التشكيل الكويتي فنون عربية وعالمية الفن وما حوله عمارة كتاب في سطور متاحف حوار حرف قراءات ورقة من حياة فنان تشكيل الحياة
أجراس العودة للأولى                  
 

 
 
 
 
 
 
 
  • سامية أحمد السيد عمر تشكيلية كويتية صاحبة تجربة إبداعية بارزة ، وهي واحدة من أصحاب الأسماء المعروفة والمتداولة خلال الساحة التشكيلية الكويتية التي تضم عددا من الأسماء النسائية ممن لهن حضور كبير ومؤثر بين المبدعين التشكيليين الكويتيين كثريا البقصمي ومنيرة القاضي وموضي الحجي وسعاد العيسى وصبيحة بشارة وغيرهن الكثير من الفنانات الكويتيات المنتميات إلى الأجيال التشكيلية المختلفة ممن صارت لهن منجزات واضحة المعالم تمتاز بجديتها وكذا أصالتها وبلاغتها التعبيرية حيث تطرح تلك المنجزات التشكيلية موضوعات شديدة العمق ترتبط ارتباطا وثيقا بالواقع المحيط وأجواءه المختلفة وكذا الذات الإنسانية بكل ما يشغلها من تطلعات وما تحاول أن تجد له تفسيرات من الأمور الحياتية الكثيرة التي تدخل في نطاق الاهتمام المعرفي والبحث الإنساني المتواصل.


ولدت سامية أحمد السيد عمرعاصم في الكويت عام 1947،وحصلت على شهادة (أستاذ رسم) من المدرسة العليا للفنون الجميلة (سان فرناندو) مدريد – أسبانيا كما حصلت على شهادة دبلوم خط عربي من الكويت فى العام 1986م إضافة إلى شهادة دبلوم (ديكور داخلي بالمراسلة من ICS من ولاية بنسلفانيا – أمريكا في العام 1986 ، وهى عضو في جماعة أصدقاء الفن لدول مجلس التعاون الخليجي،وقد عملت مدرسة رسم وموجهة تربية فنية في منطقة الأحمدي التعليمية بالكويت وقد أقيم للفنانة عدد كبير من المعارض الخاصة داخل الكويت وفي الخارج في كندا وموسكو ومصر إضافة إلى مشاركتها فى عدد من المعارض الجماعية داخل الكويت وفي كل من الشارقة والصين وكندا ودول شمال افريقيا.
والفنانة سامية السيد عمر تذهب في مشروعها التشكيلي إلى تصوير مشاهد من البيئة خليجية التراثية في الكويت والبحرين وعمان فنجدها تعرج كثيرا في إطار عملها الإبداعي على تصوير الكثير من البنايات والعمائر التقليدية، وهي تؤكد بذلك على ولعها الشديد بمكونات المكان وما يحمله من محفزات كامنة و قادرة فى نفس الوقت على تنشيط الذات المبدعة في السبيل لاستلهام الكثير من عناصر العمارة التقليدية القديمة في دول الخليج ودفعها في مهارة وتمكن إلى المسطح التصويري من خلال تكوين تتخيره بعناية ودقة، وهو ما يؤكد حساسية الفنانة الشديدة للزاوية التي تذهب من خلالها في تصوير هذا المكان أو ذاك .
ومسألة تخير زاوية تصوير المبنى أو الحي أو التكوين العمراني أو حتى الطبيعي لمكان ما لاشك في أنها أحد أهم وأبرز المسائل المتعلقة بإنجاز العمل الإبداعي التشكيلي المعتمد بشكل أساسي على المعطى المكاني فمع اختلاف الزوايا تختلف المعانى ومع اختلاف الزوايا تختلف المرئيات كما تختلف العلاقات والتكوينات فالمكان إذا كنا نسلم في الواقع بكونه مكانا واحدا وحيدا فهو أمام الاشتغال التشكيلي يستحيل إلى أماكن ذات دلالات ومعانى كثيرة جدا لا يمكن حصرها أبدا بأي من الأحوال وهو ما يحملنا على القول بأن المكان الواحد في الواقع هو عشرات أو مئات وربما حتى آلاف الأماكن التي قد تظهر من خلال الأعمال التشكيلية.
تعتمد سامية السيد عمر في تصويرها للمباني على زاويتين رئيسيتين تظهر من خلالهما البنايات والمبانى التي تصورها داخل لوحاتها أما الزاوية الأولى من هاتين الزاويتين فهي الزاوية الأمامية الموازية بشكل أفقى تقريبا لواجهة المبنى حيث يهر المبنى او جزء منه يمتد من جانب اللوحة إلى الجانب الثاني بحيث يمكن للعين المشاهدة أن تكمل المبنى وفقا لإحساسها به في كل اتجاه من الاتجاهين، وفى بعض هذه اللوحات التي تعتمد هذه الزاوية كمنهج للعمل قد تذهب الفنانة للتركيز على جزء فقط من واجهة المبنى بحيث لا يظهر أبدا نهاية المبنى من أعلى إضافة إلى الجانبين أما الزاوية الثانية التي تعتمد عليها الفنانة فهي زاوية منظورية حيث تبدو المباني داخل اللوحات وقد امتدت بشكل منظورى بداية من أحد جوانب اللوحة ووصولا إلى الجانب الآخر بحيث تتحقق فكرة المنظور الهندسي والتى تؤكدها الفنانة بالعمل على تضاؤل العناصر كلما اتجه المبنى إلى العمق إضافة إلى الخطين العلوي والسفلي الذين يعبران عن حدود المبانى العلوية والسفلية والذين يميلان بشكل لافت للإنتباه طبقا للقواعد المنظورية .
والزاويتان يحملان رؤيتين أساسيتين مختلفتين عن بعضهما البعض ففى الوقت الذي يظهر فيه المبنى أو جزء منه بواجهته الأساسية و قد وقف وجها لوجه أمام المشاهد ليكشف له بشكل مباشرعن ملامحه الأساسية دونما خداع أو مواربة أما الزاوية الثانية فهى زاوية غير مباشرة تحمل امتدادا للمبنى فى الاتجاه البعيد الغير مرئى والغير مباشر فكما أن الحالة الأولى حالة صريحة يمكننا أن ندرك أن الحالة الثانية حالة غامضة .
و المكان في الواقع إذا سلمنا بتجريده ليستحيل إلى اسمه وكنهه الدال عليه فقط فإنه داخل النص البصري الإبداعي يتحول إلى نص إبداعي يحمل الكثير من الدلالات والمعاني والإيماءات التي قد لا يتنبه لها الأناس العاديون والتي من أجلها فى الغالب يذهب الفنان للاشتغال على مكان بعينه أو بناية بعينها.
والمكان في نهاية المطاف ليس إلا سيرة زمانية وسيرة لكل الكائنات التى عاشت أو حتى عبرت خلاله كما أنه وثيقة مستمرة ومتجددة لكل الأحداث الحياتية الدائرة فى أنحاءه المختلفة، وهذا بالضبط ما يجب أن نتوقف أمامه ونحن نقرأ النصوص البصرية التي تحفل بالأماكن حيث لا يهمنا آنئذ داخل النص البصري اسم المكان بقدر ما يهمنا حالته الإبداعية وأحاديثه التعبيرية تلك التى تميز لوحة عن لوحة أخرى لذات المكان وتلك التي تميز خطاب فنان عن خطاب فنان آخر يتناول المكان ذاته ، وفوق ما نستطيع أن ندلل به على تجاوز النص البصري على المعطى الواقعى معترفين بأنه لولا وجود ذلك المعطى ما وجد على الإطلاق النص الإبداعى ومدركين في الآن نفسه أن المعطى المكانى الواقعي جاء في الأساس عبر مخيلة إنسانية وفقا لحاجة معيشية دون أن نغفل الحس الفني الفطري الذي صاغ ذلك المعطى المكانى الذي يذهب الفنانون التشكيليون على استلهامه وطرحه عبر نصوص تشكيلية تعيد قراءة واكتشاف ومحاورة تلك الأماكن نفسيا أو زمانيا أو ما إلى ذلك من قراءات واكتشافات ومحاورات شتى تمنح المكان جماليات متجددة لتكشف لنا عن كثير من أسراره في الوقت الذي تختف فيه أسار أخرى كثيرة تتكشف شيئا فشيئا أو تنوء بعيدا حيث لا يمكن إدراكها أو العثور على أي منها.
أما عن أماكن سامية السيد عمر فهى كما سبق وأن ذكرنا أماكن تراثية تعتمد الأساليب التقليدية في بناءها حيث تتألف من خامات بيئية توفرها الطبيعة المحيطة من أحجار ورمال وجذوع أشجارأو نخيل ومون تقليدية تستخدم في التثبيت واللصق إضافة إلى تكسية الجدران، ولا ترتفع تلك المبانى أبدا عن ثلاثة طوابق كما يبدو في الكثير من لوحات الفنانة التي تصور فيها مشاهد تشتمل على بيوت وشوارع خليجية قديمة تظهر لنا طبيعة عدد من هذه المبانى والعمائر وما تشتمل عليه من عناصر أساسية كالأبواب والشبابيك والأعمدة إضافة إلى بعض الزخارف والحليات البسيطة التي تتزين بها الحوائط إضافة إلى عدد من الألواح والعروق الخشبية المستخدمة في الأسقف، كما تظهر بعض العناصر المعمارية الإسلامية كالمشربيات والحليات الزخرفية التى تأخذ شكل العقود المدببة وغيرها من العناصر المميزة للمبانى التقليدية.
الملفت في أعمال سامية السيد عمر هو تأكيد وإبراز المبنى من خلال استخدام مجموعة من الألوان الناصعة بحيث يصبح المبنى هو المساحة المضيئة المشرقة داخل اللوحة في حين تظهر بقية العناصر الأخر كالارض مثلا او السماء أو حتى الأشجار وغيرها من عناصر اللوحة بألوان قاتمة نسبيا ليصبح المبنى هو الأكثر ظهورا دون غيره من تلك العناصر التي أشرنا إليها ،وقد تذهب سامية في بعض اللوحات إلى استخدام ألوان فاتحة ومشرقة في تلوين الأرض وربما تلجأ الفنانة لذلك لتؤكد على التوحد بين المبنى والأرض التى يوجد فوقها حيث أنهما من ذات الخامات ولهما معا نفس الطبيعة التي تؤلف بينهما، وهو امتداد افقى لا نهائي لتلك المبانى التي تبدو بارتفعات محدودة كما سبق لنا وأن أشرنا .
وقد يرجع اهتمام الفنانة بتصوير العمائر داخل لوحاتها لكونها دارسة للديكور والعمارة الداخلية ، وهو ما يساعدنا على تفسير وفهم ذلك الاهتمام الواضح بتصويرها للبنايات والعمائر من الخارج ومن الداخل أيضا بكثرة داخل اللوحات مع الاهتمام بغبراز تفاصيل المكان وعناصره.
إن عالم سامية عمر عالم قديم زمنيا تظهر فيه الأماكن والأشخاص والكائنات في ماضى بعيد لم يعد موجودا إلا في ذاكرة من عاصروا رحلة ونشأة أقطار الخليج التاريخية من الآباء والأجداد والأبناء أولئك الذين تجاوزوا مرحلة الشباب بسنوات عديدة حيث لا تعبر لوحات الفنانة ومنجزاتها البصرية بأي حال من الأحوال عن العالم الحديث في معظم الأقطار الخليجية تلك التي بعدت كثيرا في بناياتها وواقعها الاجتماعي والاقتصادي عن ذلك العالم القديم الذي يظهر لنا كما لو كان سيمفونيات تؤلفها الفنانة معتمدة على ذاكرتها أو عبر صور فوتوغرافية توثق للأماكن توثيقا أمينا ودقيقا.
ومن بين أسماء لوحات الفنانة التي تسترعى الانتباه والتي تشير بشكل دقيق إلى عالمها الإبداعي والدائرة التي تدور في فلكها والتي تمثل حدودا معلومة لمشروعها الإبداعي حتى الآن نختار لوحات"منظر من عمان"،"بائع في دكان قديم"،"زقاق بحريني"، "زاوية بحرينية2"،" خليجية"،"رسم سريع لمنزل تقليدي كويتي"، وبتأمل أسماء تلك اللوحات يمكننا الوقوف على مساحة كبيرة من عالم الفنانة الإبداعي.
إن لوحات الفنانة تحفل إضافة إلى تلك العمائر الجميلة بحميميتها ودلالاتها التعبيرية والتاريخية الكثيرة بمشاهد من السوق ومشاهد بحرية ومشاهد من البادية وكذا مشاهد للمرأة الكويتية في زيها التقليدي ومشاهد أنثوية وغيرها من المشاهد التي تؤكد فيه الفنانة على أصالة تكوينها الفني والإنساني وتعدد روافد الإبداع لديها بما يمنحها القدرة على إنجاز أعمال تتوازى مع جماليات الواقع المعاش وتتجاوزه –إن جاز التعبير- في أحيان ليست قليلة.

  • [جريدة الفنون- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - دولة الكويت]

     

    2007

جميع الحقوق محفوظة  للفنان والناقد التشكيلي حميد خزعل 2007