التشكيل الكويتي

فنون عربية وعالمية

الفن وما حوله

فنون العمارة

كتاب في سطور

ورقة من حياة فنان

متاحف عالمية

حوار ورأي

حرف

قراءات

قاموس التشكيلي

تشكيل الحياة

أجراس

العودة للأولى

 

 

 

 

 

  حميد خزعل


 
 

الحذر واجب 1973 - 80×70 سم

حلم ليلة صيف 1977 - 95×92 سم

لقمة العيش 1978 - 122×182 سم

الطنطل 1989 - 100×80 سم

الشهيد 1991 - 80×100 سم

المقاومة الكويتية 1991

الهاون 1996 - 77×62 سم

محاولة الاختراق 1996 - زيت على قماش - 80×100 سم

ليلة ممطرة 1996 - 61×89 سم

 
  • ولد الراحل أحمد عبد الوضا الصالح في (فريج الصوابر) بحي شرق في السابع من يناير 1950م. وهو الثاني بين إخوته وأخواته وهم (4) أولاد و(5) بنات.


عاش طفولته في كنف والديه وبين إخوته في جو أسري تسوده المودة والألفة والتراحم وتحكمه قيادة والده الحازمة في تسيير شؤون هذا المجتمع الصغير شأنه في ذلك شأن كل البيوت الكويتية التي تكون للأب فيها سلطة القيادة التامة في إدارة شؤون أفراد العائلة. تمتع منذ صغره بشخصية ودودة ومحبوبة وهذا ما جعله أكثر قربا لوالده الذي أحاطه بمعاملة خاصة اقتربت من التدليل.

في سن الرابعة من عمره التحق سنة 1954 بمدرسة (الصباح) في صف الروضة ثم المرحلة الابتدائية، وقد لوحظ اهتمامه بمادة الرسم، كما اتجه إلى الهوايات العلمية التي تمثلت في تجميع الخامات المستعملة والمستهلكة لابتكار آلات كهربائية بسيطة مما جعل ذلك موضع اهتمام أساتذته به خاصة في المرحلة المتوسطة التي انتقل إليها سنة 1960 في مدرسة (الصديق). ورشحته هذه الهواية العلمية والفنية لأن يستضيفه تلفزيون الكويت في برنامج خاص كان يقدم في ذلك الوقت عن المبدعين الصغار، وكان لذلك أثره في تشكيل شخصيته وبلووتها في سن المراهقة والشباب، خاصة بعد وفاة والده في الأول من اكتوبر 1967 حيث أخذ زمام تصريف شؤون عائلته ورعايتها رغم كونه الثاني في الترتيب بين اخوته فقد لاحظ أخوه الأكبر مدى ارتباطه الشديد وحبه لأسرته من جهة وقوة شخصيته وقدرته على تحمل المسؤولية من جهة اخرى مما دعاه إلى الاعتماد عليه في إدارة شؤون الأسرة كاملة. وبالفعل استعداد أحمد الفطري وشخصيته القيادية كانا عاملين مهمين جعلا منه أبأ ثانيأ لإخوته وعضدا لزوجة أبيه.

يقول السيد "حسن عبدالرضا الصالح" في هذا الصدد:
"لم تتح لي فرصة الاقتراب من أحمد كأخ كما يحدث عادة بين الإخوة والأشقاء، فقد أخذ دور والدي في إدارة شؤون البيت وهذا ما ولد في نفوسنا شعورا بالاحترام الممزوج بالرهبة تجاهه كما تعودنا ذلك في حياة والدنا رحمه الله، وظلت علاقتي به كعلاقة الابن بأبيه تتحرك في حدود مرسومة لا أستطيع تجاوزها".

في سن السابعة عشرة يتخطى أحمد الزمن ويكبر فجأة ليحتل دور والده بعد وفاته ويحمل على كاهله مسؤولية كبيرة تمثلت في رعاية (13) فردا، وكان لهذا التحول المفاجئ أثره البالغ في مسيرة حياته وأولها التحاقه بمعهد المعلمين والذي تبدأ الدواسة فيه بعد المرحلة المتوسطة في محاولة منه لاختصار الفترة الدواسية والحصول على عمل بوظيفة مدرس يستعين بها على إتمام مهمة تربية اخوته لاغيا بذلك اهتماماته العلمية التي نشأت معه منذ الصغر والتي كانت ترسم له طريق الدراسة الجامعية في إحدى الكليات التخصصية العلمية كما كان يتوقع له أساتذته وكل من عرفه عن قرب، وكانت هذه بداية التضحيات التى قدمها في سبيل أسرته التي نذر نفسه لرعايتها بعد رحيل والده.
اتجاهه نحو معهد المعلمين تجاوبا مع الظروف التي شكلت نمط حياته الجد يدة بعد وفاة والده لم تكن سلبية بشكل كامل على مستقبله التعليمي، ولم تلق بظلال اليأس على أحلامه الصغيرة. فقد استطاع أن يوفق بين حاجته لإنهاء تعليمه بأسرع وقت ممكن للحصول علر وظيفة، واشباع اتجاهه الفني الذي طوره بشكل علمي مستفيدا من خبرات أساتذته في قسم التربية الفنية، ومن خلال دووس التربية العملية التي يطبقها طلاب معهد المعلمين ميدانيا في المدارس.

بدأ في تطبيق أولى خطوات استغلال قصاصات المجلات الملونة فب دووس التربية الفنية لطلابه ومن ثم طور فكرته البسيطة إلى أسلوب فني مميز صاغ به أفكاره إلى لوحات أكدت اتجاهه نحو عالم الفن التشكيلي وظل يسبح خلال سنوات مشواره الفني في بحر من قصاصات الووق.

في سنة 1975 التحق بفرقة المسرح العربي ليشارك من خلال خبرته الفنية في أعمال الخطوط وماكيتات المسرحيات، لكنه أحس بانجذاب نحو التمثيل فشارك بالعديد من المسرحيات مثل:
(امبراطور يبحث عن وظيفة، سلطان للبيع، عالم غريب، الثالث، طبيب في الحب، عشاق حبيبة) إلا انه لم يستمر في مجال التمثيل لأنه كان يضطر للابتعاد عن أسرته في أثناء التمرينات والبروفات، وكانت آخر مسرحية يشارك فيها هي (من أجل حفنة من الدنانير) سنة 1984، وقد ساعده اشتغاله بالمسرح ومشاركته في تمثيل النصوص المسرحية في الاقتراب أكثر من شخوص مواضيعه وتمكنه من تحريكها بتوازن على مساحات لوحاته فبدت معبرة في معانيها تتحرك مفرداتها وتحاور المشاهد بحرية وسلاسة، وهذا ما خدم توجهه الإنساني في صياغة مواضيعه التشكيلية. كُرم في حياته سنة 1917 في يوم المسرح العربي، ثم بوسام المسرح العربي الذهبي في احتفالات اليوبيل الفضي لفرقة المسرح العربي سنة 1986.

السباحة في بحر من قصاصات الورق
عشقه لفن الكولاج يرجع إلى أيام الدراسة في معهد المعلمين ومن خلال تجارب فنية في استخاام الخامات غيرالمألوفة في التشكيل، وكانت قصاصات الورق هي احدى الخامات التي نفذ بها مشاريعه الفنية والتي نجح في توظيفها واستحسن استخدامها لتكون هي خامته المفضلة والمحببة الى نفسه، ولم تتضح معالم تجاربه الفنية بهذه الخامة إلا في أثناء مشاركاته في معارض الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية، وقد بهرت هذه الأعمال الجمهوروالنقاد لما وجدوه فيها من خروج عن المألوف في استخدام الخامات المعتادة كالألوان الزيتية والمائية الشائع استخدامها في رسم الأعمال الفنية مما حداه إلى حصر بحثه في تقنية العمل، مركزا على قضايا الظل والضوء والشكل واختيار نوعية الورق الذي يعمل عليه للوصول إلى أفضل نتيجة مستغلا التكوينات الأصلية للصور الفوتوغرافية الملونة وتحويلها بحد تجزئتها وتحليلها لونيا لأفكار ورؤية جديدة .
كونت مفردات البيئة المحلية دائرة اهتماماته الفكرية وهو يشكل مساحات الأعمال التي نفذها في بداية السبعينيات والتي تعتبر فترة تجارب واستكشاف لخامة الكولاج، ولذلك كانت أعمال هذه المرحلة تراوح بين خامة الألوان الزيتية وقصاصات المجلات والجرائد من خلال مواضيع تسجيلية تدور حول اسلوب الحياة العامة لمجتمعه، خاصة تلك المشاهد التي ارتبطت بذهنه منذ الصغر مثل : "المزهرية، الغسيل، المجهول، لقمة العيش، سأعود يوما، السيمفونية الخالدة، تفكير....."، وهي مواضيع وأفكار أقرب إلى طبيعته الشفافة الساعية إلى تلمس هموم مجتمعه، وربما تكون أكثر قربا من مرحلة التحول التي مربها بعد وفاة والده في تحمل المسؤولية والسعي للاهتمام بأسرة كبيرة يحتاج راعيها إلى الكفاح لتأمين احتياجات بقاء واستمرار هذه العائلة التي تكفل بأن يرعاها ويدير شؤونها وحده.
تتأكد ملامح هذه المرحلة الفنية وان كانت قصيرة في أعماله: "الغسيل، لقمة العيش". ففي (الغسيل - 1978) نلاحظ بساطة تجربته في الاعتماد على قصاصات الجرائد التى استخدمت كمسطحات مجردة احتلت مساحات اللون، ستفيدا من تأثيرات أعمدة الكتابة في توزيعها باتجاهات مختلفة، أما التفاصيل فقد استعان في إظهارها بأقلام الحبرالشيني.
أما في (لقمة العيش - 1978) يستفيد أكثر من نضوج تجربته وهي تمثل صراع الإنسان الكويتي في الحصول على لقمة عيشه باشتغاله في مهنة الغوص، والفكرة ترمز إلى كفاح أهل الكويت وصراعهم مع طبيعة المعيشة القاسية التي كوّنت ملامح الكويت الحديثة، ويظهر هنا استغلاله للمؤثرات اللونية التي تحفل بها الصورة الفوتوغرافية في تشكيل حركة مكونات العمل واستبدل الحبر الشيني في تحديد الهيئة الخارجية لمفرداته بخطوط ورقية أعطت هذه المفردات رسوخا أعمق في صياغة الفكرة، لكنه لم يستغن تماما عن خامة الالوان الزيتية والتي حاول في بداية الأمرالاستغناء عنها كليا في (المزهرية 1973)، و(كش دامة 1975) والتي اعتمد فيهما على استغلال بعض الأشكال الكاملة من الصور المستخامة في التنفيذ، ويقترب العمل في هذين العملين من (الفوتومونتاج) الذي يرتكز العمل فيه على إعادة توزيع وموالفة الأشكال والعناصر في الصورة الفوتوغرافية على مساحات اللوحة للخروج بصياغة جديدة لهذه العناصر والمفردات. وهو بعد ذلك انتبه لهشاشة العمل بأسلوب (الفوتومونتاج) فكريا وفنيا، واستدرك الأمر مركزا على الاستفادة من التأثيرات اللونية لسطوح الأشكال فر تأليف مفردات أعماله.
تظل خامة الألوان الزيتية هي الأسهل في التنفيذ لدى "أحمد عبد الرضا" والأسرع إسعافا له في تحقيق أفكاره ومواضيعه الملحة والتي تحتاج إلى سرعة في التشكيل والتنفيذ، لذلك فهو يقدمها في عمله حينا ويؤخرها في حين آخر مستعينا بقصاصات المجلات والجرائد، وفي أحيان كثيرة يعمل في الاتجاهين بالوقت نفسه حتى يستطيع مجاراة العروض التشكيلية الكثيرة التي يحرص على المشاركة فيها. فاختار بذلك طريقأ صعبأ لإبراز أفكاره. فأخذ يتنقل بين شركات السيارات ليجمع خامته المكونة من قصاصات الكتيبات الإعلامية التي توزعها المعارض مستخدمأ إياها بدلا من الخامات الفنية التقليدية. فأصبحت مادته المفضلة وخامته الاثيرة محققأ من خلالها هويته التشكيلية. ولم ينفصل عن هذه العادة في جمع قصاصاته الملونة منذ أن كان يدرس فى معهد المعلمين وحتى رحيله عن عالمنا.
 

الشخصية الخرافية بين الرؤية الخاصة والشكل التراثي
لم يكن الفنان "أحمد عبا الرضا الصالح" هو الوحيد الذي تناولت أعماله الشخصيات الخرافية التي تزخر بها قصص التراث الكويتي، والتي كانت تعيش بين ثنايا ذاك الزمن وتتجول بحرية تتطابق وبساطة حركته الرتيبة.
لقد كانت هذه الشخصيات مادة قيّمة للتخلص من رتابة حركة الزمن في وقت لم يكن شائعا فيه استخدام المذياع أو التلفاز، أوأي من صنوف التسلية التي يزخر بها وقتنا الحاضر، يستمتع بروايتها الكبار بينما ينزوي الصغار مرتجفين بخوف. فـ(السعلوة، والطنطل، وأم السعف والليف، وحمارة القايلة) شخصيات خرافية ليس لها وجود إلا في عقول الصغار، لكنها في الوقت نفسه تتجسد على هيئة مخلوقات غريبة ومخيفة تصنعها القصص الكثيرة التي تروى حولها، فتتسلل بهدوء من خيالات رواتها ومستمعيها إلى السكيك وأسطح المنازل، تتحرك بحرية لتخيف الأطفال، والكبارىفي بعض الأحيان.
النحات "عيسى صقر" شكّل "السعلوه" برؤيته الخاصة، وفعل ذلك الفنان "عبد الله القصار" في لوحته "السعلوه"، بينما رسم "بدر القطامي" "أم السعف والليف". أما "أحمد عبد الرضا الصالح" فكانت مجموعته المكونة من أربع لوحات هي الأكثر شمولية، وعلى شكل دراسة تشكيلية لهذه المخلوقات الخرافية. فرسم "حمارة القايلة، أم السعف والليف، السعلوه، الطنطل" خلال السنوات 1917، 1988، 1989 مما يدل على أنه قد خطط لإنتاج هذه المجموعة ونفذها واحدة تلو الأخرى كلما سنحت له الفرصة. فلم تكن هاه الأعمال ضمن رؤيته التشكيلية، وغريبة بعض الشيء عن أسلوبه المعتاد في التعامل مع خامته المفضلة وأسلوب عمله بقصاصات المجلات والكتيبات الملونة خاصة أنه اعتمد خامة الألوان الزيتية التي وبما رأى أنها هي الأنسب لموضوع العمل وحرصا منه على ألا تفقد هذه الشخصيات قيمتها التراثية وأن يحافظ قدرالإمكان على صورتها المحفورة في ذاكرته منذ أن كان صغيرا مع اخوته يستمع من والدته وهم يتحلقون حول نار المد فأة في أيام الشتاء الباردة إلى حكايات عن الطنطل وأم السعف والليف وحمارة القايلة، وهي صورة محفورة في أذهان أغلب أطفال تلك الأيالم.
من الطبيعي أن يجتمع كل من "أحمد عبد الرضا، وعيسى صقر، وعبدالله القصار، وبدرالقطامي" على الشكل العام لشخصيات هذه المخلوقات الخرافية الغريبة، والتي ليس لها وجود حقيقي سوى في أذهان الأطفال، إلا أن كلا منهم استغلها في تشخيص مفرداته التراثية وشكلها برؤيته الخاصة فجاءت مجموعة الأعمال هذه كدراسة متكاملة لصياغة الصورة التي تمثلها كل شخصية من هاه الشخصيات وأخرجتها من وصفها الوهمي إلى عالم الواقع بعد أن بدأت تفقد تأثيرها في عقول الكبار، والصغار في خضم المتغيرات التي فرضتها رؤية وفكر إنسان العصرالحديث.
تناول "أحمد" هذه الشخصيات بكثير من الحذر، والجدية، فلم يكن همه إنتاج عمل تشكيلي مجرد من القيم الفكرية التي تؤكد هوية المفردات التي تلعب دورالبطولة على مساحاته اللونية، وحتى لا تفقد هذه الشخصيات صورتها المؤثرة. فقد ابتعد عن إظهار تفاصيل وجوهها حتى تظل برغم ظهورها العلني ذات كيان خاص لا يفقد تأثيره التقليدي في افكارنا وتصوراتنا، أوصورته الوهمية التي رسمتها حكايات جداتنا وامهاتنا في ليالي الشتاء، ونحن متكورون على انفسنا من الخوف حول (الدوة) نستشعر الطمأنينة والأمان من دفئها! وقد استثنى من ذلك (حمارة القايلة) لارتباطها بصريا في الواقع مع صورة الحمار إلا من بعض التحويرات البسيطة الت تفرضها شخصية هذا المخلوق الوهمي! وهو هنا آمن بضروة عدم الافصاح عن شخصيات هذه الكائنات الخرافية مبتعدا عن طرح رؤيته بشكل مباشر،مستخاما في تحقيق ذلك حركات الأيدي كما في (أم السعف والليف) أوأشرطة الأقمشة التي لف بها (الطنطل) فبدا كأنه مومياء تخرج من سجن الزمن، وهذا ما حفظ لصياغاته قيمتها الفنية والتراثية مفضلا أن يظل كوسيط محايد بين هاه الشخصيات والمشاهد، ساعيا لإيجاد حلول فنية بسيطة ومقنعة لتقديم هذه المفردات للجمهور دون المساس بهويتها التراثية.
 
الشكل الهندسي.. نافذة على لافكر
كثيرا ما نتعلق ودون أي شعور بمفردة تكون هي الأكثر حضورا في أعمالنا التشكيلية، وتظل ملتصقة بشخصيتنا الفنية تكاد تذوب فينا وتصبح جزءا منا.
(النافذة) هي المفردة المحببة لنفس "أحمد عبد الرضا" ترافقه أينما حط رحاله في مساحة العمل التشكيلي سواء عمل بخامة الألوان الزيتية أوالكولاج؛ فقد كان هلذا الشكل الهندسي هو مدخله للوحة وبالتالي هي نافذة الجمهور التي يطل منها على العمل. والنافذة وان أخذت شكلها المتعارف عليه بصريا إلا أن الشكل الهندسي الذي يمثله المربع أو المستطيل هو القيمة الفنية التي تحدد فلسفة "الصالح" في تناول هذه المفردة بهذا الإصرار، والتمسك بها في الكثير من أعماله كمفردة محببة وأثيرة إلى نفسه تشكل جزءا من رؤيته للمشهد المرسوم.
ويتجلى ارتباطه بهذا الشكل الهندسي وتعلقه به في عمله (استراحة 1982)، والذي عرض في بادئ الأمر دون وجود أي شكل من أشكاله الهندسية، لكنه عاد بعد ذلك بفترة ليغير صياغة المشهد مضيفا للوحة نوافذه الهناسية المحببة. وأيضأ (يا أشباه الرجال) التي قدمها بعد التحرير تخليدا لدور المرأة الكويتية في المقاومة ضد الاحتلال العراقي الغاشم لدولة الكويت، وهذا العمل هو واحد من مجموعة الأعمال التي وثق بها رؤيته لدورالمقاومة الكويتية ودورالمرأة الكويتية في مقاومة المحتل، وقد شارك بهذا العمل في معرض الفن الكويتي المعاصر والذي أقيم في دمشق سنة 1992، والملاحظ على هذا العمل بأن "أحمد" قد أضاف عليه الشكل الهندسي المربع (النافاة) بعد ذلك بثلاث سنوات، أي في سنة 1995، وليقدم (يا أشباه الرجال) من جديد بصورتها الجديدة والمقنعة له أكثر من حيث تشكيلها الفني ورؤيتها الفلسفية والفكرية التي شدد فيها من خلال هذا المربع تأكيد دورالشر الذي يلعبه الجندي العراقي في المشهد.
لم يقتصر ارتباط المربع في أعماله بالنافذة فقط بل تعداه إلى أشكال أخرى من مفردات مواضيعه لتتحول مساحاته إلى تراكيب هندسية شكلتها أضلاع هذا المربع أوالمستطيل كما في "سلالم، السلم، حمارة القايلة، أمل الحرية" فالأبواب والسلالم وقضبان بوابات المعتقل وحتى الأعمدة الخراسانية التي تشكل مع ظلالها على الأرض زوايا حادة تتحد مع عواطفه لتشبع رغبته وترضي عشقه لهذه الخطوط المستقيمة بتراكيبها الهندسية التي تعطي لمساحاته ثباتها ولمكونات أعماله تماسكها وترابطها الذي يحفظ لها خصوصيتها في محيط اللوحة.
إذن لم يكن المربع أوالنافذة في مساحاته التشكيلية دورا جماليا فقط لخدمة التصميم وتأكيد توازن الأشكال وارتباطها مع بعضها بعضا، إنما هو قيمة فكرية ولغة حوار تشكيلية بين الفنان وجمهوره.
 
الغزو.. هاجس يسيطر على فكر الفنان
تعتبرمرحلة ما بعا التحرير من أهم المراحل في مسيرة الفنان أحمد عبد الرضا الفنية وأكثرها قربا من طبيعته الإنسانية. فوجود هذا العدد من الأسرى الكويتيين في سجون النظام العراقي حرك داخله تلك الروح الساعية دائما نحو الخير ومساندة الآخرين وتلمس همومهم، لذلك كانت هذه المحنة التي عاشتها الكويت وما زالت تعاني منها أسر كثيرة تعيش مأساة الأسر وتبحث في المجهول عن مصيرأبنائها هي نقطة الضوء التي يسترشد بها لصياغة أعماله في هذه المرحلة التي بدأت في 1991 حيث تحولت هذه القضية الإنسانية الى هاجس سيطر على فكره وعاطفته منذ التحرير وحتى رحيله، وظلت هذه المفردات والمواقف الإنسانية تسود مساحاته اللونية وتتفاعل مع أحاسيسه لحظة بعد لحظة حتى امتزجت بكيانه الشفاف فأصبح جزءا من هذه المأساة. يركز على مأساة الأسرى في السجون العراقية وهي تمثل الجانب الإنساني في مأساة الشعب الكويتي وتفرض نفسها علد كل بيت وكل أسرة، وهمه الوحيد الذي يبرز هنا وهو يشكل مساحات هذه المجموعة، هو فتح كوة صغيرة من الأمل للأسرى وذويهم في أن يرى هؤلاء نورالحرية.
في أعماله: "أمل الحرية، طلب الخلاص، ثقل الحديا قد آلمني، اللهم فك قيا أسرانا" يركز "أحمد" على حركة الأيدي وانفعالات الوجوه في الوصول إلى نقطة التفاعل الكامل بين المشاهد وعناصرالعمل التي تتحرك داخل حيز اللوحة تاركا لها ـ أبطال أعماله ـ حرية التعبير وشرح مأساتها الإنسانية، ويرتكز فكره في هذه الصياغة التي اعتمد فيها حركة الأيدي وانفعالات الوجوه على دفع أكبر قدرمن الشحنة التعبيرية للموضوع، التي يمكن أن تصل للمشاهد من خلال قضبان المعتقلات والقيود الحديدية التي تكبل الأسرى وتحاصرهم محتجزة إنسانيتهم بانتظار بصيص من الأمل في الحرية التي رمزلها بـ(الكوة) التي يتسلل منها الضوء و(درجات السلم) التي تبرز في خلفية العمل أو في جانب من جوانبه، ولا يقتصر دوره هنا في تشكيل حلم الأسرى في الخلاص، لكنه أيضا يحاول أن يشارك هؤلاء حلمهم فيمد لهم الأيدي لتتلمس أناملهم وأجسادهم المنهكة، وحتى تكتمل لديه قوة التعبير والوصول إلى نقطة الإثارة في سرد هذه المأساة. فإن هذه اللمحة الإنسانية تظل مقتصرة فقط على الأيدي الممتدة من الناحية الأخرى من اللوحة دون إظهار وجوه أوصفات أصحابها حتى لا تُفقد العمل قيمته الفكرية والفلسفية، وهي رؤية مميزة وذكية في سلوكها الإعلامي حاول من خلالها تدويل هذه المأساة ومخاطبة العالم ليمد يدا لإخراج هؤلاء الأسرى من ظلام القهروالظلم.
أما تلك الانفعالات المرتسمة على وجوه أبطال أعماله والمليئة بالأسى والمشحونة بموجات من الألم. فهي الصوت الذي يستصرخ إنسانية العالم.
بشكل عام تبقى هذه المجموعة في إطار فكر الفنان وأسلوبه الفني في المحافظة على مكونات مساحاته التي تستمد روحها من الشكل الهندسي والزوايا الحادة في صياغة عناصرالعمل.
 
المرأة.. المفردة الحاضرة دوما
تبرزالمرأة كعنصر رئيسي في مجموعة الأعمال التي تناولت موضوع المقاومة الشعبية التي بدأت مع بداية الغزو العراقي للكويت، وهنا يبرز اهتمام أحمد المباشر بدور المرأة الكويتية ورصد نقاط الضوء في مسيرة تصديها للاحتلال العراقي الغاشم وهو بذلك قد غطى جانبأ مهما من تاريخ المقاومة الكويتية بعد أن ذاب في شمولية التناول الذي صاغ به كثير من التشكيليين الكويتيين مسيرة المقاومة الكويتية.
المرأة الكويتية في أعماله ومز للتضحية والوفاء شأنها شأن الرجال الذين صدوا بصدورهم أول جحافل جيش الغدر في الثاني من أغسطس 1990 فالأعمال "دكتوراه مع مرتبة الشرف للشهيدة أسرارالقبندي، اللهم فك قيد أسرانا، يا أشباه الرجال، ليلة ممطرة" تمثل وحدة فكرية متكاملة تتحدى في مفهومها السرد المباشر للموضوع وتقفز بالمشاهد إلى رؤية بصرية تتعدى حدود الوقائع التاريخية إلى مشهد إنساني تم تأليفه ومؤالفته بطريقة إبداعية ليخرج في النهاية قطعة فنية تطرح قضية أمة وكفاح شعب.
لقد أحاط (عبدالرضا) المرأة باهتمامه الفني متلازمأ مع احترامه لذاتها كأم وأخت وزوجة ولم يسع إلى استغلالها كقيمة جمالية مجردة يروج بها لأعماله، بل ظهرت جزءأ فاعلا في تسلسل النمو الزمني لتاريخ الكويت بما تحمله من قيم إنسانية ووطنية ساهمت في توطيد دعائم بناء هذا الوطن. فصورها في أعماله التالية: "بنت الفريج، انتظار في يوم بارد، الغسيل، انسجام، ليلة ممطرة، الهاون، الديرفة" ليعبر عنها في لحظاتها اليومية كما عبر عنها كرمز للشموخ والصلابة وهي تدافع عن قضاياها المصيرية في "محاولة اختراق، الجدار، رمزالوفا".
  • عن "السباحة في بحر من قصاصات الورق" - اصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - دولة الكويت

25/8/2005

 

   

ALTSHKEELY.com