التشكيل الكويتي فنون عربية وعالمية الفن وما حوله عمارة كتاب في سطور متاحف حوار حرف قراءات ورقة من حياة فنان تشكيل الحياة أجراس
العودة للأولى                      
 

 

  حميد خزعل

 
العانس
ليلة العرس
 
  • "محمد الشيباني" البحث عن حلول لقضايا مزمنة ومعقدة جداً تستأثر بمساحة واسعة من تفكيرنا وتلتهم كما كبيرا من مشاعرنا وعواطفنا بل وتصل في بعض الأحيان لخلخة سلوكنا اليومي فتصبح جزءاً من حركتنا الاجتماعية.
    وكيفما حاول "الشيباني" تظل هذه النتوءات بارزة على سطح علاقاتنا الإنسانية متحجرة وملتصقة بقوة لا يمكن إزالتها فهي قديمة تعايشنا معها طويلاً إلى درجة التعود وتعتبر لوحتي (خرافة والعانس) دليلاً صادقاً لهذه المحاولة في البحث عن رؤية واضحة لمثل هذه العلاقات الإنسانية المعقدة في تركيبها ، فهو يحلل فلسفة البحث هذه بقوله:(أصبح البحث عن الحقيقة في العالم الواقعي مجرد نزهة على الأسلاك الشائكة فالكثير يلبس قناع يخفي به عفويته الفطرية الصادقة فبعد أن أقفلت أبواب الواقع بهذه الأقنعة ، لا بد من البحث عن باب آخر لأحكي حكاياتي بصفاءروحي وإيماءات صادقة عفوية وأغوص بعطائه فأجد فيه الحقيقة الضائعة التي تبدو لي في الواقع المنظور غير واضحة).


إذاً فهو يتلمس بأنامله برفق وحذر تلك الأقنعة التي نغلف بها وجوهنا كل صباح عندما نبدأ رحلة النهار اليومية، فالحقائق لديه أمور مبهمة لا يمكن من قراءتها وهي تتشرنق تحت هذه الأغلفة الجلدية.
خرافة . . رمز لعلاقة متوترة !
العلاقة بين الرجل والمرأة هي محور (خرافه) ولأن القضية شائكة ومعقدة فإن تناولها يصعب الاحتكاك به مباشرة لذلك فالرمز والتورية هي المبضع الذي يستخدمه في جراحاته الفلسفية ، فخرافه هي رمز للعلاقة المتوترة أو صراع المواجهة بينهما والذي يأخذ شكلا متناميا بتنامي الحياة فبينما يظل الرجل متمسكا بحقوقه " السلطوية " ساعياً للاحتفاظ بها، تكافح (هي) من أجل الظهور بالصورة فتقف علي رؤوس أصابعها في محاولة منها لتدفع بقامتها لتحاذي قامته.
إنه صراع إثبات الذات لها واستعراض القوة له ، فالعمل (خرافة) يروي قصتهما هي وهو أما "الشيباني" فيقف معها، إنه لا يلتزم الحياد فبرغم عجزه في أن يحل (مربع الكلمات المتقاطعة) إلا أنه يندفع بكل قوته الفكرية والتشكيلية ليساعدها في أن تدفع بقامتها أكثر في (مواجهته) فالرمز هنا هي الصورة القديمة التي يستعرض الرجل فيها قوته ورجولته أمام عروسه في ليلة الزفاف بقتله القطة المسكينة حتى يبعث في قلبها، الخوف والرعب و (الاحترام) منه فالبداية يجب أن تكون من هذا المنظور لفلسفة العلاقة بين الرجل والمرأة.
لم يعمد "محمد الشيباني" في تناوله لهذا الموضوع لتوثيق هذا المشهد بشكله الواقعي كممارسة حياتية عفا عليها الزمن ودخلت في ثنايا التراث الأدبي لبعض المجتمعات العربية وإنما كان إطار تناوله للمشهد يبرز كقيمة فكرية وفلسفية لعرض قضية تتفاعل حيثياتها يوما بعد يوم، محورها سعي المرأة الدؤوب للحصول على مكاسب اجتماعية وحقوق أكثر إنصافا في ممارسة دورها في الحياة العامة بمختلف مجالاتها، فهو مع المرأة في مطالبها ويتبنى قضيتها العادلة في رمزيته التي أخذت اسمها ( خرافة ) من مفهومه الخاص لهذه العلاقة الشائكة ! ، فمساحة (خرافة) تختزل المفهوم الأدبي للحدث الشامل وعناصر تبعث إحساسا بالقلق والتململ في ذاتها قلقة تتزاحم بشكل مثير وكأنها رموز أحجية كمبيوترية تتحرك في كل الاتجاهات في محاولة الوصول لنهاية هذه اللعبة الصعبة في محيط خصوصية غرفة النوم بأجوائها المعتمة وألوانها الغامضة وكأنها (السلبية) الخاصة بصورة ليلة زفافهما "(هو وهي)!.
العانس . . الاقتراب من النقطة الحرجة !.
في العانس يمس الوتر الحساس الذي يربط بين الرجل والمرأة ، فالارتباط الأسري هو أكثر العلاقات الإنسانية أهمية وتعقيدا في بناء دورة الحياة والاقتراب من هذه (النقطة الحرجة) ليس بالأمر الهين ويحتاج إلىمهارة إبداعية في المعالجة ، فمن السهل جدا الكتابة حول موضوع (العنوسة) لكن ترجمة ذلك تشكيلياً يعد من الأمور المقلقة، "فالشيباني" في هذا العمل يستجمع خيوط قصة قديمة ما زالت حتى هذه الساعة تروي وستظل كذلك في مساحة محدودة ، وقد نجح في ذلك مستعرضاً أحد أكثر المشاكل الاجتماعية والإنسانية حساسية مؤكدا دوره كفنان في تلمس هموم من حوله عندما يقول:(كثيرا ما يقال أن اللوحة انعكاسا لنفسية الفنان وتجربته الشخصية وهذا القول ليس فيه كل الصحة ، فالفنان هو مرآة لمجتمعه بكل أبعاده الإنسانية).
إذن فنحن كما هو جزء من هذه العلاقات الإنسانية الشائكة ، وتبرز قوة هذه المعالجة التشكيلية من خلال منظورها الرمزي الذي لجأ إليه في طرح فكره الفلسفي لهذه القضايا مما زاد في نضجها كأعمال فنية ومحتوي فكري متميز، فمساحة (الخرافة) تختزل المفهوم الأدبي للحدث إلى أشكال وعناصر تبعث إحساسا بالقلق والتململ ، فهي ذاتها قلقة تتزاحم بشكل مثير وكأنها رموز للعبة كمبيوترية تتحرك في كل الاتجاهات في محاولة الوصول لنهاية هذه اللعبة الصعبة في محيط خصوصية غرفة النوم بأجوائها المعتمة وألوانها الغامضة وكأنها (السلبية) الخاصة بصورة ليلة زفافها "هو وهي".
برغم عمق هذه القضية وتشابك جوانبها إلا أن العمل جاء بسيطا ومختزلا في صياغته الفنية معبرا في إيحاءاته الفكرية، وجاءت هذه البساطة في "تركيبة الحدث" لخدمة الموضوع والتركيز علي نقطة الاهتمام فيه ، فالصحراء القاحلة والمترامية الأطراف التي تتناثر فيها أكشاك الهاتف الصامتة هي الوعاء الاجتماعي والإنساني الذي يحتوي جوانب فلسفة القضية ورمزيتها تشرح (شائكة) المشكلة وعمق ترسباتها التي تستعصي علي الحل وتهيم بها هذه الأرواح البشرية لكنها لا تطلب النجدة بل تظل صامتة كصمت الهواتف التي دفنت أكشاكها رمال الصحراء في ترقب لا تتحرك، منهكة يبدو عليها الإرهاق والتعب!.
محور العانس هي (الشخصية) التي تحتل مقدمة المشهد في الرواية وتتناوب جميع أدوارها، فهي البطلة الوحيدة على خشبه المسرح تستقطب كل الاهتمام أما بقية العناصر فهي مكملات للحبكة القصصية في مساحة اللوحة والتي تمثل رموز الواقع وإيحاءاته - الهاتف الذي تغطيه الرمال وطاولة الزينة التي نزعت مرآتها إلا من بروازها الخشبي - كلها تعطي إحساسا بالترقب والانتظار أو الدخول إلي مرحلة اليأس ، فهذه عناصر تخلي عنها (الزمن) فطبعت مضمون الفكرة بالخواء الزمني وشددت على مأساوية المشكلة في إطارها الإنساني.

  •  
  • مجلة الكويت
 
18/10/2006

جميع الحقوق محفوظة للفنان والناقد التشكيلي حميد خزعل

   
 

ALTSHKEELY.com