التشكيل الكويتي فنون عربية وعالمية الفن وما حوله عمارة كتاب في سطور متاحف حوار حرف قراءات ورقة من حياة فنان تشكيل الحياة أجراس
العودة للأولى                      
 

 

  حيدر الياسري

 
الصرناي
العرضة
راقصة
 
  • قبل أن نصل الى القرن العشرين ، كان العالم العربي قد اثر في نتاج الفنانين التشكليين الاوربيين الذين أغرموا بتراث العالم العربي في كل أ صقاعه مما ساعدهم على تطور فنونهم وعلى الضهور كمبدعين ومجديد ون هنا انبثق فن الاستشراق في اوربا .وهذا ما دفع الشاعر تيوفيل غوتيه لكي يؤكد دائما "ان السفر الى الجزائر أصبح بالنسبة للمصورين اكثر أهمية من الحج الى إيطاليا".

ولقد أضاف ألازار قائلا "الواقع أنه منذ بداية هذا القرن فإن السفر الى أفريقيا الشماليه وبلاد العرب أمراً عاديا يشابه السفر الى إيطاليا واسبانيا ولقد تزايد الاستشراق بدون انقطاع ".
واستمر الاتجاه نحو الشرق حتى يومنا هذا. وفي مقال جديد، كتب الناقد بيير كابان *تحت عنوان "هاهم الفنانون الذين نقبوا العالم " ، مقال نُشر في جريده آرتست الاسبوعيه عام 1962 أكد فيه أن مغامرة الفنانين وخاصه سفرهم الى البلاد العربيه أصبح اليوم هدفاً بذاته. ولئن أردنا أن نتابع الطريق مع الفنانين المستقلين المعاصرين فإننا نجد أنفسنا أمام مئات ممن اعتبرو البلاد العربيه دائما مهد الفن، فجرَّهم اليها جوها وسكانها وتراثها وناسها وتقاليدهم الاسلاميه.
ولقد وصف أندريه جيد الذي عرف هذه البلاد بعض خواطره في هذا المقطع " إنَّ معايشة الآخرين والتعرف على بهاء حياتهم مما يسمونه اغتراب لا يعني في الواقع البحث عن طبيعه أكثر جمالا بل البحث عما يمكن أن يبدو لنا جديداً ومدهشا".
واًيضا يقول:
" طالما أبنتُ في كتاباتي السحر الذي شغفني به العالم العربي ونور الاسلام، ولقد أطلت عشرة الكثير من المعنيين بالشؤون العربيه والاسلاميه وكنت بلا ريب خليقا أن أكون شخصا آخر ولو لم أتلبث في ظلال النخيل بعدان أتذوق حتى الهيام سعير الصحراء المحرق فهنالك استطعت ان أجرد ثقافتنا الغربيه من ثيابها وان أهتدي الى حقيقه إنسانيه كانت مضاعه ."
لقد كان العالم العربي عالم غموض وسحر وروائع. كان كعبة الكتّاب والمغامرين
والفنانين الذين أرادوا الاستيحاء من الوجوه ومن القصص المتواردة عنه ، لكن الشرق الذي بقى بالنسبة للغربيين غامضا وقصصيا لم يعد له وجود، فلقد تطور الشرق بسرعه مدهشه ولم يعد مكان لعالم الف ليلة وليله ولروايات عنترة وأبي زيد ومقامات الحريري . لقد أصبحت الملابس العربيه المزكرشه والمذهبه والاشياء العربيه وطراز العمارة من الامور النادرة وحل محلها طابع أوربي هو بالنتيجه الرغبه بمحاكاة الغرب بنهضته.
لكن الشرق لم يكن ليثير الغرب إلا بميزاته التاريخية والاثرية التي اقتنصتها مي السعيد وداعبت بألوانها ما لم تره عين الغربي، فاستطاعت أن تمزج ألوانها بصدق وعفويه وتخرج بأجمل التعابير وبالعادات الخاصه والمعروفه والمنتشرة في جميع انحاء العالم العربي.
من بيئة الكويت انطلقت التشكيليه مي السعد برحلتها الاستشراقيه الصميميه بكل جرأة وثقه كفارسه تعتلي صهوة التاريخ تحمل الوانها منطلقةً من بيئتها مستكشفةً ما تغافل عنه الغرب، من نشاتها بين موروثها الشعبي المتأصل بذاكرتها المتوقدة باللون من زخم المفردات التي تعلقت بعينيها ورائحة البخور بشذاه وعبق ألوانها الصارخه بكل المتضادات المتنافرة كثورة عشق.
تحمل مي معها كل ما كانت تتنفسه على مدى مراحلها الزمنيه وما خلفه لها تاريخ تلك البقعة الجغرافيه العربيه من صفاء الموروث وما تراه من عادات وتقاليد وملبس قد توارثه أبناء الكويت فيما يسمى بـ "الفريج" وما تداخل بين أزقتها وحواريها من فنون العمارة والموسيقى والعادات والرقصات الشعبيه والألعاب لتتناول كل تلك المفردات بأعمالها التي لا تقل روعه عما تناوله المستشرق الغربي وهو يحاكي هذه العادات والتقاليد العربيه الساميه. ومما يؤسف له أن بعض الفنانين الغربين قد انحرفوا عن اهدافهم، فمضوا إلى رسم الشرق كي يصوروا الفقر والتخلف في موضوعات تصوير الشحاذين والبدو والفلاحين الفقراء.
ولقد شوهت موضوعاتهم هذه فكرة الغرب عن الشرق إذ أصبح بنظرهم مركزا للتخلف والفقر عوضا عن أن يكون مركزاً للروائع والخيال.
ثم تاتي مي السعد بثقه القادر المتمرس لتعيد لتلك الجماليات بريقها مبتدئةً من بيئتها ليستفز هذه الفنانه الكويتيه الجانب المشرق لتلك العوالم العربيه الخالصه التي طالما شدتها برحلتها منذ نعومة أظفارها فطالت التأمل لتتزود بها برحلتها الابداعيه الاستشراقيه الخالصه من روحها ونشأتها وتعلقها بمحيطها الكويتي كأنها تقول للفنان الغربي ،الجمال موجود هنا ما زلنا نحياه وما زال طعمه فينا لنفك طلاسمه من جديد ونزيد من سحره .تراها حية ما زالت تنبض بالحياة في مخيلتها الواسعه الآفاق لتترجمه في أعمالها الرائعه الصدق بكل هذا الكم المتجانس من المشاعر والولا ءات للوطن والموروث والتاريخ الذي احتوته بألوانها مثلما احتوى نشأتها ومسيرتها الفنيه، وكأنها ترفض الابتعاد عنه حتى أصبح طابعاً يميز أعمالها .والمتلقي لأعمال هذه الفنانه يشعر بهذه العلاقه الروحيه حتى المتذوق للعمل الفني الاستشراقي العربي . وكأن مي السعد تحاول أن ترد لهذا المعشوق ما وهبها من عشق فتطرز وجهه بألوانها كأنها حناء تنذرها في محراب عشقه الخالد بلون انغمس بمشاعرها وامتزج بها تلمسته من دفء ألوان كل ما التقت به في منطقتها العربيه حتى أننا لا نراها تقف عند حدود الكويت فقط بل نراها تحلق حاملةً جمال الوانها وفضاءاتها الواسعه لكل ما يثير قريحتها ويداعب مشاعرها ويروي عطشها المتأصل بالصحراء وعاداتها وتقاليدها، فترسم البيئه السعوديه والاماراتيه والمغربيه لتذكرنا بما كان يفعله الفنان الغربي وهو يلتقي لاول مرة بالعالم العربي المبهر بجماله وروعته وصدقه وشفافيته.
مي السعد التشكيلية الكويتية لم تحدها جغرافية المكان فنراها هنا وهناك تنهل من كل نبع تزاحمت الألوان بين جنباته وعلى ضفافه لتجسد بذلك فناً رائعاً لا يقل روعةً وإبداعاً عمّا أفرزته رؤيا الفنان الغربي أمثال بول ايلي ، كما نراه في عمله"امرأة من الهغار " ، وتقترب من أعمال شاسيريو في"راقصات جزائريات"وأعمال أميلبرنارد في "لحريم"وتناوله لمفردات وأدوات الفرق الموسيقية الايقاعيه.
وتبقى مي السعيد تتفرد بأسلوبها وجماليات انتمائها واستشراقها العربي العربي وتناولها لمفرداتها بحس راقٍ جدا وتزاوج مفردات الواقعيه عندها بالفن الحديث مما جعلها تتفرد بخصوصيتها وجمالياتها كما نراه في أعمالها الموسومة في رقصة الجويدرا ،و الردحه والسامري وعرضه جنوبيه، والبدويه الراقصه ، وغيرها من الاعمال الرائعه .....

 

16/7/2006

   
 

ALTSHKEELY.com