التشكيل الكويتي

فنون عربية وعالمية

الفن وما حوله

فنون العمارة

كتاب في سطور

ورقة من حياة فنان

متاحف عالمية

حوار ورأي

حرف

قراءات

قاموس التشكيلي

تشكيل الحياة

أجراس

العودة للأولى

 

 

 

 

  حميد خزعل


 

علي العوض

 

علي العوض

 

د.صفوت نورالدين

 

جميلة جوهر

 

عيسى محمد

 

عيسى محمد

 

د.صفوت نورالدين

 

د.صفوت نورالدين

 

جميلة جوهر

 
  • بالرغم من السرعة الزمنية القياسية التي اتسمت بها بدايات فن الخزف الكويتي في رحلته نحو تأكيد ذاته على الساحة التشكيلية الكويتية التي خُطط لقيامها من خلال إنشاء المرسم الحر سنة 1957، والاهتمام والعناية الكبيرين اللذين حظي بهما في بادئ الأمر، فإنه لم يلبث أن تراجع نموه، وانطفأت جذوة تألقه، وانزوى مختفياً عن الأنظار، وانفض أعضاء المرسم الحر عنه، متجهين إلى مجالات أخرى كالنحت والرسم والتصوير الزيتي، ولم يبق من الخزف سوى الممارسات المدرسية في حصص الرسم والأشغال، بوصفها جزءا من المنهج التربوي، المحدود الإمكانات الفنية والتقنية.

لم تظهر خلال الفترة الواقعة بين 1965 و 1991 أي تجربة جادة، أو توجه ملتزم لإحياء هذا المجال الفني، سوى بعض الأعمال التجريبية التي أنتجها النحات الراحل "عيسى صقر".

بعد هذه المرحلة من الركود شبه الكامل لمشروع فن الخزف الكويتي المعاصر، الذي لم يكتب له النجاح في إرساء تجربة خزفية متكاملة وناضجة، بدأت مجموعة من الشباب في تبني حركة نشطة لإحياء هذا المجال الحيوي والمهم على خارطة أي حركة تشكيلية معاصرة.

كانت البداية في "رابطة الحرف اليدوية" التي أنشئت تحت مظلة النادي العلمي سنة 1992.

بدأت هذه المجموعة الشابة العمل وسط نمط حديث من الاتصال الفكري، والبصري الإنساني التي هيأتها وسائل الاتصالات الحديثة، والاحتكاك بالحركات التشكيلية العربية والعالمية، وعن طريق المشاركات في المعارض الخارجية، وزيارة المتاحف وورش العمل لفنانين عرب وأجانب؛ و غير هذه الإمكانات البصرية والفكرية والميدانية التي لم تكن متوافرة في بداية نشوء وتبلور كيان الحركة التشكيلية الكويتية.

هكذا بدأت الخطوة الأولى، والصحيحة لإحياء ما بدأه المرسم الحر، ولم يتمكن في ظل ظروف تلك المرحلة من إتمامها!

ومن الأمور الجيدة التي حظيت بها الحركة التشكيلية الكويتية بشكل عام، ومحور "الخزف" بشكل خاص، تلك المجموعة من الفنانين ذوي الرؤية المتفتحة والمتطلعة نحو التطور والتجديد، وتقبُّل أنماط الحوار الفني التجريبي في مجال استخدام تقنية المادة، وتفهم حتمية البحث عن حلول بصرية جديدة لشكل التجربة الخزفية التقليدية. وقد استجابت هذه المجموعة لمتطلبات هذه المرحلة، بسلاسة فكرية، وسلوكيات تقنية في التنفيذ حققت تميزاً إبداعياً لمجموعاتهم الخزفية.

يتجلى هذا التوجه بوضوح في أعمال كل من: "علي العوض" و"عيسى محمد" و"د.صفوت نور الدين" و"جميلة جوهر"، فقد حاول كل منهم إيجاد صيغة خاصة به، تحتوي تجربته الفنية في الاستغلال الأمثل للخامة، وتشكيل نمط بصري متفرد، يعتمد على الاستفادة من قدرات الطينة على التشكل والانسجام مع محيط "الفراغ"، لما لهذا الأخير من أهمية في إبراز تقاطيع، وتفاصيل الكتلة، وكونه مكوِّناً طبيعيا يساهم بفعالية في إبراز العمق البصري لإطار الصورة البصرية التي تربط عين المشاهد بكتلة العمل.

صياغة الحدود بين الكتلة والفراغ

يركز "على العوض" جل اهتمامه على إبراز الحدود الخارجية للكتلة، مستفيداً من إدخال خامة الحديد المتمثلة في "الأسياخ" التي يستخدمها في تجميع بعض أجزاء ومكونات العمل، مستعيناً بمجموعة ألوانه الخاصة للتقريب بين خصائص خامة الحديد وكتله الخزفية وأجزائها، وقد نجح هذا الدمج التركيبي واللوني "المُطفأ"، في إيجاد بيئة متجانسة تحتوي الخامتين معاً في مساحة واحدة، مما ساعد على خلق صورة بصرية مبتكرة لأشكاله، ذات بعد جمالي يمتلك خصوصيته المعاصرة.

توءمة الفكر والكتلة في الصياغة البصرية

أما "جميلة جوهر" فقد سعت في بحثها عن خصوصيتها "الفنية" و"الخزفية" إلى التركيز في المؤالفة بين الصياغة الجمالية للشكل والحاجة العاطفية للبيئة التي ينمو العمل الفني وسطها!

إن تجربة "جميلة جوهر" الجمالية، اعتمدت شكل الحوار العاطفي والفلسفي بينها وبين جمهورها، في تبني قضية تمس تداعياتها قطاعاً واسعاً من المجتمع، ولا نعني هنا المجتمع الكويتي وحده، بل مجتمعات كثيرة، تتوزع على اتساع الخريطة الجغرافية لكوكبنا!

لقد ظل "الخزف" ولفترة تاريخية طويلة، يلبي حاجات الناس اليومية النفعية والمعيشية، ولم يلعب الخزاف دوراً وسطاً في تلمس تلك الحاجة اليومية، والحاجات النفسية، والعاطفية، والروحية، حتى استتب الأمر للحرفة الميكانيكية، ذات الإنتاج الوافر، والصياغات المتعددة في الشكل والمظهر!

لهذا لم يكن بد من إيجاد سبل وسلوكيات فنية وتقنية تخرج هذا الفن من مأزق منافسة لا جدوى من المضي فيها بين "الخزاف" و"الصنعة الآلية"، وهذا ما دفع الخزاف المعاصر إلى البحث عن صياغة خطاب عصري لكتلة الطين.

و"جميلة جوهر"، شأنها شأن أقرانها من الخزافين، توصلت للتوقيع على هذا الخطاب المعاصر من خلال رؤيتها الخاصة، مستغلة هذه الطواعية والليونة البنيوية في كُتلة "الطينة" التشريحية، وتوءمتها مع المحور الأساسي لموضوع العمل الفني، وهذا "المحور" تمثل في قضية إنسانية عامة، حدد الزمن تفاصيل سيرتها ومسيرتها الوجدانية "عاطفياً"، والفنية "تقنياً" بكثير من البساطة الإبداعية، التي استغلت الصورة الذهنية للعمل، لاجتياز مهمة التفكير في قضية "الكتلة" و"الفراغ"، وعلاقتهما الأزلية في تشكيل الخطوط الخارجية للعمل، وهذا الأمر أتاح  لـ"جميلة" مساحة واسعة للاهتمام بتفاصيل "الصورة الذهنية" للحدث، والتفرغ للبحث عن حلول بصرية جديدة لشكل مخرجات الخزف التقليدية التي استخدمتها كأرضية، أو كمحور تصوغ حوله نمطها التجديدي في صياغة الشكل.

الإنسان بين امتداده الفكري والبصري

 في بادئ الأمر اهتم "عيسى محمد" بالبحث عن "مركب" جديد للصورة البصرية النمطية لشكل الآنية الخزفية، وهو بحث غطى مساحة واسعة جداً من اهتماماته الشخصية في بنائه المبكر لركائز فكره الفني والفلسفي، في محاولة منه للوصول إلى رؤية جديدة لعمله الخزفي في امتداده الإنساني، وقد تمثلت هذه المرحلة في معايشته العملية لخزافي قبائل الهنود الحمر في أمريكا.

هذه المساحة الزمنية التي عمل فيها في مخيمات الهنود الحمر، أكدت رغبته في تتبع مفردات التراث الإنساني، والاشتغال عليها في بناء رؤيته الخاصة ضمن محيط عمله.

لقد عبرت به هذه الرموز الهندسية والحيوانية الهندية، ذات السمات والتفاصيل الخاصة، والمميزة المبنية على فكر عقائدي لا يمت لتراثه الخاص بصلة، إلى التحليق في آفاق عشقه للتواصل الإنساني، وفتح منافذ جديدة لرؤيته للكتل والسطوح الطينية التي يعالجها، ويبحث لها عن "رداء" جديد تتألق أفكاره من خلاله.

اهتمامه بهذا النمط من العلاقات بين الفكر الإنساني كحالة فلسفية، والقطعة الخزفية كقيمة جمالية تتعدى حدود الاستعمال اليومي البسيط، أو في صورته البصرية المحدودة ضمن صالة، أو واجهة العرض، دفعه لأن يخلق لأعماله امتداداً بصرياً مفتوحاً، تتحرك فيه قطعه التركيبية لتؤكد أهمية حوارها الفكري، وصياغتها التشكيلية.

دورة كونية

إن خصوصية الرؤية التي حاولت الدكتورة "صفوت نورالدين" من خلالها رسم إطار الصورة البصرية لعملها الفني، استمدت مكوناتها وفلسفتها التعبيرية من الأشكال العديدة التي تسبح في محيط الاهتمام اليومي للـ"ناس"، ولذلك فإن لمس الواقع في هذه الرؤية تطلب تشكيل مساحة العمل لكي تتطابق مع الهيئة والحجم في الشكل الأصلي، الذي يمثل الصياغة التجديدية لمفهوم "شخصية" هذه الأشكال والقطع النفعية التي تعيش في محيط عالمنا الخاص، ومن ثم يتطور هذا "الحوار" العاطفي والبصري إلى صورة العمل الإبداعي الذي يسعى إلى تقديم نفسه في إطار حداثة الصياغة، وتجديد الرؤية!

إن لغة الحوار لدى الفنانة تأخذ دورتها الكونية الكاملة، وهي تتعامل مع هذه الأشكال، لتخرجها من واقعها الصامت إلى واقع جديد، وسلوك تجديدي في طرح "شكلها البصري" بيننا كـ"ند"، تتحرك داخله المشاعر والأحاسيس نفسها، ويحمل سمات تكاد تنافس سماتنا العامة التي تغلف شخصياتنا، ولكن من دون إبهام، أو تشويش عاطفي!

القضية التي اختارتها د."صفوت نورالدين"، أكدت اتساع أفق الفكرة، وشمولية الموضوع، وانتقاله من بيئة محلية محدودة الإطار إلى فضاء كوني واسع، اعتمد "طبيعة الأشياء" للتعبير عن سلوك انساني يتشكل كل يوم بوجه جديد، بينما يظل محيطه ساكناً من دون حراك.

فالأحجام الطبيعية، وملامس السطوح المؤَكَدَة بقوة، وحركة الشكل الطبيعية، والعلامات المسجلة بطريقة "الفوتوسيراميك" تعيد الاعتبار للجانب الإنساني لهذه الأدوات المتناثرة حول عالمنا اليومي!

رؤى متعددة.. وإطار واحد

قد تختلف وجهات النظر في السعي لإيجاد صياغة تشكيلية خاصة بكل نموذج من النماذج التي تناولتها ورقة البحث، لكن الرؤية التجديدية للصورة البصرية لهذه الأساليب تبدو موحدة، وتسير في خط مستقيم للوصول إلى محصلة نهائية تصب في نهر العطاء الإبداعي لمحور فن الخزف، ضمن محيط الفن التشكيلي الكويتي المعاصر.

إن البناء الفكري في هذه الصياغات الخزفية الحديثة، اعتمد في مخرجاته الفنية على عدة عناصر:

أولاً: استكشاف المحيط البيئي المحلي، والاستفادة من خصائصه ومكوناته الطبيعية، والتراثية والجغرافية، بل وتجاوز البحث في هذا المحيط البيئي إلى المحيط الشخصي، الأكثر التصاقاً بالفنان وبحياته، وحركته اليومية، وهذا ما أضفى على التعامل كثيراً من السلاسة، على صعيد الربط بين مكونات العمل الفنية، ومحيطها البصري والعاطفي.

ثانياً: تقليص الهوة بين الصورة البصرية التقليدية لقطعة الخزف، والرؤية الحاضرة لفن تشكيلي يتخطى جمود الصنعة، وهذا ما وجه السلوك "التشكيلي" لهذه المجموعة من الفنانين نحو تفكيك القيم التقليدية في تقنية تشكيل وصياغة "الشكل"، وإعادة تركيبه برؤية معاصرة، مع المحافظة على الروح الأصلية لمادة الخزف.

ثالثاً: الاقتراب بكثير من التمكن من الحوار الإنساني العام، دون الانسلاخ عن الهوية المحلية، مما صبغ هذه الأعمال بصبغة فلسفية مفهومة، ومساحة حوار حضاري واسع ضمن إطار الرؤية البصرية الجمالية.

رابعاً: تسخير المواد الصياغية والأكاسيد والجليزات، وتقنيات الحرق المختلفة بشكل مدروس ومقنن، للإفادة منها في دعم القيم الجمالية، وما يمازجها من قيم فكرية، وفلسفية، تسعى لتأكيد صورتها الحداثية، ودورها الإبداعي المتميز ضمن مساحة تشكيلية مفتوحة، و"متفتحة" تشمل مفهوم "العالم قرية صغيرة"!

خامساً: محافظة كل فنان على خصوصية فكرية، وفلسفية ذات نسيج مترابط وقوي، مبني على بحث فني وتقني وإنساني، شَكَّل الإطار العام لأسلوب كل منهم، وحدد وجهة نظره في طروحاته الفنية، وصبغها بروح ذات منهج فلسفي وفني واحد.

هذا السلوك المتفتح في معالجة الخامة، والرغبة المؤكدة في إيجاد صورة بصرية جديدة ذات بعد فني، وفكري مبني على قيم جمالية تواكب المتغيرات الفنية العالمية المتسارعة، في التجديد والتحديث - كل هذا – أعطى فن الخزف الكويتي المعاصر هذه الروح المتجددة في الطرح ، وشَكَّل إطاره العام، وصورته العصرية العاكسة لهذه "الخصوصية" المتفردة والمميزة.

تحليل

علي العوض

يبحث الفنان "علي العوض" عن أشكال جديدة من الرؤية البصرية التي تحقق لخزفياته فرصة الانطلاق نحو مساحة أوسع من الحس الإنساني في تكامله العصري، عندما تمتزج الحضارات، وتتقارب الأفكار التي تبحث عن صيغة واحدة للتفاهم بين الشعوب، وتتقارب المسافات حتى تكاد "الأزمنة" تنصهر في زمن واحد، واللحظة تبدو كلمح البصر يجمع قطبي الأرض، على شاشة تلفاز!

"علي العوض" يبحث عن "الجدية" و"الجديد" في صورة الخزف الكويتي المعاصر. فتنهمك أشكاله الخزفية في استعراض أثوابها القشيبة التي تتشكل في ديناميكية تبهر الأبصار، كأسلوب رؤية خاص في المزج بين طبيعة القطعة الخزفية كَمُكَوِّن نفعي ولدته الحاجة الإنسانية وصاغته أنامل الحِرْفَة، وقيمتها الجمالية في روعتها وانضباط إبداعها في استخلاص صورة بصرية جديدة تحاكي واقع العصر الحديث المملوء بالصخب الفني، والمزدحم بالباحثين عن اشكال المعاصرة في مجال الإبداع الإنساني!

إنه سلوك إنساني عام، يؤثر ويتأثر؛ نتاجه ثورة على الرؤية التقليدية وأطرها البصرية ذات الأبعاد النمطية، وقد شَكَّلَت مفاهيمها بهذه السرعة القياسية الطفرةُ التقنية في الاتصال البصري والإنساني بين الثقافات المختلفة.

لم يسلب "علي العوض" من الخزف خصوصيته التقليدية، وتمثل دوره الإبداعي في إيجاد صورة جمالية جديدة للقطعة الخزفية في سلوك شكلها العام المتناغم مع محيطها الفراغي، وملمس سطوحها، ورونقها اللوني، مضيفا إلى هذه المادة في بعض الأحيان مادة الحديد على شكل "أسياخ" لربط القطع الخزفية في تكوين واحد، مستفيدا من الطلاءات الخاصة المحتوية على أكاسيد معدنية "مطفأة" لها إحساس مقارب لخامة الحديد.

تمثل الفراغات عامل مهما في صياغاته "التشكيلية" لجسم العمل، وتأتي أهميتها مماثلة لملامس السطوح المتنوعة التي يستخدمها، بالإضافة إلى مجموعته اللونية المميزة المستخدمة في الطلاء؛ وهذه الفراغات نتاج حتمي للحركة "الديناميكية" النشطة لمكونات القطعة الفنية، حتى تكاد هذه "المكونات التركيبية" العديدة والمرتبة بخصوصية أن تخلق فينا إحساساً بحركتها المتراقصة اللا نهائية في محيط الكتلة، أو ضمن مساحة جسمها من دون أن يؤثر ذلك على التكامل والتناغم بين الكتلة والفراغ المحيط والذي يمثل عنصرا مهما في تكوين الصفة التشريحية للعمل المنجز في صياغات أفكار الفنان الإبداعية.

في مجموعة "إيكاروس" يحاول "علي العوض" أن يستلهم القيم الفنية التي حفلت بها جزيرة "فيلكا في الماضي، معتمدا على المزج بين عدة نماذج وأشكال فخارية تقليدية كالجرار، والكتابات الإغريقية، والأختام الدلمونية، والأعمدة، وأشكال زخرفية لشجرة النخيل التي وجدت على حجر الزاوية للمعبد الهلينستي في الجزيرة.

"إيكاروس" مجموعة إشارات بسيطة لتسجيل النمط التقليدي والتاريخي لفخار فيلكا برؤية جديدة وحديثة تنهج سلوكا جماليا بحتا، وتبحث عن سبل للتواصل بين الحاضر والماضي، وبين رؤية جمالية خاصة بسكان فيلكا القدماء، وبين رؤيتنا المعاصرة، وهي محاولة فنية لتقريب وجهات النظر البصرية بين ثقافتين وحضارتين يفصل بينهما بون زمني شاسع، ودلالة يؤكدها الفنان بأن التواصل الثقافي والفكري ممكن التحقيق في ظل رؤية معاصرة ومتفتحة وممكنة، لتحقيق نمط ثقافي ورؤية فنية شاملة لها خصوصيتها الحاضرة والمستقبلية.  

عيسى محمد

الإنسان ومحيطه، تاريخه وحضارته، أفكار تملكت أحاسيس ومشاعر "عيسى محمد"، فتبدو مفرداته وكأنها تحيط به وتنتقل معه من مكان لآخر، وتَعْبُرُ به الزمن في رحلة لا نهاية لها، لأنها تستمد مادتها من سلوك الإنسان نفسه.

في الولايات المتحدة إبّان دراسته الفنية، شدته حرفة الخزف التقليدية لسكان أمريكا الأصليين، فقد وجد في هذا التجمع البشري البسيط في مخيم للهنود الحمر ضالته التي كان ينشدها مجتمعاً جديداً، وسلوكاً اجتماعياً غير الذي عرفه، وبيئة مختلفة عن بيئته.

لقد اكتشف بيئة ومجتمعاً أصليين مازالا يحتفظان بمفردات ورموز تراث هذا الشعب، وامتدت فترة بحثه عن حرفة الخزف التي يمارسها الهنود الحمر من أربعة أيام إلى أربعة أشهر!، حيث اندمج في هذا الوسط البيئي الجديد يدرس ويعمل حسب الطريقة والقانون اللذين يعتمدهما أهل هذه الحرفة، لتخرج تجربته البحثية بنتائج باهرة ومميزة تمثلت في عدة نماذج خزفية استمدت كيانها من خامات طبيعية بدءاً بالطينة وانتهاءً بالألوان الطبيعية المستخرجة من الصخور المعدنية. أما روح هذه المجموعة فقد شكَّلتها تلك الرموز الهندسية والحيوانية ذات الدلالات التراثية المرتبطة بعقيدة وفكر القبائل الهندية، وليخرج "عيسى محمد" في نهاية هذه التجربة بأن هناك بعض الرموز الهندسية تتكرر وتتشابه، إلى حد بعيد، مع الرموز الهندسية التي تستخدم في صناعة سجاد "السدو" في بادية الكويت، وهذا ما يؤكد إحساسه بأن السلوك الإنساني في صياغة تراثه وتأصيل تاريخه هو سلوك متشابه، وأن الشعوب ربما كانت في الماضي أكثر تقاربا من بعضها البعض، وأن هذا التراث الإنساني – وإن تباينت أشكاله – يجيء من منبع واحد.

في تجارب لاحقة يؤكد "عيسى محمد" اهتماماته المتنامية بدراسة الدلالات البصرية والتراثية في بيئته المحيطة،  مستمدا أفكاره ومجموعات تجاربه الفنية من البيئة البحرية التي خصها بالمساحة الأكبر من حيث السرد البصري لمكونات قطعه الخزفية التي لم يخرج بها عن الصياغة التقليدية للآنية الخزفية، إلا أنه لم يقف ضمن دائرة النمطية الحرفية في إنتاج هذه الأعمال، بل تعدى حدود هذه الدائرة إلى إبداع تشكيلات مميزة لعب الاختزال والتحوير في تشكيلها دورا مهما، وصَبْغِها بِسِمَتِهِ الشخصية الفنية وهذا ما أعطاها صورتها الخاصة المرتبطة بـ"عيسى".

البحث في اتساع المدرك البصري في مساحة إبداعه الفني تَحَوَّلَ به إلى الخروج عن حدود الارتباط التقليدي بين القطعة الخزفية والفراغ المحيط كبيئة عرض نموذجية تتخذ من الامتداد العمودي أفضل طريقة للحوار البصري مع المشاهد.

من هنا يبدأ "عيسى" مرحلة الأشكال الخزفية المنحوتة ذات الامتداد البصري الأفقي، ولتحقيق التناسب الأمثل مع بيئة العرض والاستفادة من الفراغ كمكمل بصري للعمل، عمد إلى تكبير كُتَلِه وتشكيلها بصورة تركيبية، تخدم أجزاؤها قيَمَه الفنية والتجريبية في احتواء المفردات البيئية ضمن فكرة العمل الفني.  

جميلة جوهر

"جميلة جوهر" تفيض أعمالها رقة، وكأنها مزجت وشكلت من عاطفة البشر، فالماء في أعمالها أنين خافت، والرطوبة أغنية هدوءها حزن وصخبها اشتياق، ولكن أي اشتياق؟!

كلما تمعنت في أعمالها شعرت وكأن الزمن يتوقف من حولها، فتبدو عقارب الساعة وأرقامها جامدة تبحث عن شحنة من "الأمل" تحرك فيها الزمن المتوقف، وتعيد اللحظات المفقودة التي سلبها الثاني من أغسطس سنة 1990، وسلب معها شطراً من عاطفتنا، حتى خيم الحزن على قلوبنا، وعشش بين ضلوعنا!

ألوانها تعبر مساحات أعمالها الخزفية بهدوء ورفق، فتمس سطوحها مسَّاً، تاركةً للون الطينة المحروقة الفرصة المطلقة  للتعبير، فالأرض عندما تحزن تنزع عنها زينتها، وهي هكذا عندما تشكل أفكارها تترك للون الأرض حريته ليحتوي الأشياء والألوان.

"زنزانة الأسير، والأسير، ورغم اليأس" نماذج تؤكد مبدأ المحور الواحد الذي تدور حوله أفكار "جميلة" الخزفية، وهي ليست النماذج الوحيدة التي لخصت هذا المسار في تبسيط صياغتها البصرية للكتلة والخروج بالموضوع من التعبير المباشر في مخاطبة الجمهور، إلى استخدام الشكل المبسط في تشكيل القيمة الجمالية للعمل ومزجها برفق بمحور الفكرة الأساسية التي تسعى لإيصالها لعقل المشاهد وعاطفته، وهكذا صبغت أعمالها ببساطة الشكل وعمق الفكرة.

يلعب الزمن دوره باقتدار في تشكيل فلسفة هذه المجموعة النموذجية ذات البعد العاطفي والإنساني، وتبني عليه الفنانة حركة الشكل والفكرة في أعمالها التي توزعت على مساحة كبيرة ضمن حدود القضية التي تبنت التعريف بها من خلال مخاطبة بصر الجمهور أولاً، ثم محاورته بهدوء ليفهم ويستوعب حجم هذه القضية الإنسانية وأبعادها العميقة.

"الأسير" بكل ما تحمل هذه الكلمة من شمولية المعنى والفكر، ودون تحديد هوية "القضية"، كان محور اهتمام "جميلة جوهر" وقيمتها الفكرية التي تبني حولها هذه النماذج الخزفية الإبداعية، التي تجلت في صياغاتها المختلفة بساطة التشكيل والشكل، وعمق المعنى الذي تبنى قضية ومعاناة  "الأسير" في كل مكان وزمان.

لقد نبع تميز هذه النماذج الخزفية من شمولية القيم الإنسانية والفكرية، والمعالجة الذكية في التنفيذ التي بسطت سبل التواصل والتودد بينها وبين جمهور المشاهدين على مختلف أفكارهم وعقائدهم ومشاربهم السياسية وانتماءاتهم الفكرية، وهكذا استطاع هذا التكوين الخزفي البسيط أن يستقطب اهتمام قطاع كبير من المشاهدين للتعاطف مع أكبر محنة إنسانية يمر بها هذا الوطن، وتعاني منها أسر كثيرة، أفرادها لا يزالون يتعلقون بأهداب الأمل منذ اثني عشر عاماً، ويتعاملون مع الزمن لحظة بلحظة في انتظار "الغائب" في ظلام المعتقلات.

على رغم ما تفرضه فكرة هذه التجربة الخزفية بمحورها العاطفي، ومقتضيات تنفيذها الفنية التي تدفع هذه الصياغات التكوينية إلى جعلها شكلاً من أشكال "الخزف النحتي" ظلت "جميلة" محتفظة، بشكل أو بآخر، بالنمط التقليدي للأشكال الخزفية كمفردات رئيسية تنمو من خلالها أو حولها باقي الأشكال، كما في: "الأسير1"، والأسير2"، و"رغم اليأس".

صفوت نور الدين

"صفوت نورالدين" الخزافة الباحثة عن أدق الأشياء التي تحتويها اعتباراتنا العاطفية اليومية، وهذه "الأشياء" هي أكثر ابتعاداً عن محيط أبصارنا، في بحثنا اليومي عن مفردات نتعامل معها بكثير من الإهمال، والإجحاف العاطفي!

نقسو أحياناً مع أنفسنا، أو مع من نحب من أهلنا وأصدقائنا المقربين، ولكننا في أغلب الأوقات نقسو بكثير من الحدة، التي تخالطها اللا مبالاة مع تلك المفردات والأشكال الصامتة التي نستخدمها ونستغلها في شؤوننا اليومية، من دون أن تشتكي، أو تنبس ببنت شفة!

والدكتورة "صفوت نور الدين" تبحث في هذه العلاقة التي يحكمها ويحركها طرف واحد، وهذا الـ"واحد" هو "نحن"، أما الآخر فهو تلك "الأدوات" البسيطة التي تعيش في محيط حركتنا اليومية، وأحياناً تلازمنا كظلنا، وتلتصق بنا التصاق الجلد باللحم!

إنها النظارة التي تعيننا في تلمس طريقنا، والكرسي الذي نريح أبداننا عليه، والبنطال الذي يستر عورتنا... وكثير من الأشياء التي تدخل في صلب زمننا اليومي في تكراره الأبدي، كمسلمات وحقائق ترسم صورة عصرنا الذي نعيشه.

عندما تتحدث عن هذه الأشياء، فإنها تمس روح التكوين، وتستجلي خواصه البصرية بكثير من العناية والحب، وتتلمس ثنايا السطوح التي تعالجها خزفياً حتى لتكاد تتفق وصياغتها الأصلية ذات الملمس الطيع الناعم، أو الإحساس المعدني البارد.

تكمن فلسفتها في إعادة الوجود البصري لهذه المكونات اليومية، فـ"كريم ولدي"، أو "رسالة"، أو تلك التشكيلات المتنوعة الإحساس، تستقطب اهتماماتنا من جديد، وتبعث فينا حس الاستكشاف لهذه المفردات البسيطة، وتجعلنا نعيد حسابات الجرد اليومي في نهاية النهار، غير مكتفين بعلاقة ود عابرة مع هذا المقعد، أو ذاك الحذاء المنزلي!

فهذه الأشياء تمثل، في مفهومها الفكري والفني، علاقة تحكمها روابط عاطفية، تستدعي الالتفات إليها بين الحين والآخر.

عندما تنسجم رؤيتنا مع معالجاتها الفنية والفكرية لهذه المجموعة من الأعمال، فإننا ننسلخ تماماً عن تلك الروح المتعالية التي نتعامل بها مع محيطنا اليومي "الصامت" في المكتب أو المنزل، وتصبح مكونات مساحة حركتنا المعتادة أكثر "إيجابية" في تشكيل الصورة البصرية الملونة لشركائنا الذين نمثل معهم التركيبة المعاصرة لهذه الفترة الزمنية، وفي الوقت ذاته تتوغل "صفوت نورالدين" أكثر خلف صياغاتها الفنية والفكرية، لتستشف معاني رموز هذه التركيبة الخزفية من الأشكال، وربما سرنا معها في هذا الطريق، ولكن حسب وجهة نظر كل منا في تأويل وتحليل هذا الحدث الماثل أمامنا وسط إطار الصورة البصرية.


6/11/2003

 

 

 

ALTSHKEELY.com