التشكيل الكويتي فنون عربية وعالمية الفن وما حوله عمارة كتاب في سطور متاحف حوار حرف قراءات ورقة من حياة فنان تشكيل الحياة
أجراس العودة للأولى                  
 

 

  محمد مهدى حميدة *

 
 
 

فكرة - 20×30 إنش - 2005 - الوان زيتية + اكريليك على توال

أمل - 60×60 سم - 2006 - أكريليك على توال

اسقاطات فكرية - 30×36 إنش - 2005 - أكريليك على توال

استطراق عاطفي - 30×36 إنش - 2005 - أكريليك على توال

 نقطة / 16×12 إنش / 2007 / أكريليك على كرتون

مستلقية / 16×12 إنش / 2007 / أكريليك على كرتون

  • عبر نصوص بصرية تأملية يذهب التشكيلي والناقد الكويتي حميد خزعل في مغامرة تشكيلية جادة لقراءة العالم النسائي الخاص والخصب وتتبع أبعاده وكافة معطياته ومن ثم إعادة طرحه وتقديمه كخطاب تشكيلي يحمل فيضا من الجمال والعذوبة الكبيرين إضافة إلى كثير من القيم التشكيلية والمعانى والدلالات المتنوعة العميقة التي تتنقل فيما بينها من الخاص إلى العام ومن الفردي إلى الجمعي إضافة إلى كونها تعنى فائق العناية بالمزج بين الواقعي والمتخيل أو تقديم كل منهما على حدة خلال نصوص بصرية مستقلة وقائمة بذاتها وقادرة في الوقت ذاته على طرح مضامين كثيرة تمتاز بالأصالة كما أنها في ذات الوقت تعبر عن طموحات وأفكار مستقبلية مأمولة.
    وفي هذه التجربة التشكيلية الثرية التي قام خزعل بإبداعها حديثا حملت النصوص المرسومة عناوين مستقلة تعبر عن المعنى والدلالة الخاصين بكل لوحة من اللوحات، وجاءت العناوين على هذا النحو:" احتضان- ثلاث عميان وقمر- موضة هذا الصيف المنقط- تظاهرة- تكامل- وليمة- اتجاهات- توقد- أصفر منقط- جرة قلم- فضاء آخر- سمراء- تناضح عكسي- اسقاطات فكرية- ارتجال- متوتر- استطراق عاطفي- متألقة- مشرقة- فكرة- حيرة- حدود- تحدى -أمل- ماشى وين؟ لسه في قلبي كلام"، وهذه العناوين تعبر وتدلل على أفعال، وتلاحمات ، وتقاليع،وتأملات،ومشاعر، وحالات إنسانية(أو نسائية) شتى أراد بها الفنان أن يعلن عن انحيازه وتعاطفه مع قضايا المرأة ورغباتها المشروعة في تجاوز الواقع بكل احباطاته ومعوقاته.


القيم التشكيلية في الأعمال
يجئ الخطاب البصري لحميد خزعل عبر تجريدية تعبيرية أحسبها في هذا النطاق أكثر ملائمة وتجاوبا مع الطرح المراد إبرازه والتأكيد عليه ، بحيث تكون المرأة في هيئتها المجردة داخل اللوحة هي البديل المشروع عن كل النساء الموجودات في الحياة، وليست هي امرأة واحدة بعينها تم رسمها فحسب، ليتحول الذاتي والخاص على هذا النحو إلى جمعي وعام، وهذه قيمة رئيسية من القيم البلاغية لهذه النصوص التي تحمل ملامحها الخاصة تلك التي تتجاوز كثير من المرجعيات البصرية السابقة عليها.
يبنى حميد خزعل لوحاته معتمدا على تنويع المساحات اللونية المتناغمة وإعادة توزيعها وتكرارها عبر المسطحات البصرية في علاقات تشكيلية تأتى غالبا في نطاق هندسي بحيث نراها وقد اعتمدت على مساحات منتظمة كالمستطيلات أو الإطارات المنتظمة على هيئة مستطيلات أيضا إضافة إلى مساحات أخرى من أشكال تعتمد الخطوط المستقيمة أو المنحنية الغير منتظمة في رسمها، وأحيانا يمكننا أن نجد تلك المساحات اللونية وقد احتلت خلفية اللوحة بأكملها بحيث لا يمكننا العثور على نهايات تحد هذه الخلفيات وتحدد كنهها ليبقى الفضاء مشرعا للامتداد والتخيل اللامحدود من قبل المتأملين والمشاهدين المدققين في معانى ومفاهيم تلك النصوص البصرية المطروحة خارج السياق العام المعتاد.
إن التباين والتنوع الذي تمتاز به نصوص حميد خزعل البصرية فيما يتعلق بشكل ومساحات الفضاء اللوني يضعنا في بؤرة محددة أحيانا نستطيع خلالها أن نشاهد حدثا بعينه يقصد الفنان أن يضعه داخل مركزية لونية محددة المعالم كما أننا في لوحات أخرى نجد أنفسنا ننظر فقط إلى جانب من مشهد كلي تشارك مخيلاتنا في استجلاء معالمه كلما توحدنا مع المعطى التعبيري ومضمون اللوحة وصرنا أكثر التصاقا بأجواءها.
يعتمد حميد خزعل في بناء اللوحة أيضا على التوزيع الكولاجي للكائنات التي نشعر أنها تعرضت لعملية تجزيئ واشتغال مونتاجي بحيث تظهر لنا كما لو أنها مقصوصة من هيئتها الكاملة ليظهر فقط جزء منها يوحى بمضمون اللوحة من خلال الوضعية التي يبدو من خلالها في سياق النص البصري، وهنا يستوجب ملاحظة وجود مثل هذه الأجزاء من الكائنات المنقوصة في أحد أركان اللوحة فحسب.
ويكتمل بناء اللوحة لدى خزعل عبر توزيعه للشخوص والكائنات والرموز والتشظيات اللونية التي تظهر في ثنايا اللون الواحد المهيمن لتكسر من رتابته وتضيف إلى اللوحة طاقة بصرية وإشراقات لونية تومض وتتوهج عبر المسطح اللوني الكلي كما لو أنها نجوم في فضاء سماوي رحب.
رموز في عالم فضائي
لا يوجد في لوحات حميد خزعل هذه حضور لمكان بعينه ولكن توزيع العناصر داخل النص البصري وظهور بعض الرموز كالأهلة وكذلك الانتثارات اللونية المضيئة تشي جميعها بوجود عالم فضائي تنطلق الأشياء كافة والشخوص وكل ما هو موجود داخل اللوحة في رحابته ليتحرر الجميع من أسر الأماكن المغلقة أو المحددة المعالم.. تلك التى اعتدناها وتعودناها.
إن نص حميد خزعل نص متمرد على الواقع الآني، وهو أيضا نص حالم يجد خلاصه في الولوج الحقيقي الصادق إلى آفاق مشرعة على الدوام أمام التقافز والحرية اللامشروطة، وهو نص يدعو للانعتاق والتخلص من القيود الرابضة.
ويبقى هنا أن نص حميد خزعل نص روحي فضائي آمل في مستقبل يتيح للأحلام أن تكون وتتحقق، وأن تشرق لتضئ جنبات الروح وتمنح العقول مزيدا من الاعتراف بقدراتها الذكية ونبوغها خاصة فيما يتعلق بمناطق الحس والشعور والإلهام.
تنوع الألوان ودلالاتها
وفي نصوص حميد خزعل تشرق الألوان ويتنوع استخدامها بحيث نراها في بعض اللوحات ترديدا وتنغيما لدرجات لون واحد كمجموعة الألوان الرمادية في حين يتم تحديد او فصل أجزاء معينة لكل درجة من درجات اللون الواحد عن طريق خطوط أو مساحات خارجية محددة من ألوان أخرى مختلفة أو من خلال استخدام درجة قاتمة من درجات اللون نفسه في حل تشكيلي يؤكد على هيئة الأشكال ويساهم في توصيفها وابراز كنهها الخارجي على الأقل.
يستخدم خزعل الألوان الرمادية بكثرة وكذلك الألوان البنية وإضافة إلى ذلك فإن مجموعة أخرى من الألوان تنتثر في ثنايا اللوحات ومنها الأصفر والأسود والأبيض والأحمر، وقليل من درجات الألوان الخضراء والزرقاء المختلفة، ومع هذا فإن اللوحات تأتي مقتصدة في الألوان المستخدمة في تشكيل كل واحدة منها على حدة، وربما جاء هذا الاقتصاد ليكون متسقا مع البساطة البادية على تكوين ومحتوى اللوحات ذاتها تلك التي تقودنا في سرعة خاطفة إلى المآل والمعنى المبتغى.
وللحركة في نصوص خزعل هذه فعلها المدهش حيث نجد الحركات في مجملها خفيفة وإيمائية قوامها ميل الرأس والعنق مع التغيير في حركة الأكتاف وفي وضعية الكائنات نفسها وتصويرها عبر وضعيات حركية تتلاءم مع الحالة التعبيرية المرصودة ففي عدد من اللوحات يؤكد الفنان على فكرة التقابل العكسي ما بين شخصيتين تقع كل منهما في أحد جانبي اللوحة الأيمن والأيسر أو العلوي والسفلي وفي عدد آخر من اللوحات نجد الشخوص تحتل منطقة منتصف اللوحة وهي في وضعيتها الحركية الدالة أيضا، أما أركان بعض اللوحات فغالبا ما نجد خلالها الشخوص المجتزأة تتحرك ماضية إلى خارج اللوحة في فعل شديد الذكاء من تشكيلي متمرس فكريا وتجريبا ويمتلك خبرة كبيرة في كيفية صياغة نص متحرر وجرئ.
تظهر الهيئة الكلية للشخوص في معظم اللوحات فقط من خلال المنطقة العلوية من الجسد الإنساني الذي يظهر دونما أياد ، والتي عالجها الفنان على هذا النحو المرئي بطريقة بدت معها كما لو أنها مجرد بروزات أو نتوءات جسدية لا يمكنها أن تكون فاعلة كما ينبغى أن تكون.. إن الأيادى وتصويرها بهذا الشكل المقتضب إنما هو تفوق فكري من الفنان الذي أراد أن يرسخ حالة الضعف المهيمنة على نساء لوحاته، كما أن عدم ظهور الأقدام والأرجل ساهم هو أيضا في تأكيد هذه الفكرة كذلك.
المكان والزمان
وفي الشخوص المنتثرة في ثنايا هذه اللوحات الدالة الجميلة تختفى الملامح وتتماهى ويمكن رؤيتها بشكل إيحائي مقتضب في عدد قليل جدا من اللوحات لتظل هذه الشخوص متجاوبة مع مثيلاتها في الواقع المعيش دون أن يقصد بها شخوص بعينها، وهنا حلقة أخرى من حلقات الوصل التي يعتمدها الفنان في عمله بين العالم التصويري بكل ما يحمله من رؤى وما يتضمنه من أفكار والعالم الخارجي الحي بكل ما ينتظره ويتوق له من تفعيل وتجاوب مع مثل هذه التصورات العقلية والوجدانية الطموحة الساعية إلى مرادها ومبتغاها بكل جد وقوة ودونما يأس قد يكبلها أو يعرقل انطلاقاتها.
والزمن في لوحات الفنان هو زمن مبهم ومتخفى ومع ذلك فإنه يمكن استشعاره من خلال العلاقات اللونية وطبيعة الألوان المستخدمة، وأعتقد أن مسألة الزمن تلك في مثل هذه التجربة التشكيلية التي تهدف إلى تحقيق مضامين ودلالات بعينها لا تأخذ من الأهمية ما تأخذه خلال النصوص الكلاسيكية المحاكية للواقع.. ويجب التنبه إلى كينونة الزمن في لوحات حميد خزعل فهو زمن الفعل والدلالة وهو زمن لحظي أحيانا، وزمن ممتد ومستمر في أحيان أخرى ولا يمكن إحالته إلى الآونة والحالات الزمنية الحياتية المعتادة كالليل والنهار والغروب والشروق وغير ذلك من حالات الزمان المتغيرة والمتنوعة على الدوام.
إن حميد خزعل فنان وناقد مثقف وواعي يمتلك رؤية عميقة للحياة ويعرف كيف يصيغ ويطرح مشاعره وأفكاره وتأملاته عبر المسطحات البصرية التي يجيد ارتيادها كما أنه يجيد كذلك التحرك والانتقال التشكيلي من نقطة إلى أخرى لتتحول تحركاته وانتقالاته المتلاحقة إلى علاقات ومكونات تصيغ وتشكل عندئذ عالما تشكيليا غنيا وحميما.

  • [جريدة الفنون - امجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب] [* فنان تشكيلي وناقد- مصر] [MMAHDY72@YAHOO.COM]


     

 
13 7 2007

جميع الحقوق محفوظة  للفنان والناقد التشكيلي حميد خزعل 2007