التشكيل الكويتي

فنون عربية وعالمية

الفن وما حوله

فنون العمارة

كتاب في سطور

ورقة من حياة فنان

متاحف عالمية

حوار ورأي

حرف

قراءات

قاموس التشكيلي

تشكيل الحياة

أجراس

العودة للأولى

 

 

 

 

  طارق السيد رجب


 
 
 
 
 
 
 
 
  • لم يكن في الكويت في الأربعينات وبداية الخمسينات وجود فني حقيقي، او حركة فنية بالمصطلح المعروف. ولم نكن، نحن الطلبة الصغار في المدرسة المباركية التي هي أول مدرسة نظامية، تأسست عام (1911)، نفهم عن الرسم الشيء الكثير. وقد أدخلت مادة الرسم في المنهج الدراسي الجديد، حسب النظم المتبعة في البلاد العربية التي سبقت الكويت في هذا المجال. لقد كان الأسلوب المتبع مبسطا بحيث أن مدرس الرسم يختار موضوعا معينا، ويطلب من الطلبة تنفيذه حسب معرفتهم التي لم تكن مبنية على توجيهات فنية مفيدة، كأن يرسم المدرس صورة بطة أو دجاجة على السبورة، ويطلب منـا تقليدها. وقد بدأ المدرسون المصريون في دخال الألوان على رسوماتنا، ولكننا في حقيقة الأمر كنا نعتمد على أنفسنا في رسم الموضوع المطلوب.

 

أما خارج المدرسة، فكنا نعيش في عالم آخر. فلم يكن هنالك أي ارتباط بين البيت والمدرسة والمجتمع. كان الواحد منا ما زال يعيش حياة شاقة، لا مجال فيها للرسم اوتضييع الوقت، كما كان يقال. لذلك فإن الخلفية الفنية، لا وجود لها، ولم يكن في الكويت تراث فني أو متاحف أو صالات فنية، وحتى التصوير الفوتوغرافي كان محدودا جدا. وكل ما نعرفه عن الفن هو ذاك الموجود في المجلات العربية الستوردة التي بدأت تغزو أسواق الكويت. كانت هناك قلة قليلة من الشباب الذين يهوون الفن. وقد كانت لهم محاولات فنية بدائية بسيطة، تدور في المحيط الضيق الذي غلبت عليه طبيعة المجتمع الصحراوي القاسي وحياة البحر الشاقة. لقد كنت أشاهد بعض الرسومات للسفن الشراعية، يقوم برسمها البحارة على الجدران بواسطة الفحم. تلك السفن التي كانت تشكل جزءا مهما من حياتهم، كالبوم والبغلة، وهما من السفن الشراعية الكبيرة التي اشتهرت الكويت بصناعتها والتي كانت تقوم بالأسفار البحرية البعيدة إلى الهند وشرق إفريقيا.. وكان في بيتنا، كما هو الحال في بعض البيوت الكويتية القديمة، خزانة خشبية مستوردة من الهند

تعرف بـ (الكبت)، على زجاجها رسومات لبعض الطيور الرشيقة كالطاووس، ومنا ظر للحد ائق والزهور. وقد كنت أقضى وقتا طويلا، أحاول تقليدها ومعرفة كيفية رسمها. ولعل المخطوطات الأولى التي شاهدتها كانت في مكتبة جدي الصغيرة (وهو السيد/ عمر عاصم، أول ناظر للمدرسة المباركية في الكويت)، ومعظمها للمصحف الشريف، وبعض الكتب الدينية، وكلها خالية من الزخارف.

وكان في الكويت، بحكم الضرورة والحاجة، نجارون مهرة، عملوا في بناء السفن وصناعة الأبواب الخشبية الجميلة ذات الزخارف الهندسية الدقيقة. ولم يكن في ذلك المجتمع الكويتي العملي البسيط مجال للرسم والتصوير. وهذا ينطبق على جميع دول الخليج العربي التي كانت في وضع مماثل، حيث كانت النظرة إلى الرسم والتصوير على أنهما من مظاهر الترف الاجتماعي الذي لم تتمتع به هذه المنطقة حتى التغيير الفجائي الذي طرأ عليها، بعد اكتشاف النفط، حيث انتشر التعليم في البلاد، وبنيت المدارس الحديثة، وتم استقطاب أعداد كبيرة من المدرسين العرب من البلا د العربية بخاصة من مصر. وادخال الكتب المدرسية الحديثة بما فيها الكتب الانجليزية، التي أقبلت عليها بحماس منقطع النظير وكنت أنا وسليمان كلندر نقوم بمراسلة طلبة من أوروبا، لنتمكن من تقوية لغتنا الانجليزية. وكنت مولعا بكتب القصص الإنجليزية المبسطة، التي تنشرها جامعة اكسفورد، حيث كانت تحتوي على رسومات في غاية الدقة، استحوذت على اهتمامي، وكان الرسم بالزيت على غلاف قصة (تراجر آيلند) يشكل أولى محاولاتي الفنية، وكان لمكتبة الطلبة التي أنشأها السيد عبد الرحمن الخرجي بالقرب من المدرسة المباركية، دور مهم في متابعة قراءتي للكتب الانجليزية المصورة، والتمعن في رسوما تها الجميلة، ومحاولة تقليدها.

شهدت السنة الدراسية (1953/1953) نقطة تحول في تاريخ الرسم، والأشغال اليدوية، في الكويت، ويرجع الفضل في ذلك الى مدرسين، لعبا دورا مهما، ومؤثرا في إعادة تشكيل مفهومي عن الرسم، والأشغال اليدوية، ومن ثم تغيير مجرى حياتي تغييرا جذريا. هذ ان المدرسان هما معجب الدوسري وهو أول مدرس كويتي، درس في القاهرة، وأمضى سنة في بريطانيا، وشريف الخضرا وهو فلسطيني متخصص في تدريس الأشفال اليدوية. لقد كانت، في الحقيقة، سنة عجيبة، ولأول مرة كنا نقضي معظم أوقاتنا، خاصة بعد الدوام المدرسي، في إنجاز الأعمال الفنية، وكان من الواضح لي أن المدرسين المذكورين، كانا يتنافسان في إنجاز أكبر كم من الأعمال الفنية، حتى تبرز صورتهما، وأهميتهما في المعرض الذي كانا يخططان لإقامته قبل نهاية العام الدراسي، وقد اشتمل المعرض على أساليب مختلفة مثل، الطباعة على القماش، والأعمال ا لخشبية ا لمتنوعة، والرسم بالزيت، والطباشير ا لملونة (ا لكريون).

لقد قام الأستاذ شريف الخضرا، بتدريبنا على أسس الرسوم الهندسية في الزخرفة العربية ذات الأشكال الملتوية، الرشيقة (الأرابسك)، حيث كان تأثيرها علي كبيرأ، إلى درجة أنني لا زلت حتى الآن، أقوم برسم تلك الأشكال الزخرفية المعقدة بطريقة عفوية، ومن غير قصد كلما شرد فكري، وخلوت إلى نفسي.

أما الاستاذ معجب الدوسري، فقد بدأ بتدريبنا على الرسم بالزيت، وهي مادة صعبة للغاية، خاصة بالنسبة للطلبة من أمثالنا، وقمنا برسم الطبيعة الصامتة، وكنا كلما أشرفنا على الانتهاء من إنجاز اللوحة، نقوم بحك الألوان الزيتية التي لم تجف بالسكين، ثم نبدأ الرسم مرة أخرى، ولا أدري حتى هذا اليوم ما المغزى أوالهدف من تلك الطريقة؟؟! حيث لم أجدها تخدم غرضا معينا بل جعلت مسألة إنجاز اللوحات يسير ببطء شديد. ولا أنكر أنني أحببت هذه المادة، أي الرسم بالزيت، كثيرا، وفي اعتقادي أن معجب الدوسري كان يلاقي صعوبة كبيرة في تدريسنا الرسم، ولم يكن متأكدأ من طريقة تدريسنا. فهو مثلا جعلنا نرسم بالألوان الزيتية، وهذه أصعب مادة بالنسبة للطلبة، في طرق التعليم الحديثة بخاصة لدى طلبة المدرسة المباركية في تلك الفترة  المستحدثة. لقد كان معجب الدوسري أول مدرس كويتي يتخصص في الفن، إلا أن دراسته في مصر، قد ألحقت ضررأ كبيرا بفنه الذي شب عليه بالفطرة، فقد كان قبل إرساله في بعثة دراسية يهوى الرسم، ويقوم بتنفيذ الأعمال الكبيرة لخلفيات المسرحيات، التي كانت تقام في المدرسة المباركية على مسارح خشبية مؤقتة، شيدت في ساحة المدرسة. ويبدو أن تعليمه في مصر، كان قد تركز على الدراسات الزخرفية التقليدية بألوانها المحدودة المتوارثة. ولم تكن السنة الواحدة التي أمضاها في بريطانيا كافية، وكان من الأفضل برأيي، لو أنه أرسل للدراسة في بريطانيا منذ البداية، لتنمية مواهبه الفنية في طريقة الرسم التي كان يعشقها، ولم يكن يميل بطبعه إلى الفن الزخرفي الذي أرغم على دراسته، كما يلاحظ هذا في النزر القليل من أعماله الفنية التي قام بإنجازها بعد عودته من بريطانيا، وكان، رحمه الله، يشجعني كثيرا في تنمية موهبتي الفنية عن طريق إطلاعي على المجلات الفنية التي كانت في مكتبته الخاصة في منزله.

في نهاية تلك السنة الدراسية المتميزة، كانت حصيلة الأعمال التي قمنا بإنجازها معرضا فنيا كبيرا، اعتبر حدثا بارزا لم تشهد له الكويت مثيلا من قبل.

وقد فزت بالجائزة الأولى، وعلى ضوء تلك الإنجازات التي حققتها، قرر مجلس دائرة المعارف إرسالي في بعثة دراسية، ولحسن حظي كانت إلى بريطانيا. وكنت أول طالب كويتي، يرسل إلى بريطانيا في دراسة فنية منتظمة، استغرقت خمس سنوات، كانت السنة الأخيرة منها في جامعة برستول للحصول على دبلوما في التعليم، وشهادة في التربية.

كان يوم الحادي عشر من شهريوليوعام (1953) نقطة التحول في مجرى حياتي إلى الأبد، وهو اليوم الذي ركبت فيه الطائرة، لأول مرة، لتنقلني فجأة من عالمي البسيط المحدود في الكويت، بشوارعها الترابية، وبيوتها ذ ات الدور الواحد التي أحرقتها الشمس. لقد كانت الكويت بلد أمن وسلام، وهدوء ونظافة، فلم تعرف القمامة، ولم تلوث وسائل النقل الحديثة هواءها النقي، وسماءها الزرقاء الصافية، وحيث تمتد خارج أسوارها الصحراء المترامية والسواحل الرملية الناعسة، تعانقها مياه الخليج العربي النظيفة، وفي موانئها (النقع) ترسوا السفن الشراعية العملاقة، أو تمخر عباب مياه الخليج ناشرة أشرعتها البيضاء الكبيرة في رحلات بحرية فيما وراء البحار، إلى بلاد بعيدة خارج حدود أفقنا الضيق، لقد رأيتني فجأة في أعماق الريف البريطاني الأخضر بالقرب من مدينة أكسفورد، حيث تقرر أن آقيم مع عائلة بريطانية، تسكن منزلا كبيرا بني على الطرازا القوطي الفكتوري. لأتعلم عادات الإنجليز، وأساليب حياتهم الاجتماعية، ولأتقن النطق باللغة الإنجليزية التي كانت على مستوى التعليم الثانوي المتواضع في المدرسة المباركية.

في البداية، كنت أجد صعوبة بالغة في فهم ما يقوله الإنجليز، أو بالأحرى، فإنني لم أفهم شيئا مما كانوا يرددون. وكان يتهيأ لي أنهم يتكلمون بسرعة فائقة، وقد كنت في الكويت أحاول ممارسة النطق بالإنجليزية عن طريق مخالطة الهنود، حتى أنني كنت أحاول جهدي محاكاة طريقتهم الخاصة في نطق اللغة الانجليزية، ظنا مني بأنهم كانوا أكثر الناس إتقانا لها بعد الانجليز. أما مدرسو اللغة الإنجليزية العرب فلم أستفد منهم شيئا. كانت تلك الأشهر الأولى فترة ضياع في خضم بيئة غريبة، وعادات وأساليب تعامل جديدة.

لكنني سرعان ما رأيتني أندمج في ذلك المحيط، وتلك البيئة الجديدة اندماجا كليا، بخاصة أنني كنت الكويتي الوحيد في تلك المنطقة، ولم ألتق بالطلبة الكويتيين، إلا في المناسبات الهامة، في عيد جلوس المغفور له الشيخ عبد الله السالم الصباح، مثلا في عام (1954) حيث حضره صاحب السمو، ولي العهد الشيخ سعد عبد الله السالم الصباح لقد اكتشفت أن ذلك النوع من الحياة مثير للغاية، ولا زلت أتذكر كيف كنت أهيم في الغابات الكثيفة المحيطة بالمنزل الكبير، الذي أقطنه، لقد كنت أسبح في الأمطار المنهمرة، أرشف قطراتها بنهم، وأقبل الأنسام الباردة بنشوة، وحبور وسعادة، لقد انتابني تغيير سحري، لقد كنت أشعر، وكأنني أغرق في ذلك البحر المتلاطم من المروج المترامية الخضـراء في الريف البريطاني الساحر، وكنت أجري في حقول القمح الذهبية التي تمتد إلى اللا نهاية، تداعبها الأنسام فتتحرك وكأنها أمواج البحر. في ابريزيرز بارك، وهو اسم المنزل الذي سكنت فيه، كانت اللوحات الفنية تغطي الجدارن، فرأيتني، وكأنني أعيش في معرض للرسوم الفنية. لقد استحوذت على اهتمامي، واعجابي واحدة من تلك اللوحات، علقت على جدار السلم الرئيسي، وهي عبارة عن طريق ريفي على جانبيه أشجار باسقة، إنها في الحقيقة لوحة معبرة. وقد اكتشفت فيما بعد أنها نسخة للوحة موجودة في المعرض الوطني للفنون في  لندن، للرسام الهولندي الشهير هوبما، وقد بقيت هذه اللوحة مطبوعة في ذاكرتي حتى الآن. وكانت أول زيارة لي لأول متحف في بريطانيا وهو The Wallace Collection لكونه يقع بالقرب من المكتب الثقافي التابع لدائرة المعارف، وقد ذهلت حقا لما شاهدت، وأخذت أتأمل في كل اللوحات والرسومات، ولم أكن أميز بينها وكانت جميعها تبدو لي في غاية الروعة والإتقان، وذ لك لجهلي الفني بالطبع.

وبما أن ابريزيرز بارك يقع خارج مدينة اكسفورد الجامعية، فقد كانت تنظم لي زيارات لمتاحفها، ومبانيها العريقة. وقد حضرت فيها بعض المسرحيات للأديب البريطاني الشهير وليم شكسبير، ولكنني في الحقيقة، لم أفهم شيئا مما كان يقال في بداية الأمر. لكنني عملت بجد متواصل، وتحد ملحوظ، حتى أستطيع أن أستوعب كل ما يقال، وكان من حسن حظي أن عدة أساتذة أمثال الدكتوركلن فيثفل- وكان أستاذا للغات في جامعة ليفربول بالإضافة إلى فنان وكاتب معروف أشرف هو الآخر على تعليمي اللغة الإنجليزية بطريقة لغوية حديثة، سهلت علي إتقان اللهجة الإنجليزية، ودراسة قواعد اللغة. وقد اكتشفت إن ابريزيرز بارك لم يكن مجرد منزل كبير، تقيم فيه عائلة كبيرة، بل كان عبارة عن مركز ثقافي يرتاده الأدباء، والثقفون، ويقومون بتقديم محاضرات في العلوم، والفنون، والآداب في نهاية كل أسبوع، ولم يكن ذلك يعني شيئا بالنسبة لي في بادئ الأمر، فقد كنت أجد صعوبة كبيرة في متابعة ما كان يدور، ويناقش، وكان الكثير من هؤلاء الرواد يحيطونني بعنايتهم واهتمامهم، ويقدمون لي كل مساعدة للتغلب على الصعوبات اللغوية، مما جعلني أتقن اللغة الانجليزية في فترة وجيزة، الأمر الذي ساعدني على الاندماج الكلي في المجتمع البريطاني، فأصبحت أقلدهم في كل شيء، وأصبحت  انجليزيا بلا منازع لدرجة أنني بعد عامين متواصلين من الدراسة، عندما عدت إلى الكويت في العطلة الصيفية، كنت أبدو غريبا، وشاذا بالنسبة لأفراد العائلة، حتى أنني كلما حاولت الإجابة على سؤال، كنت أجاوب باللغة الانجليزية بطريقة عفوية، مما كان يثير ضحك الجميع، ويجعلني موضع التندر ومضت عدة أيام، حتى استطعت التغلب على هذه الظاهرة الغريبة، غير المقصودة، كما أن الجميع أصبح، يلاحظ، بل وينتقد طريقة استعمالي لبعض الكلمات من مثل: شكرا ومن فضلك في كل المناسبات، خاصة، عندما أطلب شيئا، أو يقدم لي شيء.

وبعد فترة وجيزة تمكنت من الالتحاق بكلية للفنون في جنوب بريطانيا، وقد كنت على استعداد لاستيعاب جميع المؤثرات الفنية، والأساليب المختلفة، وكان كل شيء يبدو لي جديدا، لقد شعرت، بأنني أخوض غمار تجربة فريدة، جديرة بالتأمل، والتفكير العميق، ولعل أول درس قاس، قد مر بي، كان تجربة الرسم من الموديل الحي، فانا لم اجرب ذلك، وليس عندي خلفية عن الرسم بقلم الرصاص نقلا عن الموديل الحي. ولكنني سرعان ما اكتشفت ميلا طبيعيا لهذا النوع من الرسم، وأصبحت مرتبطا به ارتباطا قويأ، فهو يحتاج إلى كثير من الثقة بالنفس، واتقان استعمال قلم الرصاص.

تعلمت من الموديل الحي الرسم المباشر، وأن جسم الإنسان ليس مجرد قصاصة من الورق، ذا خطوط خارجية، تحدد تقاطيعه، إنما هو دراسة في الأعماق، تشبه إلى حد بعيد طريقة البناء. فإنك تبدأ بالهيكل أولا، ثم تكسو العظام بالعضلات، ثم بعد ذلك تغطيها بطبقة من الجلد، تنساب مع حركة العضلات، فتضمها، وبعد ذلك تكسوها بالملابس إذ ا كان الموديل يرتدي الملابس.

وبذلت جهدا كبيرا في إتقان طريقة الرسم بقلم الرصاص، ومن ثم الرسم من الطبيعة للمناظر المحيطة، وقد أحببت رسم الأشخاص كثيرا (البورتريت)، وهنا أيضا ينسى الطالب نفسه، ويهتم بمحاكاة الموديل الجالس بدلا من التركيز على دراسة تكوين الجمجمة، ثم تعبيرات الوجه من خلال ملامحه وقسماته، والتي هي أعمق من نقل صورة الجليس بطريقة فوتوغرافية آلية.

لا أستطيع أن أنسى، أنني لاقيت كثيرا من الصعاب في دراسة الفن، وعانيت من صعوبة البدايات في الكلية، لقد كنت أمام أسلوب جديد، انتقلت إليه فجأة، لأنني قد نشأت في بيئة، لم تكن تعيش الفن، أو تتذوقه بالشكل المناسب، بل لم يكن الفن يشكل شيئا مهما فيها. وليسى لدينا في الكويت تراث فني، كما أننا لم نعتد على رؤية اللوحات الفنية، أوصور عنها، لا من الشرق، ولا من الغرب، وعندما وجدتني في الكلية جنبا إلى جنب مع طلبة انجليز، لم أكن، واياهم في وضع متكافئ، فهؤلاء الطلبة نشأوا منذ نعومة أظفارهم في مد ارس، اعتادت تدريس التربية الفنية، وتوجيه الأطفال بطريقة تربوية صحيحة، ومارسوا الرسم بشتى مواده، وكانوا يحضرون للدخول إلى كليات متخصصة، تدرس الفنون. وكانوا قد مارسوا الرسم مستعملين قلم الرصاص، والألوان المختلفة، بينما كنت أنا أحاول اللحاق بهم، واستيعاب تحصيل سنين في فترة وجيزة، ولم يدر في خلد المدرسين الإنجليز، أن هذا الطالب الوافد من الكويت، لم يعرف من الفن إلا ما أنجزه خلال سنة دراسية واحدة، ولحسن الحظ، فإن محاولاتي الأولى في الكلية التي كانت تشكل اختبارا حقيقيا لقدراتي وامكاناتي في الرسم، اقنعتهم بقدرتي على الدراسة الفنية، وكنت أعامل بنفس الطريقة التي يعامل فيها بقية الطلبة، مما جعلني أبذل جهدأ أكبر، حتى أكون عند حسن ظنهم، وفي أول اختبار رسمي، حصلت على درجة الامتياز، ومع ذلك، قالوا لي إنهم كانوا يتوقعون أكثر من ذلك. وبعد فترة وجيزة تلا شى شعوري بعدم الثقة، وبد أت أشعر بالثقة، وأنا أحقق النجاح بعد النجاح، وبلا تكلف، مما جعلني ادخل ميدان الرسم بثقة أكثر. أفكر بالموضوع وليس بطريقة التعامل مع المواد المختلفة، ويعود الفضل في كل ذلك إلى طريقة التدريس في الكلية التي كانت تسير على طرق تقليدية عريقة، تولي الأساليب الأكاديمية الدقيقة أهمية كبيرة. بالإضافة إلى نخبة من الأساتذة الذي كانوا يتمتعون بخبرات فنية متميزة، وقد تعلمت الكثيرمنهم، ولقد أصبح من السهل بالنسبة لي الإصغاء مليا لما يقال، واستيعابه، وكان من حسن حظي، وجودي في بريطانيا في تلك الفترة فقد تغيرت أساليب كثير من كليات الفنون التي أخذت تعطى الطلبة مساحات أكبر من الحريات للتعبير عن أنفسهم بأي شكل من الأشكال التي يختارونها، ولم يعد للأستاذ ذلك الدور الفعال في توجيه الطلبة الناشئين، بل لم يكونوا يتدخلون في أعمالهم مطلقا، ولا أرى أية جدوى من الالتحاق بكلية تسير على هذ ا المنهج، ولا تؤمن بالتدريس التقليدي المحافظ الذي يركز على إعداد الفنان الناشئ، وتوجيهه توجيها صحيحا بدءا بدراسة علم التشريح، وطريقة الرسم، الكلا سيكية، وأساليب إعداد المواد، ومزج الألوان، ودراسة تأثير الضوء في تكوين اللوحة إلى آخر هذه الأمور، مما يمهد لهم الطريق للوصول إلى امتلاك ناصية الفن، لا أن يتركوا بدون أي توجيه، أو إرشاد، الأمر الذي يجعل الطالب، والفنان الناشئ إما أن يشعر بالضياع، أو يؤمن بأنه فنان موهوب ولا يحتاج إلى التوجيه. في تلك الفترة حصل انعطاف هام، كان له أبلغ الأثر في مستقبلي، وحياتي، واهتماماتي، ويعود الفضل فيه إلى أستاذي روبرت تافنر فأنا مدين له في توجيه اهتمامي إلى الفنون الإسلامية، والتراث الإسلامي العريق الذي كنت أجهله تماما، لقد كان يشجعني على زيارة المتاحف المهمة، التي تزخر بمجموعات نادرة من التحف الإسلامية، وكان أستاذي هذا يستغرب جهلي بالفن الإسلامي، وجهلي حتى بوجوده، وأنا مسلم، ومن بلد إسلامي. انه لم يكن يعرف شيئا عن مجتمعنا الكويتي، وأن جل ما كنا نعرفه عن الإسلام، هوتعلم أصول الدين، وأركانه، أما أن يكون هنالك رسم، أو مبان أو مخطوطات، وتراث، فهذ ا لم نكن نعرفه في الكويت.

حاولت في هذا الاستعراض السريع أن أبين الجذور التي بدأت تنمو، وتترعرع أثناء وجودي في بريطانيا، ومع الأسف الشديد، فإنني لم أسجل جميع أعمالي التي هي في مجموعات خاصة في كل مكان، وفي هذا الكتيب أعرض بعض الأعمال التي أنجزتها في كلية الفنون، لأبين نشأتي، وتطوري فنيا، ولتعبر عن شخصيتي، وطبيعتي، وقد جربت الصلصال، ووجدت فيه نوعا يتماشى مع طبيعتي إلى حد بعيد، ولكنني لم أوفق في الاستمرار في العمل بهذه المادة الجميلة، التي هي، في رأيي، أقرب إلى روح الفنان، ولعلها المادة المثالية في تعليم الأطفال، كيفية تشكيل الطين بسهولة، وتحقيق نتائج سريعة، فهو أكثر بساطة من المواد الآخرى المستعملة.

وقد اهتممت كثيرا بالطباعة الحجرية (Lithography)، وكانت السنين الأولى في الكلية، تركز على تدريسها لأهميتها في تعليم الطالب النظام، والانضباط، والتحكم في الرسم، وهذه المادة التي تعاملت معها، كما كنت أتعامل مع الرسم بالقلم، والتي ساعدتني كثيرا في التحكم بالمواد المستعملة، والدقة في إنجاز الأعمال، لقد استحوذت أعمال الفنان ديفيد روبرتز في الطباعة الحجرية على اهتمامي، فقد كانت غاية في الدقة والجمال، ففيها تجد حرية الحركة وانسياب الخطوط، و قد نشرها في مجموعة ضخمة، ضمنها في عدة مجلدات، وذلك في أوائل القرن التاسع عشر، وكان قد رسمها في مصر، وفلسطين، والأردن، علما بأن الطباعة الحجرية، ليست سهلة وميسرة، ولما لم يكن الاهتمام بأعمال ديفيد روبرتز كبيرا، فقد تمكنت من شراء بعض أعماله بمبالغ بسيطة من مخصصاتي الدراسية، التي كنت أستلمها من مكتب الكويت الثقافي في لندن. أما بعد أن أخذ الاهتمام بالأعمال المتعلقة بالشرق الأوسط يتضاعف إلى درجة كبيرة، أصبح من الصعب الحصول على أعماله، خاصة تلك التي أضـيفت إليها الألوان المائية بالطريقة التقليدية.

ومن الفنانين الذين كنت معجبا بأعمالهم أغسطس جون وافرانز هالز، والفنان الهولندي الشهير رمبرانت الذي أعجبني أسلوبه في استعمال الألوان بكثافة، ليعبر عن النور الذي استحوذ على لوحاته خاصة تلك التي أنجزها في أواخر سني عمره. كما كنت معجبا بأعمال الفنان فان كوخ وطريقة استعماله الألوان الزيتية.

لم أجد في نفسي ميلا إلى الفن التجريدي، ولكنني كنت معجبا بأعمال بيكاسو المبكرة والتي اتسمت بالدقة في الرسم والألوان علما بأن بيكاسو كان من أشهر الرسامين في استعمال القلم الرصاص وهو يعد خليفة لمايكل انجلو في هذا المجال، وكان قد استمرفي الرسم الكلاسيكي فترة طويلة إلى أن تدرج إلى الرسم ا التكعيبي، والرمزي، مما يؤكد ضرورة اتباع جميع الفنانين الناشئين طريقته هذه، حتى وان أرادوا أن يرسموا بطريقة تجريدية بحتة، فالأساس في الفن من أهم عوامل نجاحه. لا أظن أن هنالك ما يضاهي الرسم بالقلم الرصاص، فهو في اعتقادي بوابة الروح في كل فنان.

كما يضم هذا الاستعراض السريع الذي قدمته بعض الأعمال الفنية لأزياء من البلاد العربية، وهي صور الهدف من ورائها هو عرض صورة صادقة عن تلك الملابس بالتفاصيل الدقيقة في التطريز، والحياكة. وهي مجرد أعمال تؤدي غرضأ معينا، ولا اعتبرها صورا فنية بالمعنى المعروف. إنها مجرد توثيق لهذه الملابس القديمة.

لقد خطت الحركة الفنية خطوات كبيرة منذ تلك السنين الأولى التي كنا نحاول أن نتفهم فيها معنى الفن، وما هو الرسم؟ هنالك فنانون عملوا لسنين طويلة، وآخرون ناشؤون وهم كما هو الحال في كل مكان، يحاولون مواكبة الحركات الفنية الدارجة، وكثير منهم يولي الموضوع أهمية أكثر من الدافع الرئيسي إلى الرسم، حيث يعتقدون أن مجرد احتواء اللوحة على شيء من مفردات البيئة، كقطعة من السدو، أو سفينة شراعية، تؤهلها كي تكون لوحة وكما ذكرت، فإن على الفنان أن يستمر في البحث، والدراسة، لأن اللوحة الفنية الناجحة، لا ينتهي الفنان من رسمها مطلقا، فإذا اعتقد أنه أنجز عمله كاملا، فهذا يعني أنه سريع الاقتناع بما يؤدي، ولا يستطيع التطور، والكمال لله سبحانه وتعالى.

  • عن كتاب "طارق السيد رجب وتطور الحركة الفنية التشكيلية في الكويت

 1/1/2003

 

 

ALTSHKEELY.com