التشكيل الكويتي

فنون عربية وعالمية

الفن وما حوله

فنون العمارة

كتاب في سطور

ورقة من حياة فنان

متاحف عالمية

حوار ورأي

حرف

قراءات

قاموس التشكيلي

تشكيل الحياة

أجراس

العودة للأولى

 

 

 

 

  خالد عبدالمغني 


 

طارق السيد رجب

طارق رجب

عبدالله القصار

عبدالله القصار

حزعل القفاص

خزعل القفاص

حميد خزعل

حميد خزعل

حسين مسيب

حسين مسيب

محمد الدمخي

محمد الدمخي

معجب الدوسري

معجب الدوسري

صفوان الأيوبي

صفوان الأيوبي

سامي محمد

سامي محمد

فاضل العبار

 
محمد البحيري
 
  • يشهد الفن التشكيلي  في الكويت خلال السنوات الأخيـرة ازدهـاراً لافـتـاً, الأمر الذي يدعو لتسليط الضوء على بدايات التجربة وآفاقها.

طوت الأيام خمسين عاماً على بدء مسيرة الفن التشكيلي في الكويت, تلك البداية التي خطاها الفنان الرائد معجب الدوسري (1921م - 1956م) في مسار الألف ميل, عندما افتتح معرضه الشخصي الأول بالمشاركة مع الطلبة بمدرسة المباركية في عام 1951م, بعد عودته من بعثته لدراسة الفنون الزخرفية في القاهرة, مبعوثاً من قبل إدارة المعارف عام 1945م, ليصبح بذلك أول فنان تشكيلي, وأول أستاذ كويتي لمادة التربية الفنية, ويصبح المعرض أول معرض تشكيلي يقام في الكويت.

وقبل ذلك التاريخ, كان الفن مجرد مادة تدرس إلى جانب المواد الأخرى, مثل: اللغة العربية, واللغة الإنجليزية, والقرآن والدين, والحساب, ومبادئ العلوم, وكانت تعرف بـ (مادة الرسم) وقد أقرّت كجزء أساسي بمناهج التعليم منذ منتصف الثلاثينيات, أي قبل ظهور المدرسة الحديثة, وكان يتعلم بها الطلبة في نقل ما يرسمه الأستاذ من أشكال على السبورة, ومن ثم يطلب من الطلبة نقله على الكراريس, لتدريبهم على الرسم, مع الاهتمام بالتظليل, إلى جانب تعلم المقاييس والأبعاد, وتعريفهم بنظرية المنظور, وغيرها.

وفي نهاية عقد الأربعينيات تقريباً, تطوّرت طرق التدرس بعد افتتاح (صف المعلمين), ليقوم بتخريج المعلمين المتخصصين, ومدة الدراسة به كانت سنتان, وكان من ضمن المناهج التأهيلية التي يدرسها الملتحق, مادة التربية الفنية (الرسم والأشغال) وكيفية تدريسها, وكان الفنان أيوب حسين أحد المعلمين الذين تخرجوا في الدفعة الأولى.

 

البدايات

 وفي النصف الأول من الخمسينيات, بدت ملامح التغيير في طرق ومناهج التدريس, وتزامنت مع عودة الفنان معجب الدوسري من بعثته, وممارسته لمهنة التدريس, بالرغم من قصر الفترة التي قضاها معلما, حيث لم تتجاوز ست سنوات, إلا أنها كانت كفيلة بإجرائه نقلة نوعية في مناهج التربية والتعليم, وفي انتقالها من مرحلة (الحضانة) كما في الأربعينيات كما يصفها الدكتور عبدالله تقي, إلى مرحلة (الرعاية والتشجيع).

ولقد واجه الفنان معجب الدوسري في بداياته - بلاشك - الكثير من التحديات, من أجل نشر الفن بين تلامذته, مقدماً لهم الكثير من التضحيات بجسده العليل, في سبيل غرس بذرة التشكيل في وطنه, ومتسلحاً بالثقافة الفنية الرفيعة, التي اكتسبها بعد أن أمضى قرابة السنة في (إنجلترا) عام 1953م, بعد التحاقه بدورة فنية في معهد تشيلسي للفنون, وبعد زياراته للمتاحف, والتعرف على مدارس الفن الحديثة, والتي كرّسها بعد عودته لتأسيس (جماعة الفن) مع طلبته في ثانوية الشويخ, ليشكّل بها نواة تستكمل مسيرة الفن التي بدأها, وكان من أبرز أعضائها الفنانين آنذاك: عبدالله تقي, طارق سيد رجب, عيسى بوشهري, فعمل على إطلاعهم على كل ما هو جديد في الفن, مع تعريفهم بالمدارس التشكيلية المتعددة, وتاريخ نشأة الفن, كما وفر لهم الخامات الخاصة بالرسم.

ومن أبرز مظاهر تلك الرعاية والتشجيع التي قدمتها إدارة المعارف للفن والفنانين, عندما دعت - وكان مديرها آنذاك رائد التنوير الأستاذ عبدالعزيز حسين - إلى إقامة معرض بثانوية الشويخ للفنانين وللهواة - كويتيين ومقيمين - تحت عنوان (البطولة العربية), وذلك احتفاء بالأدباء العرب, وتجاوباً مع موضوع المؤتمر الرابع للأدباء العرب, الذي انعقد على أرض الكويت في عام 1958م, باعتبار الفن أحد مظاهر النهضة, وقد حازت تلك اللوحات المعروضة إعجاب الأدباء العرب. بلغت اللوحات المشاركة مائة واثنتين وأربعين لوحة, تناول فيها الفنانون موضوعات تتعلق بمكافحة الاستعمار في المغرب العربي, وفي فلسطين, ورسمها لتحرير الجزائر يحمل صورة جميلة بوحيرد, وأخرى لجمال عبدالناصر وغيرها.

 

معارض الربيع

وعلى ضوء النجاح الباهر الذي حققه معرض البطولة العربية, تبنّت إدارة المعارف فكرة إقامة معرض سنوي, أطلق عليه (معرض الربيع) وافتتح في مارس من عام 1959م, وذلك لكي يحافظ على استمرار عطاء الفنانين, وتفتح لهم مساحة جديدة للتواصل, والاحتكاك, والإبداع.

كانت نسبة المشاركة بمعارض الربيع, كبيرة ومتزايدة من قبل الفنانين, حيث بلغت عدداً لا يستهان به قياساً بالمشاركات في وقتنا الراهن, بل فاقت ما هو متوقع من إقبال لدى الجنسين, ففي المعرض الأول بلغت مائة وستين لوحة, قدمها أربعون فناناً وفنانة, وأما المعرض الثاني عام 1960م, فبلغت الثلاثمائة وخمسة وعشرين لوحة, قدمها ثمانية وسبعون فناناً وفنانة, وأما معرض الربيع الثالث لعام 1961م, فبلغت الأربعمائة لوحة وما يقارب من المائة والخمسين من التماثيل والقطع الخزفية, قدمها مائة وعشرون فناناً وفنانة.

وقد يكون مستوى المشاركة بمعارض الربيع دون المستوى الأكاديمي المطلوب, يغلب عليها الطابع المدرسي, البعض منه متواضع, والكثير منه تسجيلي وفطري, إلا أن مؤشر الإقبال الكبير, والحماسة في المشاركة يعكسان أمرين مهمين, الأمر الأول: قبول المجتمع الكويتي للفن التشكيلي بالرغم من حداثته, وتشجيعهم لأبنائهم على ممارسة الرسم, والثاني: الاستعداد الذهني لدى الطلبة الموهوبين في تعلم كل ما هو جديد, ورغبتهم في التزوّد بالخبرة من قبل أساتذة مختصين, وصقلها من خلال التدريب.

ولم تقف إدارة المعارف في رعايتها للفن التشكيلي عند حدود إقامتها للمعارض فقط, وإنما تخطتها إلى ما هو أبعد من ذلك, إيماناً منها بدور الفن في المجتمع, والحاجة الماسّة للفنانين من أجل البناء, والنهضة, والرقيّ, قبل أن يعلن الاستقلال, وانتقال الكويت من الإمارة إلى كيان الدولة.

كان لدى المسئولين القائمين على التعليم في تلك الفترة نظرة ثاقبة نحو المستقبل, ففتحت باب البعثات للتخصص في الفنون, للفنانين: طارق سيد رجب, وعبدالله تقي, وعيسى بوشهري, وأحمد زكريا الأنصاري للدراسة خارج البلاد.

 

المرسم الحر

وفي نهاية عام 1959م, قررت إدارة المعارف تأسيس مقر يلتقي فيه الفنانون الهواة, ويوفر لهم الخامات الخاصة, وينمّي فيهم موهبة الرسم, ويقوم أيضاً بتبني المواهب التي تكتشف في معارض الربيع السنوية, تحت إشراف أساتذة مختصين في مجالات: التصوير, والنحت, والخزف, أطلق عليه اسم (المرسم الحر), واحتل جزءاً من مدرسة قتيبة الابتدائية للبنين, حيث خصصت بعض الغرف كمراسم خاصة للفنانين, بالإضافة إلى توفير المكتبة الفنية.

ويعتبر (المرسم الحر) مشروعا طموحا ورائدا في الوطن العربي, حيث ولد كفكرة ورغبة صادقة من قبل الأستاذ حامد حميدة مفتش التربية الفنية, بغية تخصيص مكان يلتقي فيه الفنانون, ويحظى بالرعاية الكريمة من قبل الأستاذ الرائد عبدالعزيز حسين, الذي هدف من تبنيه لإنشاء المرسم, ان يصبح فيما بعد, ومع مرور الوقت كلية للفنون, وكان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الحلم, لولا تقليد الأستاذ عبدالعزيز حسين سفيراً في مصر, وبعدها وزيراً للدولة لشئون مجلس الوزراء, وانشغاله في مهام بناء الدولة الحديثة من بعد إعلان استقلال الكويت في عام 1961م, وما استجدت من أولويات أخرى مثل إنشاء جامعة الكويت والمعاهد المتخصصة كالمعلمين, والتكنولوجيا, والفنون المسرحية, والفنون الموسيقية, حالت هذه الأولويات دون تحقيق إقامة كلية الفنون التشكيلية.

 

التفرغ الفني

جاء (المرسم الحر) عنواناً لمرحلة الستينيات, وهي مرحلة (التكوين والتأسيس), عندما فتح باب التفرغ الفني, الذي يتيح للفنان المناخ المناسب للإنتاج, والإبداع, والابتكار, بعيداً عن العوائق الاجتماعية التي تحد من إنتاجه, مع توفير الحياة الحرّة الكريمة له بعيداً عن مشاغل العمل.

ويعتبر الفنان عيسى صقر في عام 1961م , أول فنان يحصل على التفرغ الفني, وبعده الفنان خليفة القطان عام 1962م, ولينضم بعدها لمسيرة التفرغ كل من الفنانين: سامي محمد, وعبدالله سالم, وخزعل عوض, وسعاد العيسى, ومساعد فهد, وجاسم بو حمد, ومحمود الرضوان, وعبدالله القصار, وصبيحة بشارة, وغيرهم من الفنانين, البعض منهم امتدت فترة تفرّغه الفني إلى أربعين عاماً, والبعض الآخر قضى فترات زمنية قصيرة ومتفاوتة.

وشكّل فنّانو المرسم الحر خلال مسيرتهم الفنية, العمود الفقري للحركة التشكيلية في الكويت, بدأت من رعايتهم لمعارض الربيع السنوية, استكمالاً لدور إدارة المعارف في إقامة معارض الربيع السابقة, وبعد ذلك دورهم الكبير عندما تقدموا بالطلب لتأسيس الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية عام 1967م, ذلك الصرح الاجتماعي الثقافي, الذي شكّل رافداً مهماً يصب في نهر الفنون, وإسهامه في إقامة المعارض الشخصية والجماعية, وفي إقامة معرض السنتين - بينالي - للفنانين التشكيليين العرب في عام 1969م, الذي استمر سبع دورات متتالية لعام 1981م.

ومحافظته على استمرار المعرض الخاص لأعضاء الجمعية, والمعرض العام لجميع الفنانين الكويتيين والمقيمين, بشكل سنوي مع تخصيص الجوائز لأفضل الأعمال المشاركة.

ودخل الفن التشكيلي مرحلة جديدة في عقد السبعينيات, وهي مرحلة (الاحتكاك والانتشار), من خلال مشاركات الفنانين في المعارض الخارجية, وتمثيل الفنانين أعضاء الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية, في المعارض العربية والمحافل الدولية.

وبدت الملامح الفنية الخاصة بالفنانين تتضح معالمها, وبخاصة مع عودة الفنانين المبعوثين من الخارج, واكتسابهم لمهارات جديدة, وبروز أسماء جديدة من الفنانين مثل: جعفر إصلاح, باسل القاضي, جعفر دشتي, محمد قمبر, جاسم بوحمد, موضي الحجي, صبيحة بشارة وغيرهم من الفنانين.

وازداد حضور الفن التشكيلي أكثر مع إنشاء المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في عام 1973م, وانتقال رعاية المرسم الحر إليه بعد أن كان تحت إشراف وزارة الإعلام, فعمل على إنشاء قاعات العرض المتخصصة, ورصد ميزانية سنوية لاقتناء اللوحات المتميزة, تحت إشراف لجنة خاصة للمقتنيات, واستضافة الفنانين العرب والعالميين, وإقامة معارض لهم في الكويت, وهذا كله ساهم مساهمة فاعلة في تنشيط الحركة التشكيلية, وفي تنمية الوعي الفني لدى المجتمع.

 

سمات واتجاهات

وبعد الاستعراض الموجز لتاريخ الحركة التشكيلية في الكويت, لابد من التوقف للاطلاع على أبرز الاتجاهات الفنية, وذلك من خلال إسقاط الضوء على بعض أبرز الفنانين الذين صاغوا تلك الاتجاهات والتعرف على سماتهم الفنية.

          فمن الجيل الأول, نكتشف في أعمال الفنان الرائد معجب الدوسري, اهتمامه المبكر بالبيئة المحيطة به, واختياراته للمواضيع التي تنشد الجو الروحاني, واهتمامه الشديد بالعنصر الإنساني في أغلب أعماله, ولقد كان الدوسري حريصاً كل الحرص بأن لا تنعكس خبراته في التلوين على اختياره للموضوع, بقدر انعكاسها على أسلوبه في التشكيل, وهذا ما نجده في أعمال تلامذته, الذين س يمثلون امتداداً لمدرسته, مثل: عيسى بوشهري, وعبدالله تقي, وبشكل أدق في أعمال الفنان طارق سيد رجب (1935م), الذي تلقى دراسته الأكاديمية في إنجلترا, يعتبر من أبرز جبل الرواد - على الإطلاق - في مهارته في التلوين, وسيطرةً على النسب, ومعالجته للظل, ودقته في التشريح, التي وظفها في تناوله للمواضيع من البيئة بالأسلوب الواقعي, كالسفن الشراعية وهي راسية على الساحل, وحركة الناس في الأسواق, ورسم المنازل, ولكن - مع الأسف - اختطفته مشاغل الحياة عن الفن, فانقطع عن المشاركة في المعارض, وشكل غيابه خسارة لا تعوّض!

وأما الفنان أيوب حسين (1932م), وهو من جيل الروّاد, اختار الطريقة التسجيلية الوثائقية في الرسم, وفي تصويره لمشاهداته التي علقت في ذهنه منذ الصغر, وإذا جاز تحديد أسلوب الفنان أيوب حسين, والمدرسة الفنية التي ينتمي لها, نجده قريبا من الأسلوب الفطري, فبداية رحلته مع الفن كانت تلقائية, وممارسته لها كانت مجرد هواية, فهو لم يتلق دراسة أكاديمية, معتمداً على قدراته الذاتية في تطوير أدواته الفنية, وفي بحثه المتأني في إيجاد لغته الخاصة, التي اكتسبها من خلال ممارسته المستمرة في الرسم, وعبر المشاركة في المعارض الجماعية وإقامة المعارض الشخصية.

وبرز من الجيل الثاني باتجاههم الواقعي امتداداً لجيل الروّاد, كل من: الفنان محمد الدمخي (1944-1967م) التي تبين لنا لوحاته مدى اهتمامه بالبعد الإنساني, ورصده للحياة الاجتماعية في الماضي, وأما التجربة الأخرى للفنان محمود الرضوان (1939م) وتبدو في أعماله ملامح النضج في الاتجاه الواقعي, وخاصة اعتناءه بتأثير الضوء الساقط على رسم المنازل, بالإضافة لتجربة الفنان عبدالرضا باقر الذي يميل في رسمه إلى المزج ما بين الرمزية والواقعية, واعتماده على اللمسات التأثيرية في معالجته الضوء, وأيضاً في بعض تجارب عبدالرسول سلمان (1946م) التي يجمع بهاالواقعية مع التسجيل الأقرب إلى الفوتوغرافية في أعماله, وأحياناً أخرى يلجأ للمسة السريالية الحالمة.

وأما الفنان أحمد زكريا الأنصاري (1931 - 2000م), فعلاقته بالفن التشكيلي ارتبطت منذ دراسته للعمارة في إنجلترا عام 1934م, وهو من أوائل الفنانين الذين اهتموا بالحرف كتشكيل فني, وفي توظيف الحرف والكلمة في لوحات صرحية وجدارية في منتصف الستينيات, تنقل في مسيرته الفنية بين التجريدية والواقعية الرمزية, وقدم تجارب نحتية مشغولة من مادة الخشب تميزت بالمنحى التجريدي, حيث نلمس بها تأثره بالفنان هنري مور في معالجته للفراغ.

في حين يعتبر الفنان خليفة القطان (1934م) من أوائل الفنانين الذين ابتكروا أسلوباً خاصاً بهم, أطلق عليه السيركليزم (الدائرية), وهو من النشيطين في المشاركة بالمعارض الفنية, ويميل أسلوبه نحو التعبيرية, وأحياناً يلجأ للمعالجة السريالية, ولكن بمفرداته الفنية الخاصة مثل تضمين رسم البيضة والتفاحة.

ويلتقي أربعة فنانين بالاتجاه التجريدي, ولكن لكل فنان معالجته الخاصة في التلوين, نبدأ بالفنان عبدالله سالم (1949م) وهو من فناني المرسم الحر, تنقل في أسلوبه من الواقعي إلى التجريدي, وبرز باستخدامه للحروفية بتشكيلاتها المختلفية, وانتهى بتشكيلات وزخارف من وحي (السدو) كالمثلث, والمربع, في حين يلجأ الفنان محمد البحيري (1949م), إلى تأليف التكوينات الغائرة والبارزة على سطح اللوحة, وما تحدثه التشكيلات اللونية من تباينات جمالية, في حين يتفرّد الفنان صفوان الأيوبي (1946م), باعتماده على المساحات اللونية ذات الحس الجمالي, مع إبرازه للعناصر والشخوص بضربات ذات شحنة تعبيرية, وأخيراً مع الفنان محمد قمبر (1950م), الذي تتميز تجريديته بروح شرقية خالصة, ذات الرموز والمفردات الزخرفية كالهلال, والمثلث, مع اعتنائه بالمساحة اللونية.

وأما الاتجاه السريالي, فبرز فيه الفنان عبدالله القصار (1941م), وهو فنان بارع في التصوير, حصل على جائزة الرسم الأول في مرسم الأقصر في مصر عام 1945م, وعلى الجائزة الثانية في التصوير ببينالي القاهرة الثاني, ويتميز توظيفه لقصص وأساطير من التراث, وفي تجاربه الأخيرة اتجه نحو توظيف الرموز الفرعونية, وأما الفنان عنبر وليد (1964م) فيمثل منحى جديداً للسريالية, حيث يميل لسريالية الفكرة لا الحلم, ويعتمد بناؤه الفني على المشهد المسرحي.

وللفنانات التشكيليات مكانتهن المتميزة في مسيرة الفن التشكيلي, وكان لهن نشاط ملحوظ في البدايات من خلال معارض الربيع آنذاك - وحصلن - أغلبهن - على بعثات لدراسة الفن, وتعتبر الفنانتان سعاد العيسى وصبيحة بشارة, من أوليات من منحن التفرّغ الفني في المرسم الحر عام 1974.

برزت الفنانة صبيحة من خلال تصويرها للأزهار, وتحميلها مضامين رمزية, وبعدها اتجهت - في مراحلها الأخيرة - إلى التبسيط في الرسم, ويغلب عليها استخدام اللون الواحد, وتدور مواضيعها حول المرأة وحالاتها اليومية, وهناك فنانات أخريات كان لهن دور بارز - ومازال حتى الآن - مثل: موضي الحجي, سامية سيد عمر, ثريا البقصمي, اللاتي ساهمن بمشاركتهن الفاعلة في المعارض التشكيلية, في ازدهار الفن وانتشاره.

وهناك تجربتان لفنانين لهما من الخصوصية ما يميزهما عن باقي التجارب الفنية, هما جعفر إصلاح وباسل القاضي, وكلاهما يلتقيان في البعد الصوفي والروحي في تناولهما للموضوع.

          ويعتبر الفنان باسل القاضي (1938م), من الفنانين القلائل الذين حافظوا على هويتهم وشخصيتهم الفنية, بالرغم من إقامته الدائمة في لندن, حيث لم يتأثر بالاتجاهات الفنية التي نشأت باسم الحداثة, وتتميز أعماله بتصويره للبناء المعماري, الذي يترك أثراً كالطلل, أو فيما يشبه المعابد المهجورة, بها نوافذ مفتوحة على عوالم سرية, وفي مواضيعه صفاء روحي, تدعو المشاهد للتأمل.

وأما الفنان جعفر إصلاح (1946م), فهو يمتلك ثقافة فنية رفيعة واطلاعا واسعا على الفنون العالمية, بحكم دراسته الفنية في أمريكا, وتنقلاته ما بين فرنسا وإيطاليا, وتتميز تجربته بالملمح الإنساني, والعمق الفلسفي, وأسلوبه مبني على التبسيط في التصوير, والانسجام في التلوين, له محاولات متميزة - في البدايات - في فن الطباعة على الحرير, وأما في أعماله الأخيرة فاتجه نحو القياسات الصرحية, وإلى المعالجة اللونية التي تعتمد على اللون الواحد, مع إلغائه الكامل للظل, والميل نحو التبسيط في رسم الأشكال, والتسطيح للمساحة, من خلال رسم الخطوط الموحية ببنائها الهندسي البسيط, والتي تضفي على الشكل المسطح عمقاً جمالياً بلا تكلف أو افتعال. وأما في مجال ( النحت ), فقدم المثلث المكون لأضلاعه كل من: عيسى صقر (1940-2000م), وسامي محمد (1943م), وخزعل عوض (1944م), تجارب نحتية متميزة بلغت درجة رفيعة المستوى, عالية في الأداء, مما جعلها تحتل مكانة متميزة في الوطن العربي.

يميل الفنان عيسى صقر بتجربته الفنية, نحو تجسيد المشاعر الإنسانية, وتصويره لعلاقة المرأة بالرجل, وبالمجتمع, وتميز أسلوبه بالواقعية المبسطة ذات المسحة التجريدية, ونهله من مخزون التراث في تجسيمه للرقصات الشعبية, وأغلب مواضيعه من البيئة المحلية, واتسمت أعماله الأخيرة بالحجم الصغير, التي تحمل مضامين رمزية, ولكن فقدته الكويت في العام الماضي, وهو في أوج عطائه.

وأما الفنان سامي محمد, فقد أجاد في النحت والتصوير معاً, وخلق جسراً بين الاثنين, من خلال تناوله لصراع الإنسان من أجل التحرر, برز في تجربته التي عرفت بالصناديق, يقدم بهذا أذرعاً أو أرجلاً تسعى للخروج, وتجارب فنية أخرى تصوّر الإنسان مقيّداً بالحبال, أو مرمياً على الأرض من أثر دهس سيارة, مواضيعه تترك صدمة, دهشة, وأحياناً مرارة الواقع.

في حين لجأ الفنان خزعل عوض في أسلوبه للسهل الممتنع, فأعماله اتسمت بالبساطة, وأما مواضيعه فتتناول الواقع اليومي, وحركة الناس, وفي أعماله الأخيرة اتجه لإضفاء لمسة تجريدية, مع الاهتمام بالفكرة ورمزيتها.

ويضاف لمثلث النحت فنانون قدموا تجارب متميزة, ولكن ممارستهم للنحت كانت متقطعة, مثل الفنان عبدالحميد إسماعيل (1940م), كان من فناني المرسم الحر, بدا غزير الإنتاج في بداياته, تعامل مع الخشب كمادة أولية, مثل جذوع الشجر, وبعض أعماله تحمل دلالات رمزية للجسد, وكـذلك الفنان جواد بوشهري (1943م), الذي اشتغل بمادة الخشب, وأبدى اهتماماً كبيراً بالكتلة والفراغ, ومعالجته للاتزان والتكوينات الانسيابية, وفنان آخر هو جاسم بوحمد (1946م), قدم أعمالاً تتصف بالحداثة, وتعامل مع الخشب والرخام والبرونز, وتميز باستخدامه لمواد مضافة مثل القواقع واللمبة, ولكنه مقل في إنتاجه النحتي نظراً لاتجاهه نحو التصوير.

وبعد الاستعراض السريع لبدايات مسيرة الفن التشكيلي في الكويت, لابد من رصد التطوّرات التي صاحبت المسيرة في السنوات العشر الماضية, والتي يبدو من أبرز معالمها ما شهدته الكويت من نشاط تشكيلي ملحوظ, والناتجة عن جملة تطورات إيجابية ساهمت بدورها في انـتشاره, وفي أكثـر من جانب.

وصاحب النشاط التشكيلي المتجدد في التسعينيات, عودة بعض مجالات الفنون التشكيلية التي كانت غائبة منذ فترة من الزمن, مثل (فن الخزف), واستطاع الفنانون: عيسى محمد, وفواز الدويش, وعلي عوض, وعباس مالك, إحياءه من جديد بعد انقطاعه منذ الستينيات, عند التجارب الأولى للفنانين, حمدان حسين, وحسين مسيب, وعبدالحميد اسماعيل, وان استمر مع الفنان عيسى صقر في بعض تجاربه, من خلال الجمع باقتدار ما بين الخزف والنحت.

كذلك مجال آخر من الفنون التشكيلية بدأ يأخذ موقعه في المعارض التشكيلية, وهو مجال (فن الخط), الذي يعتبر أحد الفنون المرتبطة بالتراث والتاريخ, ويعتبر الفنانون: علي البداح, وليد الفرهود, وفريد العلي, أبرز مَن قدموا فن الخط, وساهموا في انتشاره.

إلى جانب الرعاية الخاصة التي لقيها الفنانون الهواة, في مشاركتهم بالمعارض الجماعية, كمعرض القرين السنوي, ومعرض الجمعية العام, التي زادت من فرص الاحتكاك والتنافس بين الفنانين, ويضاف إلى ذلك كله زيادة نسبة المبالغ المرصودة للاقتناء من قبل المجلس الوطني للثقافة, التي ساهمت إلى حد كبير في تطوير الفنان لقدراته الفنية.

أما عن البنية التحتية, فقد تم افتتاح عدة قاعات مجهزة, كقاعتي: أحمد العدواني ومعجب الدوسري, التابعتين للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, وأيضاً استكمال الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية بناء مقرها, وأصبح لديها قاعة خاصة لتقيم بها معارضها التشكيلية.

ولكن تبقى بعض من السلبيات, التي حدت بدورها من تطور الفن التشكيلي في السنوات الأخيرة, من أبرزها توجه بعض الفنانين - بخاصة بعد الغزو العراقي - نحو المباشرة في تناولهم للقضايا الوطنية, والانفعالية في التعبير عن مشاعرهم, وهذا ما يتعارض مع الإبداع.

وأيضاً, غياب بعض الفنانين الذي ترك فراغاً من الصعب ملؤه, وانشغال البعض الآخر بمشاغل الحياة, وقد تزامن مع هذا الغياب والانسحاب, ظهور بعض الفنانين الهواة الذين يفتقرون للخبرة, والدراسة, والرؤية, والغاية من الفن, إلى جانب التوقف عن منح التفرّغ الفني للفنانين في المرسم الحر, الذي يتيح للفنان مجالاً أوسع لأن يبدع, وينتج, بعيداً عن ضغوط الحياة, ومشاغلها.

كذلك ساهمت التغيرات الاجتماعية التي صاحبت المجتمع الكويتي في نهاية السبعينيات, مثل النظرة السلفية تجاه النحت , إلى عدم وجود جيل جديد من النحّاتين, كي يكملوا مسيرة الرواد, بالإضافة إلى عدم وجود حركة نقدية مواكبة للنشاط التشكيلي الذي يعرض, ولا صحافة متخصصة لترصد ما يقدم من مستويات, وقد ساهمت هذه السلبيات مجتمعة, في تباطؤ تطوّر الفن التشكيلي في بعض فتراته.

ليس جديداً في نهاية حديثنا أن نشير لأهمية الفنون التشكيلية كعلامة نهضة واضحة, ودلالة ازدهار, ومظهر نمو, وعنوان تقدم, لأي وطن, وإنصافاً للحركة التشكيلية الكويتية نضيف أن دورها المشهود خلال عدة عقود, يستحق منا الحرص, وليس على مجرد الاستمرار, أو حتى المواكبة, ولكن ضرورة الإضافة, واستشراف المستقبل.

  • مجلة الكويت

22/5/2004

 

 

ALTSHKEELY.com