التشكيل الكويتي

فنون عربية وعالمية

الفن وما حوله

فنون العمارة

كتاب في سطور

ورقة من حياة فنان

متاحف عالمية

حوار ورأي

حرف

قراءات

قاموس التشكيلي

تشكيل الحياة

أجراس

العودة للأولى

 

 

 

 

  سيد هويدي


 

عيسى صقر 1940-2000

 

فرحة التحرير

فرحة التحرير

ريح السموم

ريح السموم

الحيلة - لعبة شعبية

الحيلة - لعبة شعبية

خليجيات
 
  • الفنان النحات عيسى صقر (1940) واحد من الذين حفروا مجرى  الإبداع في الكويت. بدأ خطوطه الأولى على الحجر والطين مع بزوغ  الاستقلال وواصل التعبير عن أحلام الإنسان الكويتي وطموحاته حتى فرحة التحرير.

           يعتبر دخول الشاب "عيسى صقر" مع زملائه، إحدى قاعات مدرسة قتيبة  الابتدائية للبنين في الكويت، تحت يافطة "المرسم الحر"، بمثابة البداية الحقيقية للحركة التشكيلية الكويتية، وأن كان قد سبق هذا التاريخ محاولات فردية، إلا أن "المرسم الحر" -  ذلك الكيان الفني الذي كانت دائرة المعارف قد خصصته في العام (1959)  للهواء من الرسامين والنحاتين، كفيل بإحداث نقلة نوعية في الحياة الفنية،  بما وفرت له الدولة من إمكانات، ونخبة من أساتذة الفن المخلصين.. أمثال المرحوم حامد حميدة (مفتش أول تربية فنية)، أنور السروجي، شوقي دسوقي، محمد الحراز، أحمد الوردجي، الذين أتاح وجودهم مناخاً فنياً، يتجاوز الشكل الأكاديمي في التدريب على الفن إلى آفاق  التعلم في ظل الأسرة الواحدة، ويرجع فضل وجود المرسم الحر كأول شكل فني منظم إلى الأستاذ عبدالعزيز حسين، بعد أن تبنى فكرة وجود كيان فني يهدف إلى تعليم الفن وترسيخ مبادئ فن النحت والخزف، والتصوير(الرسم الملون) لهؤلاء الفنانين الهواة الشجعان، الذين التحقوا واحداً بعد الآخر بهذا الكيان الجديد. حيث يقول الفنان خليفة القطان في كتاب  "الفن التشكيلي الكويتي": "في الخمسينيات، وما قبلها لم يكن في الكويت ما يسمى بالفنون التشكيلية، أو الفنون الجميلة،  كما هي اليوم..، إلا ما كان يقوم به بعض العمال والبناءين والنجارين من رسم زخارف لونية على الحيطان، أو حفر تلك الزخارف  على الجبس لتجميل الأطراف من الأسقف، أو على أبواب المنازل والغرف والسفن الشراعية".

الشراع الذهبي

          لقد عرفت الحياة الفنية "عيسى صقر" باشتراكه في أغلب المعارض الجماعية سواء داخل الكويت أو خارجها، منذ حصوله على منحة التفرغ في العام (1961)، وأيضاً من خلال معرضين شخصيين في عامي ( 67 - 1976)، وحصوله على جائزة مرسم الأقصر، ثم ثلاث ميداليات ذهبية من معارض الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية، ذلك الكيان الذي تشكل داخل المرسم الحر، وخرج مستقلا بنفسه، كما حصل عيسى صقر على جائزة الشراع الذهبي من المعرض الرابع للفنانين التشكيليين العرب ( 1975 ، بالإضافة إلى أنه أحد أبرز أعضاء جماعة أصدقاء الفن التشكيلي لدول مجلس التعاون الخليجي.

          وحتى نتعرف على حجم التجربة الفنية للفنان "عيسى صقر" .. يجب رؤيتها في ضوء بدايته مع نهاية الخمسينيات  من هذا القرن، فقد كان نصيبه عن أول لوحه رسمها في حياته.. علقة ساخنة، هذه اللوحة التي تطوع برسمها على جدار بيت أحد الجيران، ولأن صاحب الجدار لم ينتبه إلى موهبة الصبي المبكرة التي عكستها الرسمة  المنفذة بقطعة فحم بشكل فطري بسيط، يصور بها سفينة فوق سطح الماء، دون اعتبارات لقواعد  المنظور الفني، إنما بشفافية الأطفال تلك الطريقة التي تميزهم. ويقول "عيسى صقر" عن هذه المحاولة الآن: "لقد كانت المشاكل الفنية التي واجهتني أثناء رسم هذه السفينة، مثار بحث مبكر عن قواعد المنظور الشفافية التي يفرضها وجود جسم فوق الماء". أما عندما ذهب الصبي إلى شاطئ الخليج العربي، بقرب من قصر السلام، وجد جذع شجرة مهملا، على هيئة تشبه جسم  الإنسان، فصنع من هذا الشكل ( طنطل)، بعد أن ألبسه جلبابا، ومن الطفلة( الطين) الموجودة على الشاطئ شكل ملامحه، ليصبح (الطنطل) قطعت نحتية، ولكن المدهش أن هذا الهيكل تسبب في حالة هلع، لكل من رآه في الظلام ليلاً.. هذا الموقف كشف للصبي عن كوامنه الفنية، حين أدرك  موهبته النحتية.

          لذلك يقول الفنان عبدالرسول سلمان في كتابه عن الفنان "عيسى صقر"  "صاحب موهبة فنية  يزكيها طبع مرهف، واستعداد فطري منه من الاستجابة إلى مؤثرات البيئة ومظاهرها بل اندمج مع البيئة  وخلع عليها من أحاسيسه، ووجدانه حتى أصبح هو التمثال الذي ينتجه، أو الطبيعة  التي يتأملها شيئا واحداً".

          لقد كان طموح الفنان الشاب "عيسى صقر" يتجاوز أنه أول من التحق بالمرسم الحر كموظف في العام  (1959)، فيشد الرحال إلى القاهرة مبعوثاً من وزارة التربية لدراسة الفنون  والتخصص بالنحت في العام ( 1963)، وهناك يتعرف على منابع الفن المصري القديم، ويرى الأعمال الفرعونية الأصلية،  التي كان قد تأثر بها مثال مصر محمود مختار (1891 - 1934) ، بل  ويصادق خليفة " محمود مختار" الفنان جمال السجيني (1917 - 1977)، وعن فترة  وجوده في القاهرة يقول: " لقد كانت القاهرة.. هي بداية الانفتاح على العالم، والثقافة، والانطلاق، والتغير الشامل في كل شيء، فقد كنت أحد الرواد الدائمين لسوق الأزبكية للكتب ومنحتني صداقة الفنان المثال جمال السجيني، دفعة  قوية على طريق الفن".

العاصفة.. !

          ظل "عيسى صقر" منذ البدايات الأولى، والتي اتسق فيها مع البيئة، أميناً على رموزها، برغم دراسته في مصر وأمريكا، وتعرفه على اتجاهات ومدارس فنية حديثة، ففي عمله النحتي ( الأمومة - 1978) يجسد أجمل معاني الاحتواء بين الابن وأمه بخطوط بسيطة، لينة، حيث تحول الاثنان إلى كتلة واحدة، أما تمثال (العرضة - 1968) - تلك الرقصة الشعبية الشهيرة - فيصور من خلالها شموخ الرجل، متأثراً بالفن الفرعوني، والمثال "محمود مختار"، ثم نجده في ( المروس - 1963)، ( ضاربة الطب - 1963) يصور علاقة العازف بآلته الموسيقية كأنها جزء صميم منه، ثم يعترض  على ظاهرة اجتماعية في تمثال (النمام)، وبرغم قوة الريح يقف تمثاله (العاصفة)، ثابتا متماسكا، في  وجه التقلبات.

          وكان الفنان اتكأ على مخزون تراثي وشعبي عاشه وعاصره في مجتمع ما قبل النفط، فنراه  يجسد رؤاه هذه في أعمال (السلعوة - 1973) بشكل كاريكاتيري، ونفذه من الخشب  مطعماً بخامات أخرى، ولجأ فيه الفنان إلى المبالغة في النسب التعبير عن فكرة خرافية، ثم يصور  حركة الريح في (العاصفة - 1980 9 ليذكرنا بالعمل الخالد (الخماسين)  لمحمود مختار، ثم يسجل طقساً قديماً في عمل (العودة من البحر - 1968) والذي يشبه متتاليه موسيقية من مقام  الصبا.

          من المعروف أن النحت هو الكتلة في الفراغ، بحيث من المفترض أن يتيسر للمشاهد  أن يرى العمل النحتي من جميع جوانبه وأبعاده، بخلاف التصوير (الرسم الملون) والذي يحقق البعد  الثالث (التجسيم) من أحداث المنظور، لذلك ظل الفنان "عيسى صقر" يتأمل الأعمال النحتية عبر تاريخها الطويل، وخاصة هو غير راض عن المعالجات، التي يلجأ إليها الفنانون، وتجعل من وجه التمثال، أهم مناطق الجمال فيه، بينما الظهر (الخلفية) يظل ضيفا  مهملاً، إلا أن الفنان "عيسى صقر" استطاع أن يتوصل إلى حل هذه الإشكالية، في تمثال  (ذكريات - 1982)، ثم تمثال (الرقصة - 1983 ) الذي يصور حركة ثلاثية من النساء في حالة استدارة، لكن ظهورهن لم تظهر للمشاهد، بل حجبها عمداً، نتيجة تماسكهن على شكل كتلة واحدة، وبنفس القانون يصوغ عمل  (الزفانة - 1990)، و (الصامدون - 1992) الذي نفذه الفنان أثناء فترة الاحتلال.

          اعتمد الفنان "عيسى صقر" في أغلب أعماله خاصة في مرحلة النضج الفني على التكوين الهرمي، بما يحمله من شكل  ثابت وقوي خصوصاً أن قاعدته إلى أسفل، سواء كان العمل خزفياً أو نحتياً،  من خامتي البرونز أو الخشب اللتين أتقن العمل بهما بنفس القدر، كما أتاح التكوين الهرمي في أعمال "عيسى صقر " تحقيق فكرته في معالجة الشكل من جميع جوانبه، وبشكل متساو لأضلاعه المتعددة. العمل المركب  وينفرد "عيسى صقر" بميزة الإبداع في فرع نادر، وهو "العمل المركب"، على طريقة "بابلو بيكاسو"  (1881 - 1973) في هذا الاتجاه، فقد دأب الفنان على أن يتلقف أجزاء نحاسية قديمة (خردة) وخامات مختلفة مهملة، ويقوم  بعمل توليفة فنية من هذه الأشياء مجتمعة بشكل كولاجي، يذكرنا بفنون الحضارات القديمة خاصة في أعمال (أسطورة - 1976)، من النحاس المطروق مع مواد مختلفة، وعمل (الصوت الضائع - 1974)،  ثم العمل النحتي المبهج ( وجه فتاة - 1974) الذي استخدم فيه الفنان الحبال الملونة، وبعض الأشياء  التي لا يعيرها الناس أي اهتمام إذا صادفتهم ، ليصنع منها إكسسوارات تستخدمها الفتاة في بورتريه رائع. وعلى الرغم من قلة النقلات الفنية في أسلوب الفنان "عيسى صقر"، فإنها على قلتها مؤثرة وجاءت امتداداً طبيعياً لتطوره الفني،  فقد عرفناه في بداية حياته واقعيا مهموما بإحياء رموز التراث، والمأثور الشعبي، ومعالجة، مشاكل اجتماعية في أعماله، إلا أننا نرى أيضا تحوله التدريجي إلى التعبيرية الرمزية في أعماله  (الحرام-1969)، و (الإعلام العربي -1974)، (العطش - 1969)، ( شهيد الحب - 1979)، (الفارس - 1978).

          وإذا كان الفنان قد تحول في الفترة الأخيرة إلى التجريد خاصة في مجموعته الخزفية الأخيرة الملونة،  فإن أولى إشارات التجريدية قد ظهرت في تمثال (سجين الحب) في العام 1969، ثم التمثال الخزفي (الأرض - 1985)  وظلت هذه الإشارات تظهر من فترة إلى أخرى إلى أن تكاثرت كأسلوب استغنى فيه الفنان تماما عن التفاصيل، لصالح الشكل والفورم واللون وتأثير السطح الذي يحمل ذبذبات التشقق، وأصدق مثال على ذلك أعماله (الجفاف 1 ، 2) في العام 1989، وتمثال ( إمرأة) و (حيوان خرافي) في نفس العام وبنفس القانون. ومع ذلك نراه في العام 1992 ينفعل بأفراح التحرير، فيطلق شحنة واقعية رمزية في (فرحة التحرير) هذا العمل الذي تشكل على هيئة خريطة الكويت  لامرأة تتجه في خطواتها إلى الأمام، في الوقت الذي توحد ثوبها مع الريح.

          وعلى الرغم من اختلاف أساليب الفنان عبر مراحل حياته الفنية، فإنه ظل محافظا على خط يمكن تلمسه بوضوح يكشف عن أسلوبه الفني سواء كان واقعيا، أو تعبيريا، أو تجريديا، وهو رصانة الشكل  الذي يعتمد على بنائية درامية للعمل. لذلك فإن أهم ما يميز إبداعات عيسى صقر هو قدرته على صياغة بنائية نحتية من خلال خطوط قوية وموحية، تعكس صرامة وحدة قاطعة،  بالإضافة إلى إحداثه لملمس خاص سواء كان العمل نحتا على الخشب أو حجرا، أو رخاما أو جبسا، أو حتى في أعماله النحاسية،  هذا الملمس الذي يأتي في الغالب بطبيعته الخشنة ليعكس توتر السطح، ويتسق مع حركة الشكل والخطوط.

  • رحل الفنان "عيسى صقر" إلى جوار ربه سنة 2000 - التشكيلي

  • عن مجلة العربي - وزارة الإعلام - دولة الكويت

11/2/2004

 

 

ALTSHKEELY.com