التشكيل الكويتي

فنون عربية وعالمية

الفن وما حوله

فنون العمارة

كتاب في سطور

ورقة من حياة فنان

متاحف عالمية

حوار ورأي

حرف

قراءات

قاموس التشكيلي

تشكيل الحياة

أجراس

العودة للأولى

 

 

 

 

 

  جعفر إصلاح  


 
 
 
 
 
 
 
 
  • قال تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم

  •           موضوع الجمال هو موضوع بحجم الكون. إن الكون من بدايته إلى نهايته خلق من الجمال المجرد. كل شيء فيه جميل. جمال في الصنعة والدقة. الجمال في الشكل والمعنى, وهذا الفهم ينكشف بمقدار الإدراك والوعي لدى الفرد. فللجمال درجات ومقامات لا نهاية لها, فالظاهر المحسوس والذي تراه بالعين وتستنتجه بالحواس أو الباطن الذي تصل إليه بالإدراك الصافي كلاهما يحتاج إلى عمق في الرؤية والتركيز في التأمل لاستنتاجه, وهما وجهان لشيء واحد وموجودان في كل شيء, فلو تأملت الطبيعة ستلاحظ البساطة والكمال في الشكل, التوازن في التنظيم, الدقة في الصنعة والوظيفة من ناحية, والحكمة في الأداء والمعنى من ناحية أخرى. فكل ما تراه في الآفاق آية, كل شيء له جمال (ومعنى) وحتى إن كان يتهيأ لك أنه غير جميل.

          فمثلا نحن نرى المستنقع أنه مكان قذر وقبيح ولكنه بالنسبة للتمساح الذي لا يستطيع أن يعيش من دونه هو جميل, وكذلك الثعبان فهو جميل في الشكل والحركة وأنيق في لون الجلد والملمس, ولكننا لكون لدغته مميتة نرى الثعبان بشكل آخر, فإدراكنا للخوف يحول هذا المخلوق الجميل الأنيق إلى مخلوق غير محبوب, وهذا ما أسميه بالجمال النسبي (الجمال الذي يعكس المصلحة الشخصية) وليست مصلحة الخلق الشاملة. كليوباترا ملكة مصر فضلت لدغة الثعبان على أن تكون عبدة لقيصر روما وفضلت هذا الموت عن الموت بطريقة أخرى, والتفضيل هنا نوع من الاختيار (للأجمل). بالنسبة للعامة الجمال يعني جمال الظاهر والذي له علاقة غالبا بالملذات, ولكن في الحقيقة الجمال شيء عظيم وسره دفين, ينكشف لمن لديه بصيرة ورؤية صافية, والعلماء الذين يدرسون هذا العالم; عالم البحار, عالم الفضاء,عالم الحيوان, عالم النبات أو عالم الإنسان يكتشفون أن الجمال يتخلل  كل أرجاء هذا الكون. فجمال هذا الكون - بلاشك - إعجاز ويعكس صفة من صفات الخالق المطلق. فلا أبالغ عندما أقول إن الجمال مركبه ينقلك ويسمو بك من العالم النسبي إلى العالم المطلق.

أَنْتَ صورة العالم

          إذا كان الإنسان مشتت الفكر ومضطربا لا يرى الجمال وإنما يرى فقط الاضطراب والتعاسة, يرى فقط حالته الباطنة, في الحقيقة أن ما تراه في الخارج يعتمد كليا على حالتك, فعندما تكون غاضبا وإن كنت في أجمل بقعة في العالم, تحس فقط بغضبك ولا شيء آخر. في نهاية الأمر كل ما تحسه هو انعكاس لحالتك الداخلية.

          عندما تكون صافي الذهن وهادئا تبدأ رحلتك إلى عالم الجمال طبيعيا دون تكلف أو معاناة. فكيف تستطيع أن تكتشف جمال الموسيقى في وسط الزعيق? كيف تستطيع أن تكتشف جمال اللغة في وسط اضطراب الفكر? وكيف تستطيع أن ترى الجمال في الطبيعة وأنت متوتر ومليء بالقلق, وكيف تستطيع أن ترى الجمال في أصدقائك عندما تكون مليئا بالغيرة والحسد? وكيف تكتشف الكمال الخفي في نفسك وأنت غارق بالشك? تأكد أن ما هو في الباطن يظهر في الخارج.

          فالجمال انعكاس للروح في الباطن وإثبات لوجود الروح, وهو أساس هذا الكون, فالكمال المطلق منتشر في أرجاء هذا الكون الظاهر والمخفي. فالكون كالذرة لا فرق بينهما يحكمهما الكمال الأبدي وهذا ما يسميه العارفون بالقرآن المنثور.

          فللعالِم قانون الجاذبية والنظرية النسبية هما الجمال والكمال, وكذلك بالنسبة لمن لديه الرؤية الواضحة وعدم التمييز, الجمال في القرد والغزال شيء واحد, وكذلك في الليل والنهار, وفي الهدوء والطوفان, فالجمال هو كل شيء وحتى اللاشيء والفراغ هما الجمال بعينه. لا يكتشف ما في باطن المحيط من جمال وسحر إلا الذي لديه الشجاعة والقدرة على التأمل والغوص في الأعماق. البحث عن المعنى هو بحث أزلي لا ينتهي إلا بعد الوصول إلى المرحلة التي فيها يتوحد المدرِك والمدرَك.

حيرة الجمال

          ولفهم معنى الجمال لابد أن نتجرد وأن ننظر إلى الوجود بنظرة الوجود نفسه لا بنظرتنا المنفردة الضيقة.

          فالجمال شيء محير, فوجوده يلازم نقيضه القبح, ولكن عندما يتحرر الإنسان من فرديته ويسمو ينكشف له سر الجمال الحقيقي, وعندما يتلاشى الخط بين الجمال النسبي والمطلق يرى الجمال ونقيضه كشيء واحد, ويرى الظلام والنور كشيء واحد.

          فلولا الظلام لما عرفت النور, ولولا الشك لما وصلت اليقين, فتجربة الحياة هي الوصول إلى هذه الحالة السامية, حالة الإيمان المطلق بجمال الخلق والخالق.

          فالجمال هو النبض الدائم للحياة والكون وأساس المودة الذي ينبع من أعماقنا ونور الأمل. وهو الوسيلة والطريق والهدف في الوقت نفسه. ولعظمة التجربة الجمالية ليست هناك كلمة تعبّر عنها بصدق إلا كلمة (الله) والتي تلقائيا تتفوّه بها ألسنتنا أينما نكتشف الشيء الجميل.

          فعندما يتسلح العقل بالفكر الإيجابي ينجذب الجمال إلى كل حواسك دون شك. وما أقوله ليس بجديد, فلقد قيل من قبل بطريقة أو أخرى مرات عدة, ولكن عجلة القلق الدائم الذي اختطف حياتنا اليومية أفقدنا البصر والبصيرة فضاع إحساسنا بهذا الجمال الأبدي.

          من الطبيعي أن يكون للبيئة التي ينشأ فيها الإنسان تأثير على مجرى حياته, ففي رحلة الطفولة, ينطبع كل حدث - صغير أو كبير - في صفحة الذاكرة, كل ما تكتشفه حواسّك يسجل في الوجدان, وكل ما تمر به من تجارب يكون شخصيتك, وبمعنى آخر تصبح أنت وعاء لكل هذه التجارب وشخصيتك نتيجة هذه التجارب التي هي أنت... الإدراك والوعي الظاهر والباطن.

          وهكذا بالنسبة لي, عندما كنت صبيًا, تركت تجربة الذهاب إلى محل والدي في السوق القديم أثرًا عميقًا.

          وكان السوق هذا بالنسبة لي, عالمًا مليئًا بالأحداث والأخبار, عالمًا مليئًا بالأشكال والألوان, وعالمًا مليئًا بالعجائب والأفكار, وكان السوق هذا بالنسبة لي رحلة ومغامرة, كل يوم اكتشاف جديد, شكل جديد, لون جديد, ورائحة جديدة. كانت تجربة تتغذى فيها كل حواسي وإدراكي بشكل مستمر.  ونتيجة لهذه السنوات من متابعة الأنشطة وحكايات الناس تم تسجيل كل شيء في ذاكرتي وأصبح جزءًا مني وأنا جزء منه, وتحوّل هذا المكان بالنسبة لي, من سوق ومركز تجاري إلى مسرح حيّ ومتحف عظيم ومركز ثقافي واجتماعي فريد. وهذه التجربة اليومية أصبحت ممتعة إلى حد أنني لم أستطع الاستغناء عنها حتى وإن أصبت بمرض. فكيف أتخلى عن ضوضاء السوق التي أصبحت لحنا أشتاق لسماعه? كيف أنسى المكتبات ومتعة مشاهدة غلاف جديد يسرّني تصميمه? أو صفحة في جريدة يسرّني إخراجها? وكيف أتحمّل البعد عن هواياتي كجمع الطوابع والبطاقات البريدية التي أبحث عنها في مكتبات السوق, وهوايتي لجمع الطوابع سدت الفراغ في غياب المتاحف والمراكز الثقافية في ذلك الوقت.

          هذا الطابع الصغير عالمه كبير, كبسولة من المعرفة والثقافة والفن في آن واحد, بالإضافة إلى كونه هواية ينمي الدقة والنظام والذوق فإنه كرحلة سفر حول العالم.

          صدقني...الطابع موسوعة بأجنحة خفية من الفن الخالص يطير بك إلى عالم مدهش وجميل مليء بالحياة.

          لا أبالغ إذا قلت إن الذهاب إلى السوق كان بالنسبة لي رحلة سفر يُنسي الأوهام وينشّط العقل ويجدّد الطاقة. إذا كان مجرد تأمل طابع بريد ينقلني إلى عالم آخر وكأنني مسافر حقيقي إلى البلد, فما بال تأمّل مكان بهذا الحجم?

          لا تعجب, التأمل على كلمة أو صورة أو رائحة له قدرة عظيمة على نقلك إلى عالم آخر, التأمل بمحبة يملأ الإدراك وتصبح ما تتأمله. فالذي يندمج بالموسيقى يصبح اللحن, والذي يشمّ العطر يصبح الزهرة, والذي يتأمل الجمال يصبح هو الجميل... نعم, كل هذا يحدث, إذا كان التأمل بصدق وإخلاص.

          وهكذا بالتأمّل تحوّل هذا السوق إلى مسرح عظيم ومتحف رائع وسيمفونية عذبة ورحلة سفر ممتعة.

          ودون شك, هذا المخزون الهائل من الأحداث والأشكال وآلاف الصور, بالإضافة إلى المحيط البيئي من برّ وبحر ومعمار هو النبع الذي يلهمني في التعبير بلغة الشكل واللون.

رحلة البحث عن المعنى

          قضيت ثلثي عمري في السفر, والسفر بالنسبة لي ليس فقط مغامرة واكتشافًا, وإنما معمل اختبار, ومسرح لنمو الإدراك والمعرفة, ومدرسة تتعلم فيها دروس الحياة, وتجربة ترسخ انطباعاتها في الذاكرة والوجدان. وأعتبر زيارتي لعاصمة الإنجليز قبل أربعين عامًا, اللقاء الأول والمباشر مع حضارة جديدة, حتى وإن كان لقائي مع العالم الخارجي قد بدأ في المدرسة نظريّا من خلال دروس التاريخ والجغرافيا ودروس اللغة الأجنبية. بل أهم من ذلك, أعتبرها أوّل لقاء مباشر مع نفسي وأنا غريب, ووحيد وبعيد عن الأهل والأصدقاء, وأنا في سن لا تزيد على سبعة عشر عامًا.هكذا بدأت رحلتي مع نفسي في بلاد الإنجليز, لقاء مع لغة جديدة وأفكار وعادات جديدة ومحيط وبيئة جديدة, وفي الوقت نفسه لقاء أو مواجهة مع الشعور بالخوف والملل وعدم الثقة في النفس.

          وبدأت رحلة التفاعل, والفعل وردّ الفعل, ونتج عن هذا التفاعل المركز والمستمر, اكتشاف المواهب والفكر وقوّة التحمّل, وحسن التصرّف والمعاملة. وفي النهاية هذا أدى إلى فهم نفسي وازدياد محبّتي واحترامي للآخرين.

          وهكذا تحوّلت تجربة السفر من مغامرة واكتشاف حضارة إلى لقاء مع عالم الباطن. لقاء مع الحقيقة ومع النفس, وتجربة ممتعة مع دروس الحياة والعاقبة.

 

17/11/2005

 

   

ALTSHKEELY.com