التشكيل الكويتي

فنون عربية وعالمية

الفن وما حوله

فنون العمارة

كتاب في سطور

ورقة من حياة فنان

متاحف عالمية

حوار ورأي

حرف

قراءات

قاموس التشكيلي

تشكيل الحياة

أجراس

العودة للأولى

 

 

 

 

 

د.محمد المهدي


 

 

الساقية

 

الأرض - زيت على توال - 1986

  المتاهة - زيت على توال - 1987

أطفال فلسطين في القرن العشرين زيت على توال - 120×90سم - 1988

الليلة الأولى - زيت على توال - 1083

  • وليس العنوان من باب الطرافة أو البحث عن إيقاع لفظي في غير موضعه أو التلميح السياسي غير المبرر... ولو أن صلة الفن بالسياسة صلة مباشرة على غير ما هو شائع بيننا.
    المسالة باختصار أنك حينما تدخل صالة الفنون في معرض (عبد الله القصار) ستجد هذا التوزيع للأعمال الفنية بين اليمين واليسار. والمقصود باليمين واليسار هنا تناقض بين المجموعة المعروضة في اليمين.
    والانتقال من اليمين إلى اليسار إذا جاء فجاة أو بتمهل ليس بعيب طالما اكتشفنا في البحث تبريرا منطقيا أو تواصلا فنيا غير ظاهر للعين السريعة. كما أن الانتقال فجاة أو بتمهل من اليمين إلى اليسار قد يكون عيبا إذا وجدت الثغرات التي لا تلحظها أيضاً العين السريعة. ويكفي أن نتذكر أن المصطلح نفسه (يمين ويسار) قد يعني اليمين المرجعي أو قد يعني اليمين الثوري، واليسار قد يعني اليسار الثوري أو قد يعني اليسار الكافر والمشكلة تكمن دائماً في على التعميمات.


ونخرج في حالة (القصار) من دائرة التعميم إلى مقارنة مباشرة بين عالمين. المرحلة الأولى تكوينات ينابيعها القرية المصرية وأصولها الفنية طموحات الشاب الدارس في القاهرة تحاول اللحاق باساتذة الرعيل الأول أو الثاني للفن في مصر. قد يغريه الحي الشعبي لدراسة مكوناته على طريقة الحسين فوزي أو البناني في المرحلة التعبيرية. وقد يميل إلى أسلوب راغب عياد في لقطة النورج أو الساقية وقد يتأثر بأسلوب سيف وأنلي في التشريح بزوايا هندسية لشخصية شيخ البلد يمسك بالمسبحة. وقد يلجأ احياناً إلى التكتيل بأسلوب عبد الهادي الجزار في مرحلة من مراحله.
ولكن القصار يذهب أيضاً إلى مدارس الفن الغربي مباشرة والتي شكلت أساليب رواد الفن في مصر، فالقرية المصرية بها عناصر مشابهة لحقول (فان خوخ) وبالتالي نرى التكوينات من جماد وحيوان وانسان تلفها غلالة رقيقة من ضربات الفرشاة اللولبية الصغيرة وأن كان ينقصها الضوء المبهر واللون الفاقع والشمس القوية التي حيرت- فان غوخ- وأضاءت لوحاته وربما اطارت صوابه.
القصار اكتفى بالغلالة واحتفظ وراءها بالساقية والنورج والفلاح والفلاحة. رسم الخطوط الأولية في فضاء القرية المصرية الصعيدية.. لي الأقصر ذات الشمس الشمس المحارقة ولكنه أكمل اللوحة في المرسم فجاءت الرمزية الشخصية غالبة للواقع. وتأمل لوحة النورج (1970) التي تتصدر قاعة العرض. لولبيات صغيرة صفراء وبنية تغطى دائرة أعواد\ القمح والحقول البعيدة والفلاح قائد حركة اللوحة ومجموعة الفلاحين من على بعد وبقية الكائنات، اللولبيات الصغيرة المتداخلة تلعب دورها من بعد حيث تضيع الأشياء في أعواد القمح الحاضرة الغائبة. بناء متوازن من الجماد والحيوان والإنسان، ألوانها قاتمة تتحدث عن مزاج الفنان أكثر مما تتحدث عن الطبيعة.
لكن رغبة الفنان في البحث عن غلاله تلف لوحته ببقع لونية راودته من قبل وفي بداياته البسيطة الأولى في الخمسينات، أنه مزاج الانفراد وصياغة الشكل على غير ما تهوى الطبيعة أو تعرض وكأنه يعمد دون أن يدري إلى تحدي الطبيعة بعمل من تكوينه. أنه درس وضع أصوله الفنان العتيق الذي شكل حضارات الشرق العربي القديم من فرعوني ورافدي وشامي ونقلته مدارس الفن الحديث في أوروبا ومن هذا المعبر الذي سحرنا إلى الأن وصل إلينا وعزف عليه كل فنان تشكيلي.
للقصار أكثر من لوحة تدور أيضاً حول موضوع الريف أو الأحياء الشعبية تلفها هذه البقع اللونية المتنوعة. وقد نجد في هذه المرحلة من انتاج الفنان ما يخرج عن هذه القاعدة كلوحة (موديل) أو لوحة (حي شعبي) أو غيرها.

 
القصار عندما تعامل مع الطبيعة قدم نفسه وحينما تبين وربما دون أن يعمد أنه لا يريد الطبيعة لذاتها ولكن لتحليل نفسي أراده انتقل إلى الرمزية ولكن بكل مكوناته اللونية السابقة وبدلا من أن يقوم بتنظيف وتقطيع وتنقية أوراق الطبيعة على طريقة الفنان (هنري روسو) لجأ إلى تحويل الكائنات البشرية إلى دمي ولجأ إلى تفتيت الدمى إلى جزيئات تخلو من التفاصيل. جزئيات نظيفة اللون نقية في الشكل وأن تحدثت مكوناتها عن دراما الحياة والأحياء.
هنا انتقل القصار إلى مرحلته الثانية. وتأمل لوحة- الصياد- من انتاج عام 1978... هذه الدوائر المجسمة، هذه العضلات المتكورة هي الإنسان- الصياد- ملقى على شاطئ وربما في قاع فالأحلام السريالية حالة بين اليقظة والنوم. حالة نعاس أحسن (سلفادور دالي) تصويرها.
يحيط بالصياد ماء الحياة، وحصاد ضائع، وسلة خاوية، ورشفة ماء، و(لخمة) طائرة، وسمكة قرش لاهية، وطائر رمزي، وقطعة تنتظر.. مجموعة رموز تسبح في بحر الانتظار يشع منها الضوء.
ازدحمت الرمزية في هذه اللوحة وخيم الضباب على المعنى وأن بقيت الصناعة الجيدة يمسك بها الفنان في تمكن، وحينما اقتصرت الرمزية في لوحة (النهاية) على الإنسان في صوره الدمية المغتتة العضلات المنزوعة الإطراف تغرق فيما لا ندري بينما ينطلق الحصان في أعلى اللوحة باطرافه الخشبية المنزوعة الحوافز أقوى من كل السفن الغارقة. حينما اقتصرت هذه اللوحة على هذه الرمزية الثنائية إدركنا براعة الثكوين.
وحينما أقتصرت أيضاً لوحة (وحش البحار) على الثنائية الرمزية بين الصياد- الدمية- المغرور بيفاعته وأنسياب عضلاته وبين سمكة القرش المتوحشة الرشيقة البارعة أدركنا على صورة أقوى براعة التكوين.
وفي المرحلة الأخيرة من أعمال (القصار) يكاد يقتصر الرمز على موضوع المرأة بعد أن دخلت على اللوحة أضواء اللون الأبيض الساطع. لقد رفعت هذه الأضواء غموض اللون البني بدرجاته في اللوحات السابقة وكشفت عن هيام الفنان باللون الأحمر بدرجاته من الواضحة القوية إلى الرقيقة في تداخلها مع نسبة هنية من اللون الأزرق، إلى تحولها للدرجة البنفسجية الهادئة ثم إلى البنفسجية القوية. وما تزال المكونات السابقة أدوات في يد الفنان يركبها في تقنية متمكنة.. الجسد البشري ما يزال مفتتا أو موزع العضلات واللون المتدرج يؤكد هذا التوزع. الموجه غير محدد المعالم. الخطوط المنحنية أو المستديرة تعبر عن الخصب، ولكن خصب كقطع الخشب المعشق قبل أن يحكمها الإطار تكاد تتناثر إلى جزئيات كلعبة الأطفال المركبة، والأصابع صناعية تجمع بين رشاقة وحدة المخلب مفاصل الأصابع تخرج من كوكب أخر أو من مقبرة الرموز لتكتب (الرسالة) القائلة أن لحظة الشوق هي لحظة الشوك أوتكاد تقول أن لحظة البدء هي لحظة النهاية.
وقد تكون هذه الصوفية متناقضة مع جزئيات حسية مباشرة من لوحة أخرى للقصار يزدحم فيها الرمز فتضيع براعة التكوين وضياع براعة التكوين يهدد أيضاً بضياع براعة التقنية المتقنة.

 
في لوحة (مرآة وامرأة) نرى مساحة بيضاء تمثل المرأة أمامها امرأة تجاورها سمكة القرش وامرأة أخرى تعطينا ظهرها بحوارها امرأة ثالثة تواجهنا في أسفل اللوحة. أناء وعقد وتوزيع هنا وهناك تصلح كل جزيئة منه لوحة مستقلة ولكنها حينما اجتمعت صارت معركة غير متزنة. وقارن هذه اللوحة بلوحة العروسة، رغم كثرة تفاصيلها إلا أنها مركبة على لحن واحد قد يقال أن السيمتريه (التماثل بين يمين ويسار اللوحة) هي التي اراحت النظر في هذه اللوحة ولكنه في الحقيقة تماثل مخادع فالتفاصيل خارج الهودج مختلفة وأن استخدمت نفس درجات الألوان درجات الألوان الأحمر والأزرق. اللوحة تتحدث عن العروس في بساطة ونقاء زمان الهودج، وقد خدمت طريقة الفنان في تنقية اللون وأحكام سير الفرشاة في أناة ودون عفوية، خدمت معنى العذرية الذي أراده وجاءت النظرات الغزلية بين الغزال الساذج الواثق، والجمل الشامخ المستقر لتركب شطرين في بيت شعر رقيق غير مكتوب وفي عالم من الإضاءة أو الكشف باللون الأبيض.
وفي لوحة (الليلة الأولى) يتوازن أيضاً (التماثل) في القوسين المحيطين بالمرأة موضوع اللوحة. أما التفاصيل فجاء تماثلها معنوي أكثر منه شكلي. شجرة الحياة، شجرة آلتين الشوكي تقابل لمبة الغاز. وصندوق المجوهرات وقنينة العطر تقابل المبخرة والمرأة في المنتصف تتوهج باللون الأحمر وتتدرج إلى اللون البنفسجي. مجموع جسدها فصوص لامعة معدة معروضة في واجهة العصر الحديث. الوجه مسيح والخضاب يخترق الشكل إلى المضمون ليوحي لنا بالاصطناع في عالم أيضاً من الإضاءة أو الكشف باللون الأبيض.
هذا التشريح النفسي يستأثر بمزاج (القصار) فيسعى إلى تجريده في لوحة تخلو من المباشرة الحسية أو ما قد يغرس بالخروج عن الموضوع.. لوحة (الشوك) جذور النبات الغارق في الإضاءة البيضاء يدفع بماء الحياة إلى خارج آناء الكون، والثمرة حمراء بضة غضة حبلى منتفخة تكاد تتفجر في عقوبة ولكن يقيدها أو يقمع ثورتها النقية هذه الأشواك الحادة الزرقاء البنفسجية المحتقنة في الأطراف.


وتكون ذروة الإضاءة النفسية عند (القصار) في لوحته (لحصان).. موجات لونية نقية مغسولة بقطرات المطر أو حبات اللؤلؤ تكون قوس السماء أو الكون. والكون كله لا يسع سوى الحصان، ذلك الحيوان الساحر الذي لامست تكويناته العبقرية فرشاة كل فنان. حصان (القصار) أفضل من نسائياته من ناحية التفكيك وإعادة التركيب، الحصان الدمية هنا موزع ولكنه محكم، لقد أمتلك ناصية الفنان وناصية اللوحة وناصية الموضوع. أمتلاك سمح للتكوين التقليدي أن يجتاز حدود العين الفنية دون قلق.
القصار في مرحلته الأخيرة يطرح نماذجه النفسية على لوحات وتحت ضوء ساطع ومنها نكتشف خيوط الوصل في داخل الفنان نفسه بين يمينه ويساره أو ما يبدو متناقضا. تعامله مع الطبيعة في المرحلة الأولى كانت محاولات داخل النفس فجاءت ألوانها أيضاً ذاتية من داخل المرسم، ومحاولاته في المرحلة الثانية كانت داخل النفس وجاءت ألوانها أيضاً من داخل المرس. وهيامه بالمدرسة النفسية الرمزية وأن أضافت أليها ألوانا ساطعة من خارج المرسم، ولو أحسن القصار لقدم لنا همزة الوصل من بعض أعماله ليرفع علامات التعجب.

  •  
  • جريدة الأنباء الكويتية

2/6/2005

 

   

ALTSHKEELY.com