01/21/2011 Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


 

 
 

  حميد خزعل *

 
 
 
 
 
 
  •  
  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • كنسمة هواء من نسمات شهر "مايو" تَتَحرك بتثاقل، وتجوس الطرقات التي تغطي خطوطها مساحات الأرض وترسم خريطة حركتها اليومية، وتتلوى مع مسارات "سكيك" [1] الكويت العتيقة، متنقلة بين "فريج" [2] وآخر.. تعد الأشجار، والنباتات ولهاث المتعبين من بسطاء الخلق، تُعلنهم والحزن يرتسم على محياها خبر رحيل الربيع وقدوم فصل الصيف.


نسمات شهر مايو كلما توغلت في أعماق اللحظة زادت الساعات والأيام درجة حرارتها وجففت أنفاسها، فيتصبّب عرقها الرطب وكأنما تملكتها ألحُمًّة وسكنت بين أضلاعها!.
عندما يستيقظ "حسين مسيب" فأوّل ما يفعله هو البحث عن لفحات "أغسطس" الحارة ليرافقها بحثاً عن أولئك المتعبين من الناس. البسطاء الذين لا همّ لهم سوى الاحتماء من حرارة شمس الصيف التي تمتطي ظهر الأرض لتعلن للناس بصهيلها الذي يملأ أجواء الدنيا بقدوم "قيظ" أغسطس الملتهب!


إن إحساسه المفرط ليس له من همّ سوى تلمّس هموم الآخرين وعذاباتهم. يحتضنهم إلى صدره بقوّة، حتى لتكاد أضلاعه تحتويهم بنهمٍ ورغبةٍ لا مثيل لها. فيذوبون "فيه". ويحتويهم بصره، فترتسم في مآقيه أحلامهم الصغيرة، ويرسمهم في مشهده اليومي. فتبدو مساحاته كشريطٍ يسجّل همومهم، وألوانه تبدو وكأنّها ابتلت بدموع عذاباتهم اليومية.
تشعر كلما نظرت لأحد هذه الأعمال بسطوة الزمن وقسوته، وتشمّ رائحة العرق، وينتابك خوفٌ من نوع "آخر".. خوف العوز والعازة وتقلّب الأيام.
من أعماق هذه المساحات المتألّقة بالعذابات اليومية لبسطاء "حسين مسيب" تسمع صهيل القيظ وتشمّ رائحة التعب!


يسعى منذ بزوغ أوّل تباشير الفجر.. يجوب الأماكن ويسجّل اللحظات التي تفوح منها رائحة البشر. يجالس صائد سمك على الساحل يحاور البحر ويستلطفه، علّه يحصل منه على قوت يومه، أو يواكب بائع "القماش" وهو يذرع "السكيك" ينادي على بضاعته من الأقمشة التي تجثم على ظهره بصرّتها التي تشبه كرةً هائلة حبلى بالمعاناة! أو يأخذ قسطاً من الراحة بجانب عاملٍ تَكوّر تحت ظلّ شجرة مهجورة، وراح في غفوةٍ يسرقها من زمن معاناته اليومية!


مساحاته اللونية لها طعمٌ بصريّ خاصّ لا مثيل له، تحسّ فيه مذاق تؤلفه رقّة عاطفته التي تريد أن تحتوي كلّ عذابات العالم! وحسٌّ بصريّ لا يحتوي سوى أنفاس المتعبين التي تغطّي في حدّة صوتها على صهيل القيظ! إن مشهده اللوني حالة خاصّة يموج بنبل المشاعر.

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • لوموند دبلوماتيك (النسخة العربية). القبس

  • [1] طرقات
    [2] حي

 

 
 

* فنان وناقد تشكيلي كويتي

   
   
Share |
 
 

 هذا الإعلان لدعم مشروع مجلة التشكيلي