التشكيل الكويتي فنون عربية وعالمية الفن وما حوله عمارة كتاب في سطور متاحف حوار حرف قراءات ورقة من حياة فنان تشكيل الحياة أجراس
العودة للأولى                      
 

 

مدحت علام

 
 
 
 
 
 
 
  • تبدو تجربة الفنان علي العوض الخزفية مثيرة للعديد من الأسئلة المتعلقة ـ في المقام الأول ـ برؤية تتجه في مسارات إنسانية، كثيرة الحساسية، بفضل ما يتمتع به الفنان من موهبة اشتملت على مكونات حياتية، يمكن استشرافها من خلال ما تعج به أعماله الخزفية من أفكار فلسفية رمزية، يدخل في نسيجها عنفوان التجربة والالتقاء الضمني مع خيالات فنية جذابة.


من خلال ما يطرحه العوض من أسئلة في مجمل أعماله فإن قدرته على التواصل مع ذائقة المتلقي يتبدى فيها ملامح الإنسان مزدانة بالرمز، والطرح الحسي لجملة من المشاعر المتحررة من قيود الافتعال، والبعيدة عن التصنع، ومن ثم القريبة من وعي المشاعر، وانفعالها الصادق تجاه الحياة، وهي رؤية قلما تتوفر في أعمال الخزافين الآخرين، لذا فإن قراءة ما ينتجه العوض من مجسمات خزفية تحتاج ـ في كل الأحوال ـ إلى ذهن متقدر وقادر على تفسير ما تبثه قطعه الخزفية من مدلولات، وما ترسله أفكاره الفنية من إشارات فنية واضحة المعالم.

ويستخدم العوض في خزفياته كتلا فنية شديدة الالتقاء بصور الحياة، وبالتالي الاحتفاء بعناصرها احتفاء مزداناً بالحيوية، والتدفق الحسي، وقريباً من روح الحياة في أجمل تجلياتها.

وفي ما يتعلق بتجربة علي العوض مع الألوان والتشكيل فإنها ـ بطبيعة الحال ـ تمضي في سياق فني لا يختلف في مواضيعه عن سياق الزخرفة، وذلك من خلال استلهامه للرمز وانفعاله مع المواضيع الإنسانية بكل ما فيها من شفافية، وطرح العديد من الأسئلة، ولقد استطاع العوض تأكيد هذه التجربة من خلال عناصره الفنية القليلة، تلك التي تبدو فيها الألوان متوهجة، وذات حيوية خالصة.

ويتعين علينا حينما نتحدث عن تجربة الفنان علي العوض التأكيد على العنصر الإنساني الذي يشع عنفوانا سواء في أعماله الزخرفية أو التشكيلية، ومصدر الإشعاع يأتي دائماً من خلال التحام عناصر الأعمال بعضها ببعض في سيمفونية حسية متنوعة الدلالات، ومعبرة تعبيراً صادقاً عن الكثير من المظاهر الإنسانية، وعلى هذا الأساس فإن العوض استطاع تأسيس رؤية خاصة به اشتملت على حزمة من المشاعر تلك التي ساقها في أساليب فنية حديثة تتمتع بالرمز والحرص على إظهار اللوحة أو القطعة الزخرفية في أشكال جمالية متعددة الجوانب والاتجاهات، وهذه الخصوصية أسهمت بكل تأكيد في التقاء الفنان بأكبر قدر من الرؤى تلك التي صاغها في أساليب متواصلة مع أحاسيسه المتفاعلة مع مراحل حيوية في حياة الإنسان، كما تضمن مجاله الفني اتصالا مستمرا مع إيقاعات فنية شديدة الحساسية، وقريبة من وجدان المتلقي.

وبالرجوع إلى ما أنتجه العوض من أعمال خزفية ستتضح لنا الإمكانيات الفنية التي يتمتع بها، وذلك من خلال قدرته على تطويع الخام وتحويله إلى تحفة فنية تعكس مدلولات تشكيلية عميقة الأثر على وجدان المتلقي، وهذه الإمكانيات يمكن استشرافها من خلال جنوح الفنان لإثارة الأسئلة في مكوناته الفنية، وبالتالي دفع المتلقي إلى البحث عن إجابة لهذه الأسئلة، وهو بحث غالباً ما يتضمن مغامرة بصرية تقتحمها الأعين في جرأة وإحساس متزن بعمق التجربة.

ورغم أن أعمال الخزف جديدة ـ بعض الشيء ـ على الساحة الكويتية إلا أن علي العوض ورفاقه الخزافين استطاعوا تأكيد هذه الأعمال، وذلك بفضل حرصهم على الإتيان بأفكار شفافة، ومتوافقة مع لغة العصر، إلى جانب ما إليه هؤلاء الفنانون من صياغة حسية لقطعة الخزف في مضامينها وأشكالها وبالتالي كانت قدراتهم مثيرة وجذابة، لنجد أن لهم مواقع متميزة في هذا المجال على المستوى العربي، ومن ثم أصبح بمقدورنا الحديث عن فن الخزف من خلال هؤلاء باعتباره فنا حديثاً صادقاً، ومعبراً عن سعة التجربة، وعن المدى الفني الذي وصل إليه.

والعوض ـ بصفة خاصة ـ استطاع أن يؤسس لمنهجه الفني رؤية خاصة وذلك من خلال استخدام الرمز في مجال الخزف، واستخلاص رؤيته من ملامح تبدو فيها الحياة طيعة، وفي الوقت نفسه مثيرة، وبالتالي فإن مكانته كفنان يعمل في مجال فن الخزف أصبحت متميزة، وجديرة بأن نتحدث عنها بكثير من الصدق، وذلك من خلال ما نشاهده من أعمال يشارك بها في المعارض في داخل وخارج الكويت، وهي أعمال بكل تأكيد ضاربة بجذورها في العمق المحلي، وفي الوقت نفسه مواكبة للحداثة في أشكالها التجريدية والرمزية.

وتأخذنا فكرة العوض في أعماله التشكيلية أو الخزفية إلى مراحل غاية في الصعوبة، وذلك حينما يجسد روح الإنسان تجسيداً يغلب عليه الرمز، والالتقاء مع رؤى وخيالات شديدة الحساسية، إنها رؤى تبدو في مجالاتها الضمنية والفكرية أكثر غوراً وعمقاً من مجالاتها الشكلية أو الصورية، مستعيناً في إبراز هذه الملامح بألوان متوهجة، وتراكيب فلسفية عميقة الأثر على وجدان المتلقي، إنها تراكيب تبدو فيها الإشارات التشكيلية واضحة المعالم، رغم ما يكتنف جوانبها ـ في بعض الأحيان ـ من غموض ورمز إلا أن قدرة الفنان على محاكاة الواقع جعلت من أعماله الفنية في حالة تكثيف دائم، ووضوح يتوهج بالحيوية والحركة.

ولقد أسهمت تلقائية الفنان ـ وخاصة في مجال الخزف ـ في تنوع رؤى الأعمال، وإظهارها في أشكال سريعة التفاعل مع المحيط الخارجي، ومع عناصر الأعمال تلك التي جاءت في تنوع فني بارز.

واستغرق العوض في طرح قضايا اجتماعية مهمة، من خلال أعماله الفنية تلك التي بدت في سياق فلسفي متواز مع ما تتضمنه مواضيع أعماله من تواصل ضمني مع الأحداث، وبالتالي فقد حرص الفنان على إيجاد حالة من التوازن بين ألوانه، وعناصر مواضيعه، هذا التوازن يمكن قراءة مفرداته في متون أعماله »التشكيلية والخزفية« قراءة محيرة يتبدى فيها عامل الدهشة شاخصاً، ومعبراً عن اقتحام الفنان لمناطق فنية، وإنسانية غاية في الإحساس، والاندماج في الحياة بكل أشكالها.

وتلتقي الصياغة الفلسفية مع صياغة الألوان، وفضاءات الأعمال الفنية بعضها ببعض كي ترسم ملامح تتأكد لنا من بعيد وكأنها ملحمة زمنية، قابلة لأن تتواجد في أي مكان، أو أنها ملحمة مكانية قابلة لأن يحتويها أي زمان، وعلى هذا الأساس انصرفت رؤية الفنان إلى عوامل نفسية محيرة، وفي الوقت نفسه معبرة عن التصاق العوض بمواضيع أعمال هذا الالتصاق الذي يدعونا إلى استحسان أعماله، ومن ثم الاندماج في فرجة فنية قريبة من مشاعرنا لدرجة جيدة.

والعوض في تداوله لعنصري الزمان والمكان من خلال مشاهد لوحاته أو خزفياته يكاد يقترب من أحوال متألقة من التواصل الجدلي بين ما يمكن الاعتقاد في وجوده من أشياء، وما نستشرفه من أحداث مقبلة، وهي رؤية قد تدفعنا إلى التأكيد على موهبة العوض في الجمع بين أزمنة متفرقة، وأماكن مختلفة في عمل فني واحد، وهذه الموهبة تبدو متجددة باستمرار في الطرح والتجديد.

وكان التجريد برؤيته الحداثية مسيطر على أعمال العوض الخزفية، هذا الأسلوب الذي طرح من خلاله الفنان معظم خزفياته، وبالتالي استطاع أن يدمج هذه الرؤية مع رؤى واقعية أخرى أعطت لأعماله الوهج المطلوب.

وما يجب قوله أن الفنان علي العوض يحمل في تجربته الفنية رؤى كثيرة ومتحركة في أكثر من اتجاه وذلك بفضل سعة أفقه، واقترابه من لغة تجريدية يدخل في سياقها الرمز بكل عنفوانه، وجاذبيته، وبالتالي فإنه ـ بكل تأكيد ـ يدفع المتلقي لقراءة خزفياته أو لوحاته التشكيلية قراءة متأنية ومتناسقة مع ما يود طرحه من أفكار، وحوارات إنسانية، وكانت رغبته الشديدة في الارتقاء بمستوى العمل الخزفي الكويتي هي دافعه الأساسي في اقتحام هذا المجال بقوة، وبالتالي تأسيس مجموعة الخزافين من أجل العمل الجماعي، واحتواء هذا الفن بالرعاية في الساحة الفنية الكويتية.

  • مجلة الكويت
 
5/9/2006

جميع الحقوق محفوظة للفنان والناقد التشكيلي حميد خزعل

   
 

ALTSHKEELY.com