان (النساء اللواتي شاهدت) عام 1978, فكان يفتقد جرأة المعرض السابق ولم يثر أي جلبة. ومنذ منتصف الثمانينيات بدأ إنتاج القطان الفني يتراجع, وقل التزامه بالحركة الفنية التي قادها لعقدين من الزمن. إن تغير مزاجه أثر في فنه. وافتقد الحركة الدرامية والنقد الساخر اللذين لازما  عمله خلال الستينيات والسبعينيات, عندما قدم نظريته الفنية (الدائرية). وصار يرسم لوحات من الطبيعة أقل هدوءاً وخاصة الأشجار التي يعشقها, ويجد فيها تعبيراً حقيقيا عن روحه).

          حين التقيتُ الفنان خليفة القطان هذا العام في أحد المعارض التشكيلية الكويتية التي ظل يحرص على متابعتها رغم الغياب عن المشاركة فيها, قرأتُ وراء الجسد النحيل, والعدسات السميكة, والكلمات الرقيقة ما فسر لي هذا العزوف الذي تحدثت عنه زوجته. وتساءلت آنذاك: هل أحس القطان أن دور الفنان في العصر الحديث, بكل تقلباته المادية العاصفة, لم يعد يستحق كل هذه المعاناة, وهو الذي طالما عانى في معالجته لآفات المجتمع, حين فجرها بشكل مأساوي, بحثا عن العلاج, باللون, والريشة? لكن القطان غاب دون أن يجيب!

الفنان والبيئة

          وإذا كان الفنان خليفة القطان قد اتخذ من قضايا المجتمع (الذهنية) مادة لأعماله التشكيلية, فإن الفنان عبد الله القصار (1941 ـ 2003) كان يرى في أن البيئة (المادية) هي البطل, وأن الفنان  منوط به إعادة تشكيل أدوار أبطاله في صياغة فنية جديدة. وربما تكون سنوات القصار في القاهرة التي بدأها بدراسة الفن في كلية الفنون الجميلة, واختتمها بانخراطه في مرسم الأقصر حتى نال جائزة الرسم الأولى فيه, لعل هذه السنوات هي التي رسمت طريق القصار الفني الذي تميز به. فخلال هذه الرحلة ينتقل الفنان عبد الله القصار من فطرية تناول المشاهد الكويتية للبحر والإنسان إلى رؤية خاصة, يغيب فيها التشخيص مع غياب ملامح الوجه, في الوقت نفسه تكتسب خطوط الجسد والأشياء حوله خصائص مشتركة. وكأنه يجد في لوحته ما يمكن أن نعتبره أصل الأشياء.

          في لوحته (وحش البحار) ـ على سبيل المثال ـ يتجلى منهج الفنان الرمزي حين يختزل الصراع بين الإنسان والمجهول, إلى معركة بين سمكة قرش وبحار. ورغم انشغال القصار بالبحث عن بيئة مشتركة تجمع قطبي المعركة, نجده يضعهما في فراغ يجمع بين لوني البحر والبر, سواء في دوائر الظلال الزرقاء المائية أو الرملية الصفراء, أو الخلفيتين أيضا. إن مشهد المعركة يبدو مثل رقصة, لكنها رقصة الموت ـ كما يبدو ـ حيث إن النهاية لن تكون إلا بغياب أحدهما, على الأقل. أليست لوحة تسجل سنوات صراع البحارة على متون السفن القديمة مع مياه أعالي البحار وأخطارها, أو سيرة هؤلاء الذين أمضوا العمر في الغوص بحثا عن اللؤلؤ? إن اختيار القصار إبراز العضلات الإنسانية لكسب المواجهة يبرر أحيانا استخدام القوة حين يغيب العقل.  

          يتناول القصار الأدوات اليومية للإنسان الكويتي/الخليجي ليعيد صياغتها بشكل لا يمكن أن نسميه بالرمز المطلق, إنها تعبيرية اختزالية, تبحث عن التوازن في اللون, وتوزيع الخطوط, لتحقق فنها الخاص. في موكب العرس نتذكر العروس والهودج والناقة التي تحملهما, لكن القصار يضيف في لوحته (العروسة) السدو (السجاد البدوي) والغزال الذي لا شك يرمي بالمخيلة إلى الصحراء والرشاقة, ونباتات الصبار, التي قد تعبر عن الصحراء أيضا, وربما تختزل حكمة الاحتمال التي توصى بها العروس في رحلتها للبيت الجديد. إن لوحة القصار تأخذ من اليومي المعيش فتمرره في مصفاة تشكيلية مميزة, فيها من الجمالية ما يسهل قراءتها, حتى على هؤلاء الذين لا يعيشون طقوسه, وخاصة حين يبتعد عن التراث المحلي فيتناول سيرة آدم وحواء على سبيل المثال.

          وهكذا يضع عبد الله القصار لوحته في خدمة تراثه, ليس فقط التراث البحري, والعادات التقليدية, بل أيضا تلك الحكايات الشعبية التي تشغل حيزها الأثير في التراث المحكي لدى كل أفراد الأسرة بشخصياتها الخرافية المخيفة. ورغم ضيق الاختيارات, وانغماس الجميع في استلهام الموروث نفسه, يستطيع القصار أن يجد لنفسه تلك الريشة الخاصة.

          وقد منح القصار جائزة الدولة التشجيعية في الفنون للعام الماضي (2002م) عن عمله (الأطباق الطائرة), بعد فوزه بعدة جوائز منها ميداليتان ذهبيتان للمركز الأول في الرسم عامي 1972 و1973 بمعرضين للجمعية الكويتية للفنون التشكيلية, كما ظل أمينا عاما للمرسم الحر بين عامي 1971 و1982م. لكن اسم الفنان يظل مرتبطا بواحدة من أكثر أحداث الفن التشكيلي فرادة في الكويت, وربما في العالم العربي كله, حين قرر ناقد فرنسي ومقتن وتاجر أعمال فنية هو هرفيه أدورمات أن يحتكر لوحة شهريا من إنتاج الفنان عبد الله القصار, مقابل راتب (فيما يشبه منحة تفرغ), ليروجها له في أوربا, مثلما فعل مع كثيرين كالبلغاري كازاكوف الذي طافت أعماله العالم بين باريس وطوكيو. وإذا كنا نعرف تراث القصار في بلده,  يبقى البحث عن مصير أكثر من 20 لوحة نفذها خلال عامين من هذا الاتفاق مجهولا.

  •  

  • مجلة العربي - وزارة الاعلام - دولة الكويت

5/5/2004

 

 

ALTSHKEELY.com