التشكيل الكويتي فنون عربية وعالمية الفن وما حوله عمارة كتاب في سطور متاحف حوار حرف قراءات ورقة من حياة فنان تشكيل الحياة أجراس
العودة للأولى                      
 

 

  غازي انعيم

 
الفارس
من الماضي 1982
 
 
فتاة
 
امرأتان 1990
 
  • يعد النحات الكويتي »عيسى صقر« الذي رحل في السابع عشر من شهر مارس/آذار من عام 2000م، في مستشفى مايو كلينيك في مدينة »روجستير بالولايات المتحدة الأمريكية، من الجيل الذي حمل راية الخزف والنحت الكويتي إلى جانب زميليه الفنانين »حسين مسيب وسامي محمد« وغيرهما، حيث ربط إبداعه المستمد من مشاهداته اليومية بالروح الشعبية الكويتية التي عشقها وعبر عنها طوال حياته، وهو أيضا من النحاتين القلائل الذين نذروا أنفسهم، للتعبير من خلال لغة الفن وبلغة المشاعر والأحاسيس عن أفكارهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية، ولهذا عكس »عيسى صقر« الواقع الاجتماعي، وقدم لنا عبر أعماله التي نفذها وبتقنيات مختلفة (رسم، خزف، نحت)، المرأة ذات الملامح الشعبية كرمز من رموز العطاء والإلهام، بالإضافة إلى تناوله لمختلف الظواهر التي كانت تمثل الحياة في الكويت، حيث أسفرت تجربته عن الوجه الأصيل للنحت الكويتي الحديث. فمن هو فناننا الراحل؟ وماذا عن مسيرته التشكيلية؟


ولد الفنان عيسى صقر في عام 1940م بالكويت، وقد بدأت علاقته مع الفن بشكل تدريجي منذ الصغر، حيث نمت معه هواية الرسم والتي عززتها موهبته منذ أن كان تلميذا في المرحلة الابتدائية، وفي المرحلة المتوسطة قطع دراسته والتحق كموظف بالجمارك، من أجل تحسين ظروفه الاقتصادية، ولكن حبه للفن جعله يلتحق في عام 1960 بالمرسم الحر، وكان بذلك أول فنان كويتي يحصل على منحة تفرغ.
وقد أصبح الفن فيما بعد من (رسم وخزف ونحت) بالنسبة له، هو شغله الشاغل وهدفه الأول والأخير.
ويقول عيسى: »لقد كنت أعيش مع الريشة والألوان والوهم قبل أن يضمني المرسم بجناحيه« وفي المرسم اتجه إلى الرسم، والخزف، والنحت، وكان واضحا من خلال الأعمال التي نفذها في داخل المرسم وبمختلف التقنيات والمواد ـ رسم طين، جبس، معدن، خشب، برونز، حجر صناعي، بوليستر، وخزف ـ تأثره بالطقوس الشعبية والبيئية الكويتية من شواطئ وصحراء وغير ذلك من المواضيع الواقعية، كما عمل على نقل ورسم، أشكال الحيوانات، والأشخاص، نذكر منها: »وجه كويتي، صيد الطيور، الرجوع من الحظيرة..«.
أما بالنسبة للنحت والخزف فقد أنتج مجموعة من الأعمال التي تمثل الشخصية الكويتية في مختلف صورها، ومثال ذلك: »امرأة كويتية، وجه فتاة كويتية، رأس رجل كويتي، صبي، مزهرية«.
بعد ذلك شارك الفنان عيسى صقر بتلك الأعمال في معرض الربيع الثالث عام 1961م، وعن تلك الأعمال يقول حامد حميدة: »إذا تأملنا تماثيله الخزفية نستطيع أن نستشف هذه البساطة التي تعكس طيبة النفس وتقبلها لمختلف الظروف والأحداث التي مرت عليها عبر السنين والأجيال، هذا الرضا بالحياة، والإيمان بها في الشظف والنعمة يتجسد في تمثال لأول مرة، لكي يعطي قيما جديدة في عالم الفن التشكيلي«.
وفي العام التالي (1962 ـ 1966م)، حصل على بعثة للدراسة في القاهرة، وفيها التحق بكلية الفنون الجميلة حيث درس النحت دراسة أكاديمية لمدة أربع سنوات، وشارك خلال دراسته في معارض رابطة اتحاد الطلبة، وفي معارض صالون القاهرة، من عام 1962 إلى 1966م، وكان لسنوات الدراسة أهمية كبرى في حياته: ففيها تعرف على مختلف التيارات الفنية، وبشكل خاص تجربة محمود مختار النحتية التي أثرت فيه، كما زار المتاحف، وتردد على الصالات الفنية، وعلى المكتبات لشراء الكتب الفنية التي تتناول تجارب عمالقة النحت العالمي، وذلك لإغناء ثقافته الفنية والبصرية، وكان لكل ما ذكر تأثير واضح على تجربته الفنية، وبهذا الصدد يقول عيسى صقر:
»... تأثرت بالفنان محمود مختار، وأعجبت بإبداعه الفني الفرعوني، وتأثرت بأعماله الإنسانية البسيطة، كما تأثرت بالفنان الإيطالي مايكل أنجلو ورودان الفرنسي وهنري مور الإنجليزي...«.
واستطاع من خلال المشروع الذي تقدم به في نهاية دراسته (1966م)، أن يفوز بالجائزة الأولى لمرسم الأقصر، وهي عبارة عن منحة دراسية على حساب الحكومة المصرية، ولكن الفنان »عيسى صقر« اعتذر عن الجائزة وفضل العودة إلى وطنه، وإلى الأرض التي ترعرع فيها.
ذلك هو الفنان عيسى صقر الذي أكد على مسألة الانتماء والارتباط بالوطن في أكثر من مناسبة، وقال: »أحاول دائما أن أكون مرتبطا بالوطن، فأنا أسكب مشاعري فوق تراب الكويت ليتحول التراب إلى صخر، والصخر إلى تمثال«.
ذلك الكلام ترجم بشكل عملي في معرضه الأول الذي أقامه في شهر مارس/ آذار 1967م، بصالة المباركية، وكان واضحا من خلال أعمال ذلك المعرض كما يقول الفنان عبد الرسول سلمان: »انحصار مواضيعه بجغرافية كويتية، لكنها مطعمة بتأثيرات متباينة الظهور بالتراثيات الفرعونية«، وعن ذلك التأثر يقول عيسى صقر:
»في بداية عملي اتبعت الأسلوب الفرعوني، ولهذا رجعت فورا بعد انتهاء مدة دراستي وبقيت أربع سنوات أحاول أن أتخلص من تأثير هذا الأسلوب«.
ولأن الفنان متعدد المواهب، متنقل من تقنية إلى أخرى للكشف عن الجديد ورفض تكرار نفسه، انتقل إلى مادة النحاس المطروق، وقدم من خلالها مجموعة من الأعمال ـ ذات الشكل الدائري ـ الذي استخدم في تنفيذها مواد مأخوذة من البيئة، مثل: (الخرز الملون، أقفال معدنية، حبال ملونة، أسلاك نحاسية، مفتاح ساعة الماء ذو الشكل النباتي، شعر مستعار، وقطع معدنية نحاسية...)، ومن خلال تلاحم تلك العناصر مع خامة النحاس، يمكن إدراك العلاقات المتبادلة بينها، وبين الخط، والملمس، كما أنها أكسبت السطح غنى فنيا مبهرا، أشعر المشاهد بالخشونة أو النعومة أو العتمة.
ونذكر من أعمال هذه المرحلة (وجه فتاة)، و(أسطورة)، و(الصوت الضائع 1974م)، وهو عبارة عن وجه فتاة، أغلق فمها بمزلاج ـ جرور ـ أحكم إغلاقه بقفل، وهنا أراد الفنان أن يعبر عن رأيه بالحرية بشكل عام، وبحرية المرأة والقهر الواقع عليها بشكل خاص.
بعد ذلك نشط على صعيد المشاركات المحلية والعربية والعالمية وبدأ الفنان يؤسس لأسلوب خاص به، تنبع مفرداته من تراثه وتربة بلاده، وقد ظهر ذلك الأسلوب بشكل جلي وواضح في المعرض الثاني الذي أقامه عام 1976م في قاعة المرسم الحر في الكويت، وبشكل خاص في عمله الخشبي الذي استلهمه من أسطورة »السلعوة«، وهي شخصية تراثية خرافية بجسد إنساني مقيد بالسلاسل، والسلعوة تحتل مساحة كبيرة من عقول الناس وخاصة الأطفال والشيوخ وهي جزء من الحكاية الشعبية في منطقة الخليج.
ويلاحظ في هذه الفترة تأثر الفنان بالفن البدائي الأفريقي لناحية الأسلوب وليس الفكر، سواء في عمل (الصوت الضائع 1974م، أو الأسطورة 1976م)، وقد شكل ذلك المعرض بالنسبة لعيسى صقر نقطة تحول هامة.
وعند دراسة أعمال هذا الفنان الرائد نلاحظ أنها تثير إعجابنا وقادرة على إمتاعنا وهي في نفس الوقت تذكرنا بالظروف الصعبة والقاسية التي نشأ فيها جيل عيسى صقر ومن سبقوه من الرواد، أمثال: معجب الدوسري، طارق السيد، عيسى محمود، أحمد زكريا، عبدالله تقي، محمد علي حسن، عبد الحميد الصالح وجواد جاسم وغيرهم...«، أو الذين كانوا معه... والمشوار الصعب الذي قطعوه... حيث تغلبوا على كل المعوقات والعقبات، وأثبتوا فيما بعد حضورهم، وحققوا من خلال ذلك الحضور، اعترافا بأهمية ومكانة الفن، ودوره في المجتمع الكويتي الحديث.
التركيز على المرأة
وإذا ألقينا نظرة شاملة على إنتاج الفنان الراحل على مدى تاريخه الفني، سنجد أنه قد التزم بالحدود التي رسمها لنفسه من البداية، فعالج من خلال أعماله الخزفية والنحتية، الحياة الاجتماعية، والعادات والتقاليد المتوارثة في الكويت، وتناول مختلف الأنشطة من أفراح وأحزان، وألعاب ورقصات... وميزة تجربة عيسى صقر تتمثل في تركيزه على الإنسان وبشكل خاص عنصر المرأة، وعلى الثنائيات، (امرأة وامرأة، أو امرأة ورجل، أو رجل ورجل)، بالإضافة لوجود تماثيل متضمنة أكثر من عنصرين، لكن تبقى المرأة الأكثر حضورا في أعماله التي ترمز فيها إلى الزوجة والحبيبة والأم والأخت والأرض والوطن، يقول عيسى صقر:
»... حواء في نظري هي فعلا مصدر للجنس البشري، هي الأم التي تحمل بين ضلوعها تلك العاطفة السامية الرقيقة التي تغمر بها أبناءها حنانا وعطفا وحبا، وهي الزوجة التي تحيل حياة زوجها إلى جنة وارفة الظلال بما تغمره به من حنان رقيق وعواطف جياشه حلوة، وهي الأخت الإنسانة التي يحتاجها الأخ إلى جواره دائما«.
من خلال تلك الرؤية تناول عيسى صقر المرأة، بكافة أنوثتها، وعبر عن جسدها سواء كانت جالسة، أو واقفة، أو مضطجعة... أو في أي حركة أخرى.
وقدم عيسى صقر خلال المراحل التي مر بها، عملا نصبيا، بنائيا، مستقرا، ومدروسا، نشاهد من خلاله، ومن كافة الواجهات، الحركة والرشاقة، بخطوط تتميز بالانسياب، والبساطة، والنسب النحتية الصحيحة، إلى جانب الكتلة المتماسكة المربوطة بإحكام، التي تعطي الإحساس الرائع بالسكينة والأمان، كما في: (البخنق، والأمومة، شهيد الحب، ذكريات)، وفي بعض الأعمال الأخرى تكون مفعمة بالحيوية والأنوثة، كما في: (أنوثة، برونز، مفترق الطريق، سجن الحب، رقصة، رقصة مع الطبل، الصامدين، الزفانة، لعبة الحجلة، العناق، العاصفة...).
أهم منحوتات صقر تمثال: »فرحة التحرير« وهو من البرونز ويمثل امرأة بزيها الوطني وهي تسير إلى الأمام بخطى واثقة نحو الحرية، وقد وضع يدها اليمنى تمسك بالعباءة من الخلف، والتي شكلت خارطة الكويت وهي ترفرف كالعلم إلى جانبها، ويدها اليسرى تمسك بها بلطف من فوق الرأس. وهذا التمثال يعتبر من الآثار الفذة في النحت الكويتي الحديث، فقد اتجه الفنان في تمثاله إلى الجماليات المجردة مستخدما العباءة وطياتها عندما تمتلىء بالهواء وبشكل جمالي ركز على إظـهار وجه وأقدام المرأة التي لا يظهر غيرهما من جسدها داخل الكتلة المتماسكة البناء، فالتمثال لا يقف عند حد التعبير عن فرحة التحرير وإنما يمتد إلى كل أشكال الحياة ومحاولات الانطلاق.
ثم نرى تمثال »صامدون« الذي يمثل امرأة تقف بشموخ وعزة بين فتاتين التصقتا بها في المقدمة والخلف، والتمثال هو بمتانته وتماسك كتلته يعتبر من الآثار الفذة في النحت الحديث، ففضلا عن قيمته التشكيلية فإنه يتضمن طاقة نفسية عميقة تدل على المقاومة والصمود، لا بل إنه يتعدى ذلك إلى الإنسانية كلها في صراعها مع أعداء الحياة.
وهذا التمثال عولج بأسلوب من البلاغة التشكيلية حيث جمع البناء مع الإيجاز، والسكون مع الحركة، والتنوع مع وحدة الإيقاع والترديد. والتمثال يحمل بعدا إنسانيا عميقا فالمرأة هنا تمثل الوطن وترمز للأمة بكل ما تحمله هذه الكلمة من حنان واحتواء وأمان، أما الفتاة التي تتشبث بالصمود في المقدمة، مع الفتاة الواقفة والمتحدة مع المرأة في الخلف، فهما يمثلان الحاضر والمستقبل.
واللغة التشكيلية في هذين العملين تعبر عن شخصية الكويت، فالروح التي أودعها الفنان عيسى صقر في الملامح، ورسوخ البناء والتأليف والتوفيق في إبراز الإحساس بالوطن، كل ذلك يجعل من هذين التمثالين قصيدة سيمفونية، تجسم شخصية الكويت بلغة النحت.
ونلمس في تماثيله الخزفية المتشققة ـ الجفاف رقم ?، ورقم ?، وامرأة ـ ذلك الإحساس العميق بالحياة من خلال التوفيق ما بين التوازن والتناسق الذي يتسم برصانة الشكل وقوة البناء، وسيطرته على اللون البني في هذه التقنية شديدة الحساسية التي عالجها بأسلوب من البلاغة التشكيلية.
أخيرا، لقد عاش الفنان الراحل »عيسى صقر« حياة كانت عامرة بالجد والمثابرة، وشكل بنوعية إنتاجه نموذجا للفنان المؤمن بأسلوبه الذي تميز به عن أبناء جيله، لأن الفنان كان شغله الشاغل التعبير الصادق عن روحه الأصيلة من خلال لغة التشكيل التي تفي بغرض التعبير عن الفكرة وتوصيل مضمونها للمتلقي، وكانت وفاته خسارة للحركة التشكيلية الكويتية بشكل خاص والعربية بشكل عام. < <

عيسى صقر في سطور
ـ ولد عام 1940م
ـ أول كويتي يمنح التفرغ في المرسم الحر عام 1961م.
ـ درس الفن في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة العام 1962 ـ 1966م.
ـ اشترك في معرض صالون القاهرة أثناء الدراسة 63 ـ 1966م.
ـ شارك في معارض رابطة اتحاد الطلبة بالقاهرة 62 ـ 1966م.
ـ أقام معرضين شخصيين 67 ـ 1976م.
ـ شارك في أكثر من 150 معرضا في الداخل والخارج.
ـ شارك وحضر مؤتمر النحاتين في كندا 1978م.
ـ أشرف على معرض الخليج الأول بدولة قطر.
ـ أنهى دورة تدريبية في معهد نيوجرسي للتدريب على صب البرونز.
ـ شارك في مؤتمر النحاتين بأسبانيا في مدينة زارت.
ـ شارك في الأسبوع الثقافي لدول مجلس التعاون باليابان ومعرض الجمعية الكويتية للفنون في بلغاريا عام 1985م.
ـ رافق معرض الجمعية الكويتية للفنون بدولة الإمارات العربية المتحدة عام 1985م.
ـ شارك في بينالي القاهرة الدولي 1988م.
ـ شارك ورافق بينالي الخزف الدولي الأول بالقاهرة 1994م.
ـ شارك ورافق معرض المجلس الوطني للفنون في بينالي الشارقة الثاني العام 1995م.
ـ عضو مؤسس في الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية 1967م.
ـ عضو في تجمع الإبداع الحر.
ـ عضو في أصدقاء الفن لدول مجلس التعاون الخليجي.
ـ فنان متفرغ بالمرسم الحر التشكيلي.
ـ توفي رحمه الله في 1999/3/17
الجـوائـــز
ـ جائزة الأقصر الدراسية في جمهورية مصر العربية 1966م
ـ حصل على ثلاث ميداليات ذهبية من معارض الجمعية الكويتية للفنون خلال الأعوام: 72 ـ 74 ـ1975م.
ـ جائزة الشراع الذهبي من معرض الكويت للفنانين التشكيليين العرب العام 1975م.
ـ شهادة تقدير من المعرض الخامس للجمعية الكويتية للفنون التشكيلية عام 1977م.
ـ جائزة تقديرية في بينالي الشارقة 1995م.

  • مجلة الكويت
 
27/10/2006

جميع الحقوق محفوظة للفنان والناقد التشكيلي حميد خزعل

   
 

ALTSHKEELY.com