التشكيل الكويتي

فنون عربية وعالمية

الفن وما حوله

فنون العمارة

كتاب في سطور

ورقة من حياة فنان

متاحف عالمية

حوار ورأي

حرف

قراءات

قاموس التشكيلي

تشكيل الحياة

أجراس

العودة للأولى

 

 

 

 

 

  ناصر عبد الله


 

الحشر -  برونز - 1980

 

التحدي - برونز - 1983

 

لحظة الخروج - برونز

 

 

  • قد تتشعب التفاصيل، كي تلامس مثالا حسياً، وقد تتعرض هذه التفاصيل الى اضمار يمجد انهيار الشكل المقصود، فما يشير إليه الواقع، هو مثال حتمي وقع فعله بحكم المداولة والتفاعل.. والذات حلقة تنشطر تارة، وتارة تتكامل، كي تظهر مغزى لسعيها الفاعل والمؤثر. بهذا التحقق تستلف الذات مقاصدها لتضع انجرافها سمة للتخصص أو إذعانا لفعل شعور ذاتي منفلت، ومع ذلك فالمعنى يظل بوسائطه ملحوظة لفعل الذات واجهارها الفكري، وفي الفن تتشكل الاشياء على وفق افادة بررت تعيينات الفنان، فهو يقيم مشروعه ليستدل على حيز للممارسة المثلى التي تخلق له عالماً لا يتحدد بخطوط الظرف الضاغطة وعلى اثر ذلك نتأمل صراع الأشياء في العمق، ونبالغ في الثناء على تشكلها الذي يحفز فينا الوثوق من معطيات خبرتنا التي سرعان ما تهتف بقدرتنا على خلق صيغة ما، لارتباطنا بالعالم.


من خلال هذه الاشارة نطالع اعمال الفنان سامي محمد متناولا نبع انبثاق الاشياء ومسار انخراطها الغرائبي في الحياة، الذي حرص الفنان على اثارته.. فهو ينهض من خلال عموم تركيباته المقترحة بالتعرض الى اقحام الرؤية الذاتية، في محاولة تشخيص مختزل لترسيخ واقعيته، ومن يتأمل منحوتاته يلاحظ اعلاء الجانب الروحي في علاقة الذات بالآخر من خلال الوجوه الانسانية التي تتركز على احساس سايكولوجي مؤثر، وإذا كان الفنان يريد لنا ان نقيم صلة بين ما نراه في اعماله وبين الواقع، فلا ننسى إنه أراد ان يقدم لنا جملة تشكيلية “نحتيه” متكاملة إذ أراد لعيوننا ان تظل متعلقة بالحركة الدائبة، مع اشتراك جميع مكونات العمل الفني وعناصره، فالاشكال البشرية صيغة لفعل تحجمت مضامينه وانفجرت في آن، واستدرات في تشكيل ذي مساحة معبرة في فضاء هندسي الحركة، وعلى نحو شديد الوضوح، يضع الفنان نقطة البداية لكلية افقها مؤثر وكما يعتقد الفنان ان هذه المحاولة هي النظرة الجادة التي يمكن ان يصل بها الى متانة المواجهة، وافراغ الخطوة الانفعالية الحبيسة، انه لمن الضروري ان نبرر تلك العملية البنائية التي وصفها الفنان سامي محمد في سياق حضوره المعروض، إذ تبدو الأشياء في تحولاتها المدركة في العمل ذات طاقة قابلة لأن تكون ايضاحاً دقيقاً لرؤية تشخيصية. كذلك فإن شروعه في تسخير فضاءات المخيلة وفق تنوع يرافق الأمثولة المنغمسة في خطوط شواهده المنحوتة، بدا هذا الشروع تعريفاً ل “تاريخية عاطفية” مجدت مجرى انفصالها عن الأمكان وتوحدت بمصيرها المختلق، وعبر محمولاته تترسخ أمامنا معطيات معنى الاخبار عن تمسكه بالدلالة التي توحي بمتحققات الصراع القائم بين الأشياء في العالم الخارجي.

من المؤكد ان الافتراض قد يبدو فاصلة لإظهار تصورات، تأخذ بعين الاعتبار تتابع سلوك ظاهرة معينة، وعلى الرغم من ذلك قد نجد في بعض المحاولات، براعة في تشكيل معنى يسقط بالاساس على تدوين “جوهر” يتوغل في رسم الظاهرة وفق خلاصة ذاتية محضة، ومن هنا يرتبط التعريف بالشيء بكمية التصور الذهني، الذي يعد نظاما مركبا من مرجعيات ورؤى متحركة دائما وإذا ما حاولنا تجسيد فعل الظاهرة داخل الذات، فإننا حتما سنجد في هذا التجسيد فضاءات الاضافة الذاتية، التي تمنح التشكل المعروض بنائية خاصة وعلى نحو مقارب، وفي تجربة الفنان سامي محمد الطويلة والثرية نجد الكثير من المماثلات المتكونة، للمفردة، وتحولات “الوضع التكويني” كحركة لهذه المفردة داخل فضاء المنحوتة، هنا يمكننا ان ندرك الكيفية التي تتوزع من تنظيم الذات لأنثيالاتها، فالتجربة التي قدمها الفنان خلاصة اطلقتها الذات، لتحضر وقائع تفطن لها الشعور وامتزج بها، كذلك وبهذا الاهتمام تتعوذ تصورات الفنان بموضوع العلاقات الانسانية المعذبة والمفجوعة في كل زمان ومكان، فالمنحوتة تفيض بحوارية تفجر مناخها، وبتأويلات تقتضي الهيمنة على الكثير من المسميات العالية: التضحية، الاستنجاد، الجوع، القهر، السلام، الحب.

ان التذكير بمسألة الانشداد الى الاحداث التي تتكامل وحداتها التكوينية، عبر دينامية، وفرها الفنان في مجمل اعماله، ويبدو هذا التذكير محتوى فرض كميته، لا ليكون ملاحظة ذاتية، بقدر ما يمكن ان نعي من خلال وظيفة الاشارة التي نستخلصها من الشكل.

وعلى الرغم من تلك الطراوة المدهشة في اعماله المختلفة الخامات، غيرانه يفاجئنا بالصعب والعسير عندما تتوحد ثنائية “الموضوع والشكل” في بناء تشكيلي واحد، كما لو أن العمل على متابعة ملامح الوجوه لم يكن إلا الخوض أو البحث عن ارهاصات النفس في زحام الابعاد التي تكون الشكل غير انها جميعا تشترك في الايحاء بالقنوط، وبذلك يتداخل خطان تعبيريان في اعمال سامي محمد عبر مراحله المختلفة: خط تأملي/ جمالي، استخدمه بطريقة “الايحاء” وخط تعبيري/ رمزي ساقه بطريقة التشاؤم، وهكذا ومن خلال المزج بين هذين الخطين يتوحد في النتيجة النهائية “كيان واحد” ومع ذلك فالجملة او المفردة التشكيلية المفعمة بالحيوية عنده، بها بداية وليس لها نهاية، أي رسم الفكرة في ذهنه ومن ثم اتخاذ قرار المباشرة فيها هو البداية.

والفنان سامي محمد وضع امامنا ايقاعا لتلك التوابع التي تتناسق كي تبرز الدلالة التي لا تتقيد بأدائها الادراكي وحسب، بل تتعداه الى اثبات المعالجة الدقيقة، التي اعتمدها الفنان للوصول الى تصور ذهني، يضيف الى منجزه قدرة تعبيرية موفقة، وعبر هذا التشخيص تمتلك الصياغة المعروضة نشاطها في تصنيف ما استحدثه الفنان من اضافات على جسد الكتلة المنحوتة، فالحركة + الرموز “الجدران، الصناديق” ثنائية انتجها الفنان للدعوة الى مغايرة تتزين بها صفة الشكل المنتقى.. ومهما بدت الاحالة التي تقصدها الفنان من ذلك، فإن الاعتقاد بضرورة الانتباه الى ان فضاء المنحوتة هو حكاية لصراع عاطفي تقلبت مواضيعه من خلال السطوح والاحجام والاضافات فتصور بوساطة سمة التعلق الدقيق الذي تشاغل به الفنان واهتم به بقصد الابلاغ عن اشارة تاريخية تابع الفنان تشكيلاته مستمدا من آفاق البناء المحلي المكاني الذي عرف في المحيط الذي عاش فيه وما تحتويه من علامات واشكال ورموز ذات تقطيعات تفرض على المتلقي فكرة ارتباط هذه الاشارات بطقوس وممارسات لها أثرها في حياة “المدون”. والفنان سامي محمد من تشخيصاته بعث تأكيدات التفكير بتلك العلامات والأشكال، وتسيدها على الذات والأشياء.. فهو لم يعد ملزماً بالسرد التوضيحي للأشكال المتزاحمة في الذاكرة، بقدر ما حاول تحرير تنظيم تتابع هذه الأشكال وإحياء التوافر البصري الذي يمكن ان تخلقه تلك التوظيفات التي أسهم الفنان في ايجادها من خلال معالجة ماهرة وصبورة.

ان تجديد مسار التعليق على تميز البنائية التي تنضوي تحت شواهد وقائع اجتماعية، كان تصنيفاً لاحظه الفنان للاستدلال على نقطتين:

الأولى: توضيح الاتجاه الانفعالي الذي يمكن ان ينشغل به كفنان، وتثبيته في خطوط المنحوتة المنشأة.

الثانية: اقتطاع الصفة التكوينية التي توثق نبرة الفضاء الذي انتقاه الفنان وعمل على الابلاغ عن جوهر المحاولة والرؤية والمعالجة.

وبعيداً عن استخدام الأشكال التي تحدد الفكرة بخواص المنحوتة الشكلية، سعى الفنان سامي محمد إلى استثمار التنويعات التي تفسر انتماءه إلى اظهار امكانية المنحوتة على تقبل الكثير من الإثارة والصياغات الفاعلة. بهذا الوصف تتدفق أحوال المفردة ومن خلال انغمارها في نسيج من الحكائية، التي يمكن ان تتأملها في الصياغة التي أسسها الفنان، يتجدد فيض الهيئة المبتكرة، واتساع مجالات اشكالها التعبيرية.. فقد نجد في أقصى الممارسة التي قدمها الفنان نوعاً من المبالغة في الاشارة إلى بعض الاشكال، ونجد في جانب آخر تحويرات بصرية لأشكال أخرى تتحدد في حركة الجسد التي تقيد شبكة من التدخل الغرائبي المؤلم. كما عمد الفنان إلى الاعتماد على تزيين صياغاته الشكلية بإضافات تتجانس مع تفاصيل الاشكال المنهمرة على الكتلة المعروضة.. وبذات المحاولة.. استطاع الفنان سامي محمد من الاشارة إلى التناظر الذي يمكن ان يبعثه التداخل الشكلي في بناء المفردة. هذا التتابع أو الانفصال البصري، الذي يقترن بمهارة الصياغة المعلنة، هو اجهار توافر عليه الفنان لتوضيح صفات جديدة يمكن ان نجدها في التشكيل الموصوف.. فالجسد ايضاح لمستويات: (الانتقال الانبثاق الخلاص الحركة التميل)، هذه التاريخية التي تتجدد في شكل الجسد داخل الفضاء المحيط هي في ذاتها اهتمام حسي منشأه اهتمام الفنان بخرافة التصميم الجمالي والحركي للجسد، وفي ذات الوقت تنوع للتفكير.. والفنان القادر على تحرير فكره من ضغوطات الظرف، فهو يرى الأشياء ويختارها، يحولها الى مدركات حسية تفتعل تأثيرها بحكم الإثارة الشكلية التي ابتدعها الفنان وصاغها في كيفية علامية ماهرة.

وفي عودة الى المشهدية، التي سجلت الشروع المقترح، في اظهار جمالية المنجز من خلال اتساعات جديدة، نجد الفنان سامي محمد لا يتركنا تماماً لدوامة التداخل، بل يحسب ايقاعات الحركة وينحت الفراغ “أحياناً” ويحدد مراكز القوى الرئيسية والمراكز المساعدة لها، ولعل التأكيد على موضوعية الوجوه عند الفنان ارتكزت على أشكال درامية، فهي تكوِّن مركز القوى الممتدة من جانب سايكولوجي تأثيري، كإنشاء يرى فيه الفنان لغة تكميلية، تحرك المساحات المتنوعة في اتجاهاتها، وكما يتظاهر المضمون بتفاصيل الشكل، نجد الفنان في محاولته هذه يعمل بدوره على إثراء محمولاته بدلالات يتقاطع عندها المجال المثالي الذي يمكن ان تشي به، فنحن نرى تكويناً يحتفظ بشعائر ذات مضمون يحمل رؤيا الفنان الذاتية، فيبدو وضعها التكويني “الرجل يخترق الجدار” معنى للانتشال والانقاذ والبحث. هذا التراكز في تقديم مفهوم يتقاطع مع مكابدة الذات وتمردها على الواقع، يبدو اظهاراً لإنشاءات جامحة للتكوينات الرتيبة والمتكررة في المشهد الفني المعروض عموماً، ومع الصياغة المنظورة هذه، يؤطر الفنان مساهماته بمؤثرات اضافية تعزز من المناخ التعبيري الممتلئ الذي نستشفه، كي تتكامل امامنا “طقسية” الممارسة اللابسة لمفردات المنجز المقترح، ومع ذلك فثمة خاصية روجت لإحياء ما ينطوي عليه التأويل من تحول في الجوهر والرؤيا، انها علاقات مصنوعة من قبل فنان شاء ان يحاور الذات البشرية بملامح الوجوه وحركة الأجساد العنيفة، يقول النحات الروماني “برانكوزي”: “البساطة ليست هي الهدف، لكن المرء يصل الى البساطة على الرغم منه كلما اقترب من المعنى الحقيقي للأشياء”.

  • جريدة الخليج – دولة الإمارات العربية المتحدة
     

14/7/2005

 

   

ALTSHKEELY.com