07/09/2010 Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


 
 

   محمد النبهان

 
 
 
 
 
  • يعتمد الفنان التشكيلي عبد الوهاب العوضي في لوحاته، الأخيرة بصورة خاصة، على حركةٍ داخلية متصاعدة على سبيل الفكرة وترجمتها باللون. هذه الحركة الداخلية، هي المعادل للحالة الداخلية التي تبحث عميقا في الذات، إذ من الصعب فصل لوحة العوضي عنه شخصيا، أو عن حالة إنسانية عميقة تشي به على خامة لوحاته المزدحمة بتقاطعات لونية ووجوه تمثل بفرحها وحزنها وألمها مجموعة من التقاطعات الكثيرة في نفس بشرية واحدة. هذه الحركة الداخلية يلازمها إيقاع داخلي. فاللوحة عند الفنان التشكيلي الكويتي عبد الوهاب لا تنفصل عناصرها عن بعضها البعض؛ هو يعوض ما فاته من تقنية التأسيس الأول بدخوله إلى اللوحة بدهشةٍ أكبر، يفتح فيها مجالا لتأويلات ودلالات عميقة في النفس البشرية المتردّدة بين الفرح والحزن، بين المأساة والملهاة. فالوجوه التي يرصدها العوضي، وإن بدت فوضوية على سطح اللوحة، تربطها حركة إيقاعية، يترك لحسه البصري أن يرتّب حالاتها وفقاً لأسرارٍ شخصية وهموم إنسانية كبيرة. ثمة فلسفة وجدانية بين هذا الداخل الذي يعتمل عالمه الذاتي الخاص والخارج الذي يستمد منه طاقة التعبير. ففي أعماله الأخيرة يحتفي العوضي أكثر بالفراغ، إذ لم يعد بحاجة إلى ملء الفراغات بتكوينات لونية وكتل واضحة الخطوط، كما كان يفعل في السابق. كذلك هو ليترك مجالاً للتأمل، أو التفاؤل، يكون قابلاً لإزاحةٍ من نوعٍ آخر لم تعهده تجربته السابقة من جهة، ومن جهة أخرى لترك بعض البصمات اللونية غير المحدّدة على هذه الفراغات تحيل أكثر إلى التكوين الرئيسي، و تستمد منه عوالمه الداخلية، وتؤثّر فيه من الخارج. أيضاّ؛ في اعتماده مؤخرا على ألوانٍ هادئة، حالمة أكثر، يرى العوضي أنّها أكثر تأثيراً في توصيف الحال. ربما لأن الخارج ليس بهذه القتامة التي نراها داخلياً، أو ربما لإبراز الصورة الداخلية بشكلٍ يبعث على هذا النقيض الذي يتبادر إلى الذهن من الوهلة الأولى.


في المقابل، وعودة إلى النقطة الأولى، يحتفي العوضي بوجوهٍ أقلّ يكثف حالاتها؛ وتبدو في حركتها أكثر إيقاعية، سواء في خطّها الأفقي أو في صراعها المرير بين الفرح والحزن والألم والتوق والريبة والانتظار. وهو إذ يتخذ هذا الأسلوب بديلاً عن الصراع الملحمي، الذي يحتاج إلى كثيرٍ من التشريح والتعقيد، ينتصِر للخط البسيط المعبّر أكثر عن فلسفته ووجدانه، ويلمس بذلك الوجدان البشري الداخل دائما في تناقضاته المحيرة.

فهذه الوجوه التي يرسمها العوضي ليست إلا وجهٍ واحد، لكن بتعابير متعدّدة. تلك قناعةٌ تزداد كلما اقتربنا من أعمال العوضي، أو كلما اقتربنا من عبد الوهاب العوضي نفسه. في تكويناته اللونية الأخيرة، لم يبتعد العوضي عن انشغاله واشتغاله الطويل على الأسلوب ذاته. لكنّه ينوع عليه، وتراه خلّصها هذه المرة من الخطوط الحادة؛ ذلك أن النفس البشرية لا يمكن بحالٍ من الأحوال رسم خطوطها الداخلية بتلك الدقة؛ فيما احتفى بفراغ يحمل دلالة أبلغ يحيل إلى هذا الاحتفاء الداخلي للجسد.

هنا، وفي عدد من اللوحات التي تمثّل بصمة العوضي الخاصة، يكون الخارج صورة تفضح هذا الداخل المعقد، الجامح، رغم كل هدوء ألوانه. قد يحيلنا كلّ ذلك إلى شخصية العوضي نفسه، فهو؛ وعلى الرغم من هدوئه، تعتمل في نفسه أفكارٌ صاخبة: لوحاته تنتصر للإنسان، ولعوالمه الداخلية، في حين يبقى سؤال التقنية قائما في أعماله. هذا المزج بين توصيف الحالة كاريكاتيريا ًوتشكيلياً، والخط الفاصل بينهما، يبقى مجالا ًلتناول أعمال العوضي من زاويةٍ أسلوبية نقدية، حيث استطاع أن يتفرّد بأسلوبٍ مغاير ومبتكر منحه بصمة خاصة وامتيازاً فنياً.

 

 
       

دبلوماتيك لوموند (النسخة العربية)

 
Share |