التشكيل الكويتي فنون عربية وعالمية الفن وما حوله عمارة كتاب في سطور متاحف حوار حرف قراءات ورقة من حياة فنان تشكيل الحياة أجراس
العودة للأولى                      
 

 

  مدحت علام

 
معجب الدوسري 1922 - 1956
يوم الغسيل -زيت على قماش - 50×88 سم
ضاربة الودع - زيت على قماش - 58×31 سم
اسكتش بالباستل - صور شخصية - من مقتنيات طارق السيد رجب
امرأتلن - زيت على قماش - 31×58 سم
  • تضمنت المنارة الثقافية الكويتية الاخيرة في مهرجان القرين الثقافي التي اقيمت مساء الثلاثاء الماضي في رابطة الادباء على عنوان «منارة الفنان معجب الدوسري» ولقد احياها ببحثين الناقدان خالد عبدالرحمن العبدالمغني، ويحيى سويلم وادارها الفنان سعود الفرج، في حضور الامين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب بدر الرفاعي.


وتحدث سويلم في بحثه عن الخصائص الابداعية والفنية للدوسري، ضمن الاطار التاريخي والفني لمسيرة الفن التشكيلي الكويتي، ولقد جمع سويلم في هذا البحث ما كتبه معجب الدوسري عن الفن، بالاضافة الى ما كتب عنه باقلام النقاد ليقول سويلم: «من الحقائق الثابتة ان ما نسميه الآن الفن التشكيلي في الكويت والذي يعد واحدا من مظاهر الحياة الثقافية في الكويت لم يكن وليد ليلة وضحاها، ولا يمكن رجوع الفضل في ميلاد هذا الفن التشكيلي الى طفرة التعليم الحديث فقط، وانها اوجدته من العدم، ولكن الحقيقة انه كان موجودا من قبل، مؤسسا من زمن بعيد وضاربا في عمق الحياة وفي نفوس الكويتيين، متمثلا اولا في دينهم الحنيف الذي كان يذكر في آياته الكريمة بحب الجمال والتمعن في ملكوت الله وخلقه، والحض على التعمق في النظر للانسان والتأمل فيما حوله، وقد تعلموا ذلك ودُعم في كتاتيبهم التي تعنى بتحفيظ القرآن الكريم وتعليم الخط العربي ومدارسه المختلفة. ان الاحساس بالفن والجمال شيء لافت آسر، لا تخطئه العين، وهو صفة من الصفات العامة التي يمتاز بها البشر بجميع اجناسهم منذ وجد الانسان على الارض، وان هذه الخاصة موزعة بين الناس وان كانت بنسب متفاوتة ومن المستويات المختلفة، فالكون الذي نعيش فيه زاخر بالجمال باعتباره عنصرا اساسيا في هذا الوجود في الارض، جبال وصحراء ووديان، السماء والقمر والنجوم، الانسان والطير والحيوان والنبات ... الخ».
وقال في ما يخص جذور الوعي التشكيلي بحكم البيئة والنشأة: «الكويت بموقعها الجغرافي الاستراتيجي بمنطقة الخليج كأي منطقة قديمة عرفت الفنون وتأثرت بحضارات المنطقة القديمة، حضارات وادي السند وحضارات وادي الرافدين السومرية والبابلية والكلدانية والآشورية كما شهدت حضارة بلاد الشام العمورية والفينيقية القديمة مرورا بالحضارة الكنعانية واليمنية القديمة وحضارة دلمون اضافة الى الحضارة الحبشية الافريقية، وقد كانت جزيرة فيلكا (ايكاروس) من المراكز المهمة بسبب موقعها المتميز في اقصى شمال الخليج خاصة في عهد الاسكندر وهي مثال واضح على هذه الحالة الفنية في الفترات القديمة، حيث اكدت الآثار المكتشفة بها من اوان واختام ذات الثراء والتنوع في اشكال ورسوم الاشخاص والطيور والحيوانات والنباتات ونقوش وكتابات مدى المستوى الفني والجمالي الرفيع لاهل المنطقة. ومنذ ان نشأت الكويت اعتبارا من سنة 1613، تعاقب على ارضها الكثيرون من المجموعات البشرية الرائدة تسكن ارضها وتبحث بجد ودأب عن وسائل العيش الكريم وبفضل همة اهلها نبت اسطول بحري تجاري كبير، واصبحت مع بداية القرن السابع عشر مركزا تجاريا مهما ومنفذا رئيسيا لتجارة البلاد المجاورة، وتطورت الحرف والصناعات الصغيرة لتلبي احتياجات اهلها اليومية».
كما تحدث عن صناعة السفن في الكويت وفن العمارة والصياغة والحلي، والنسيج اليدوي وفن حياكة الصوف «السدو» والالوان التي عرفها اهل الكويت كما عرفها سائر البشر من خلال الطبيعة التي خلفها الله سبحانه وتعالى واستطرد في حديثه عن جذور الوعي التشكيلي واتساع حركة الاتصال الثقافي بين الكويت والخارج ليقول: «مما لا شك فيه ان خروج ابناء الكويت برحلات الى الخارج كان له اكبر الاثر في المعرفة بالعالم الخارجي، ففي عام 1919 نجد ان حاكم الكويت الشيخ احمد الجابر الصباح يقوم برحلة طويلة زار فيها لندن وجلاسجو وزار الجامعة ومعارض الفن، كما زار الاهرام وابو الهول والمتحف المصري الفرعوني ومسجد محمد علي والقلعة. وعرف الكثير من ابناء الكويت الاتصال بدول كثيرة عربية واوروبية، وعندما يعودون الى الكويت، يكونون محط انظار ابناء الوطن فيحكون عن مشاهداتهم وما وقعت عليه اعينهم من دور للسينما وسفور المرأة والمباني العالية والاسواق الكبيرة، وادى ذلك الى معرفة الكويتيين بما يدور حولهم وحماسهم في اصلاح بلدهم والاخذ بأساليب التطور والتحضر. كما كان للتجربة الرائدة للشيخ عبدالعزيز الرشيد دور لا يستهان به باصداره اول صحيفة كويتية - الكويت - عام 1928 كوسيلة لبث مبادئ وافكار التجديد وتبعتها مجلة البعثة عام 1946 وان كان ذلك بعد سنوات طويلة، وكان يكتب فيها طلاب البعثات ابناء الكويت من الدارسين في مصر، ورأس تحريرها الاستاذ عبدالعزيز حسين والتي توصف بأنها التجربة المثمرة الحاضنة للصحافة الكويتية كلها التي وجدت في صفحاتها مجالا متسعا لافكار وطموحات شباب الحركة الثقافية الحديثة في الكويت امثال عبدالله زكريا الانصاري واحمد العدواني وحمد الرجيب ومحمد مساعد الصالح ويوسف الرفاعي وعبدالعزيز الصرعاوي وداوود مساعد الصالح وخالد خلف وخالد الغربللي وسامي المنيس وفهد الدويري ومعجب الدوسري واحمد زكريا الانصاري».
وأشار إلى الدور التربوي لمعجب الدوسري في تدريس الفن بقوله: «يؤرخ لمسيرة الحركة الفنية التشكيلية في الكويت ببدايات بروز معجب الدوسري على الساحة الفنية كرائد وهب نفسه وقلبه لتأسيس حركة تشكيلية، من خلال اعداد جيل من الفنانين الشباب بأسلوب علمي وتربوي سليم عن طريق تدريسه لطلاب المدارس وتحقيق طموحاته وأفكاره في وقت كان فيه الكثير من الكويتيين يعزفون عن الانخراط في هذه المهنة. ونراه يعبر عن ذلك في مقاله الأول بالعدد الأول في مجلة البعثة عام 1946، ويؤسفني ان أقول في ختام هذه النبذة عن فن الرسم والتصوير أن هذا الفن الجميل متأخر عندنا في الكويت، فعسى أن يكون له نصيب من العناية أنه عنوان نهوض الأمة وتقدمها، وبعد ان أنهى معجب دراسته الفنية - 1945 - 1950 - في القاهرة، اتجه مباشرة إلى تعليم الفن بشكل مختلف جذريا عما كان يمارس به من قبل، حيث كانت تنحصر في حصص يعهد بها إلى مدرسي أي مادة ليشغلها المدرس في فترات فراغه ويعلم الطلاب بالشكل الذي يراه، وكانت طريقتهم تدور حول توجيه التلاميذ إلى النقل الحرفي للأشكال المرسومة على اللوح لمحاكاتها من دون أي تصرف، وفي هذا إغفال لجوانب كثيرة من شخصية التلميذ، وفيها من الجهود والآلية التي لا تتفق مع طبيعة التلاميذ الصغار من تلقائية وعفوية». وأكد ان معجب الدوسري كان مؤمناً بأن من واجب مدرسي الرسم ان يجعل من المدرسة بيئة جمالية، وان يكون الرسم جزءاً من النشاط المدرسي، ومن عمله ومسؤوليته أولا وأخيراً.
كما تطرق سويلم إلى كتاب طارق رجب وتطور الحركة الفنية التشكيلية في الكويت، ومحاورته مع الدكتور عبدالله تقي عن معجب الدوسري، وحب عدنان حسين المولى عام 1936 للفن.
وقال: «ساهم معجب الدوسري بجانب مهم ورائد في بث الوعي التشكيلي بكتابة مقالات عدة، نشرها في مجلة البعثة، وكتاب أيام الكويت لمؤلفه أحمد الشرباصي».
وتطرق الباحث إلى عطاء الدوسري التشكيلي وتفاعله مع الكثير من الفنون الاخرى مثل الموسيقى والتصوير الفوتوغرافي والمسرح.
واحتوت ورقة الباحث خالد العبدالغني على عنوان «الفنان معجب الدوسري... في الفن والحياة» ليقول: «إن الكتابة عن نشأة الفن التشكيلي في الكويت، تنطلق من نقطة بداية محددة، وتبدأ تلك النقطة مع مسيرة الفنان معجب الدوسري، ذلك الفنان الرائد بكل ما تعنيه الكلمة، الذي عشق الفن التشكيلي في وقت مبكر، كرس حياته في سبيل دراسته، ونشره في مجتمعه، فرسم وعلم وكتب في زمن لم يعرف فيه جمعيات للفن التشكيلي، ولا صالات للعرض، ولا ميزانية للاقتناء، أو جوائز للتشجيع، وكانت رحلته الفنية كفاحا بلا حدود، وعطاء بلا مقابل، وعلى الرغم من فترة حياته القصيرة، إلا أنه ترك رصيدا فنيا وفكريا جديرا بالارتكاز عليه كثوابت، سارت على أساسه مسيرة الفن التشكيلي في الكويت، وترك أثرا بالغا على جيل بأكمله، ألا وهو زرع بذرة الفن التشكيلي في رمال صحراوية عطشى».
كما اشار إلى مولد الدوسري عام 1922 ووفاة والده، ثم سفره إلى البصرة، وبداياته الفنية في الكويت، وانتقاله من مدرسة الاحمدية إلى المباركية عام 1938 ثم دراسته في مصر ثم اسهاماته في التطور الثقافي لبلده، وشعوره بالمسؤولية حيال نشر الرسم في الكويت.
واستطرد العبد المغني في بحثه مشيرا إلى رحلة الدوسري إلى انكلترا وقال: «يعتبر الفنان معجب الدوسري مدخلا إلى قراءة بدايات الفن التشكيلي في الكويت، وفي الوقت ذاته يعتبر أيضا مدخلا إلى التعرف على نشأة الاسلوب الواقعي، الذي من خلال تجربته الفنية القصيرة الأمد نسبياً، مهد الطريق لمن بعده من الفنانين لاكتشاف أبعاده وجمالياته، وكذلك هناك جانب مهم - لا يقل أهمية عن أسلوبه - ألا وهو اهتمامه بالموضوع الذي يعكس بيئته ومحيطه، وخاصة في رسم «البورتريه» وتصويره للمناظر. ومما لا خلاف عليه، أن ظهور «المدرسة الواقعية» في الفن التشكيلي الكويتي ارتبط مع رسم معجب الدوسري، ولذلك الارتباط عدة أسباب، أولا: ان للواقعية سحر القبول عند الناس في الفهم والتذوق، ومن ثم يتسع انتشارها بين المجتمع، وهذا ما كان يسعى اليه الفنان. وثانيا: تعتمد الدراسة الاكاديمية للفن التشكيلي في المبادئ الاولية على نقل الواقع، والاتقان في تصويره، وهذا ما تدرب عليه الفنان معجب في دراسته في انكلترا، وانجذب اليه كوسيلة للتعبير، وأما السبب الثالث والأخير: الذي يبدو جليا من خلال ما نشاهده في أعماله المتبقية، يأتي تأثره برسم الاسلوب الواقعي انعكاسا طبيعيا لرحلته».
وأكد العبدالمغني قائلا: «كان معجب الدوسري يحمل رسالة سامية لا تقل أهمية عن الرسم، وهي نشر رسالة الفن بين مجتمعه، وجل هدفه كان في تنمية حاسة التذوق الفني لديهم، وحثهم على البحث عن الجماليات في البيئة المحيطة بهم، ففي آخر مقال نشره بمجلة البعثة كتب نصا جميلا بعنوان (اللون شعر صامت نظمته بلاغة الطبيعة يقول فيه: أنظر حولك أينما سرت وحينما حللت ألا ترى أن الطبيعة مفعمة بالألوان، انظر إلى السماء والى الأرض، ثم تأمل في الزرع والجبال والبحار والسحب، وأجل نظرك في الملابس والمنازل والأثاث، بل وكل ما يقع تحت عينيك، في الإنسان والحيوان والطير وسائر المخلوقات، من نبات وجماد وحيوان، هل يخلو أحدها من اللون؟ أتستطيع ان تتخيل هذا العالم وقد فني منه اللون».

  • الراي
 
25/12/2006

جميع الحقوق محفوظة للفنان والناقد التشكيلي حميد خزعل

   
 

ALTSHKEELY.com