حوار ورأي متاحف عالمية كتاب في سطور فنون العمارة الفن وما حوله فنون عربية وعالمية التشكيل الكويتي
    العودة للأولى أجراس تشكيل الحياة ورقة من حياة فنان قراءات حرف

 

  حميد خزعل *


 
 
 
 
لا تحتاج لأن تُمعن النظر، وتحقق في ماهية هذه الكتل اللونية المتصارعة أمامك في محيط مساحات "أشكناني". للوهلة الأولى، وبكل بساطة تستطيع أن تكتشف خرائطه المعمارية الملونة بإنسانية سكانها التي أسكن مجاميعها البشرية في مدنه الملونة دون أن يخل بواقع الصورة اللونية التي خطط لها كأصل لفكرة "المدينة" الحية على لوح الرسم، ثم بعد ذلك ترجم حكايات هذه "المدن" وهؤلاء "الناس" بصياغتها البصرية النهائية التي نتلقاها كمشاهدين، وفي بعض الأحيان كجزء من هذه المدينة التي نقف أمامها نتأمل خريطتها ونتواصل مع حركة سكانها. تشدك حركة الكتلة داخل محيط اللوحة، ويأخذك فعل "الحركة" إلى عمق هذه التجربة اللونية التي تتمحور صياغتها الفلسفية حول فكرة الصراع الدائم بين المدينة وساكنيها. فالمدينة عند "أشكناني" كائن حي ينفعل ويتفاعل في حركة دؤبة لا تنتهي عند حدود مساحة اللوحة، بل تتعدى إطارها للتعامل بإيجابية بصرية مع المشاهد حتى يكاد أن يصبح هو ذاته جزء من حدث اللوحة، وتمتزج تفاصيله الشخصية بتفاصيل شخوص وناس العمل. تمتاز خرائط "أشكناني" اللونية بحسن التوافق بين الكتلة ومحيطها وسلاسة التعايش بين شخوصه ومكونات الصياغة المعمارية، وهذا ساعده على إيجاد نوع من التوافق العاطفي بين مكونات أفكاره وفلسفته الخاصة في رسم علاقة المدينة بساكنيها، وهي دائماً ضمن دائرة رؤيته العاطفية. الصياغة البصرية في أعماله ركزت على علاقة متوترة تفرز نوعاً من الصراع المتفجر، ينبجس بين الحين والآخر خلال مسيرة تطور المدينة كصيغة معمارية، ونموها البشري. ومن هنا استطاعت كتلة اللون وهي تحتل وتهيمن على خريطة المكان ـ مساحة اللوحة ـ اختصار عشرات المجلدات التي تسرد قصة العلاقة التي تربط الإنسان ومدينته. مساحات تنمو فيها الحركة بالتوازي مع حركة الزمن، وهذا ما يعطي أشكال وصياغات "أشكناني" حيويتها، ويخرجها من "عفوية" الصباغة اللونية إلى فضاء القيمة التعبيرية التي تخاطب فكر المشاهد قبل بصره. هنا يجب أن نقف قليلا ونحن نقرأ فلسفته في صياغة المساحة اللونية ونتمعن في مفهوم الصورة التعبيرية التي تأخذ من "حركة الشكل" أساسا ترتكز عليه سلوكيات مكونات اللوحة، وبالتالي يبرز فعل الحركة كمحور رئيسي يلعب دور البطولة ضمن الحدث، بل يذهب إلى أكثر من ذلك ليعزز دور الصياغة البصرية ويضفي على المشهد اللوني حيوية غير محدودة تعزز شكل التواصل بين مثلث "اللوحة، العين، العقل"؛ وهذه العناصر الثلاث في مكونات هذا المثلث تؤكد أهمية التواص ما بين المشاهد والمشهد اللوني التي يسعى إليها مُنجز الفنان.

"الحركة" من منظورها اللغوي في مساحات "محمود أشكناني" تعني هوامش النص اللوني، أو الصياغة البصرية لشكل الفكرة النهائي، متخذة دور المترجم في توضيح حالة التفاعل بين المدينة وسكانها، وهي تارة في أوج انفعالها، وأخر في أدني حالات هدوئها وسكونها. إنه مشهد يموج بصور تمتزج فيه حالات متباينة من القيم اللونية والفكرية بتوافق يخدم بإخلاص رؤية الفنان، وفلسفته في تحقيق تصوره لخلق مشهد لوني متفاعل يعطي للمشاهد فرصة التحدث لشخوص هذا المشهد والتعايش معهم، وأن يشارك الفنان في رسم خريطة المدينة الهندسية ولكن برؤية مخالفة لرؤية المهندس المعماري الصارمة في رسم خطوطها ومساحاتها وحدودها؛ إنها رؤية نموذجية في بساطة الطرح الفكري والفلسفي وسهولة الانجاز البصري للقوانين الهندسية في بناء الخريطة المعمارية للمدينة. "مُدن و ناس" تجربة فنية تجوب تخوم الحس الإنساني، وترسم بكثير من العاطفة "دليل" المدينة السياحي بشوارعها وحواريها وساحاتها وأبنيتها وأنشطتها اليومية، وتُعّرف بسكانها وحالهم.
9 5

2008

               

* فنان وناقد تشكيلي كويتي - دبلوماتيك لوموند - الطبعة العربية - مارس/2008

 
 
 

جمبع الحقوق الفنية والأدبية محفوظة للفنان والناقد التشكيلي حميد خزعل 2000-2008 ©

WWW.ALTSHKEELY.COM