•  

  •  

  •  

  • إحتار النقاد في معرفة تلك الحلول الجمالية التي ركن إليها الفنان العالميّ فرناندو بوتيرو, فهي حلولٌ تقترب من الكاريكاتير أحياناً, ومابعد الواقعية الجديدة أحياناً أخرى, هذه السيدة الضخمة التي تجلس على كرسيّ هزاز, أو هذا الرجل الذي يركض على حصان أحمر, أو يطير من فوق حلبة السيرك رغم ضخامة جسده, وهذه المدن بألوانها الزاهية, والشوارع بما تحتضن, وأطباق الفاكهة التي تعبّر عن رؤية جديدة للطبيعة الصامتة, وحيرة النقاد هنا تواجهها إجابة بسيطة, ومحددة, بأنّ هذه هي رؤية بوتيرو الرائع للحياة من خلال وجهة نظر خاصّة في تحليل البشر, وكأنه عالمٌ سورياليّ جديدٌ بنكهة خفيفة الظلّ, تجمع بين أشكال إستدل عليها فناني أمريكا اللاتينية من قبل , وكذلك وقع فى غرام هذه الاشكال فرنان ليجيه, وغيرهم, ولكن بوتيرو طوّعها بمزاجية خاصة وجماليات عالية المزاج, وإدراك حسيّ عالي بقيمة التكبير, وكأنها عناصر وقعت تحت المجهر المزاحيّ الساخر من الحياة عند الفنان.

 في عام 1997 أقيم لبوتيرو واحداً من أهمّ المعارض على قارعة شارع الشانزليزيه, وعلى حدود قصر الإليزيه الذي يسكنه الرئيس الفرنسي, أكبر معرض نحت ضمّ أعمال هذا المبدع, والتي تعايش معها الجمهور بفرح شديد, وعانقها بوجدانه, لما تحمل من لمسة فرح, وإسترخاء فأعماله تجلب السعادة, ولكن تبالغ فيها, تقدم البدانة لكن برشاقة ولياقة ذهينه عالية , وتلك هي المعادلة عند بوتيرو الفنان الكولومبيّ الذى انطلق من أمريكا اللاتينية نحو عالم التشكيل منذ طفولته وهو في الثانية عشرة, حين رسم لوحة كبرى للموناليزا, وكانت الشرارة الأولى بدخول عالم الشهرة, حيث عرف طريقه, وبدأ يحدد ملامح عناصره من نساء, وأشجار, ومدن, ورجال, وحيوانات هذه اللوحة الجو كندة اشترتها السيدة دوروثي المشرفة على متحف الفن الحديث في نيويورك1961.

فى هدذه الفترة كانت تأثيرات الفنانين الكبار, وتحديدا التعبيريين المعروفين ظهرت عليه أمثال وليم دي كونينج, وكلاين, ومنذ كان عمره أربعة عشر عاماً أنطلق في شهرة مدوية لم تتوقف حتى اليوم, فمن لا يعرف بوتيرو و نسائة التي سبقته شهرةً, وهذه البدانة الغير مفرطة, والمخلوطة بعالم لونيّ سحريّ صريح اذا سكنت اللوحة او حلقت فى فضاء النحت والخادمة السيدة النائمة وأحصنة الفنان فقد لا يعرف البعض مثلاًً أصل بلد هذا الفنان المبدع, والتي يلغي الاستمتاع بأعماله حاسة البحث, والسؤال عن أصله, وفصله ولن ننسى بأنّ إعادة صياغة الموناليزا في ثوب جديد قد فتحت باب الشهرة لعديد من فناني الحداثة, مثل بسيكا وأعادها دالي كذلك , فلم يكن بوتيرو هو الوحيد صاحب فكرة إعادة >الموناليزا< بهذه المزاجية الخاصّة لكنه صنع منها مفردات عالمة الجديدة الذى نجح وحلق فى سماء الابداع بعضها مفرداتبوتيرو: الفخامة, والتضخيم أشكاله تسيطر على العمل بوقار, وتفرض نفسها على المسطح كعناصر أساسية, ثم يهتم هذا المبدع بالعناصر الثانوية إهتماماً واضحا,ً حتى لا يظن المتلقي أن هناك سهولة ما حين يبدع رسم الحوائط, وما عليها من أشكال ولوحات, أو حتى تلك السلة التي تحملها الخادمة, أو الكرسي, وإلى غير ذلك من عناصر غير أساسية, لكنها واضحة بارزة, لأنها لا تقلّ إبداعاً عما تجاور.

أما تألق بوتيرو يأتي في تلك اللوحات التي تمثل العائلة, حيث تكثر العناصر الأساسية, ويبدو هو ملوناً يحمل صبغة التميز, حيث يجاور الأحمر والأخضر, ويبرز الأسود كنقيض لكل الألوان, وخاصة الأبيض, ويبدو بوتيروعارفاً بكل أبعاد, وزوايا رؤيته للعمل, ومخططاً له قبل وضع اللبنات الأولى, فبوتيرو يعشق لعبة الألوان, ويعشق وضع الأحمر الساخن القويّ بجوار الأسود والأخضر في تناسق يُذكرنا بتلك العوالم السحرية كما في لوحته فرقة موسيقية والمغنية ألوانٌ تحمل البهجة, وملامح تحمل البساطة, لا السذاجة, عزفٌ لونيٌّ يُواجه العزف الموسيقيّ, والمغنية بجسدها المضحك تبدو كعروسة من الألعاب البلاستيكية, مما دفع الفرقة لإلقاء النوتة على الأرض, وعازف ألة الكمان يضع قدمه فوقها, إنه تعبير مصحوب بمسحة كوميدية, وبناء ساحر جديد, وتمرد على الأشياء, وأماكنها الطبيعية حلقة 2 وهنا تلاحقنا الأسئلة: هل أشكال بوتيرو التي ركن إليها ساذجة, أم بسيطة؟, بدينة مضحكة, أم رشيقة؟, هل أراد أن يقدم مجرد أشكال تحمل البدانة, أم رؤية نقدية لمجتمع يسخر دائماً من العسكر فيه. ففي لوحة أخرى, تجد الأب, والأم, والحديقة البديعة, ولكن الأب يصحب طفلاً بزيّ عسكريّ يحمل سيفاً وكأنها رؤية كاريكاتورية, كذلك هذا العسكري مع كلبه بندقية خشبية مضحكة, هل أراد إذلال هذه النماذج بجعلها مسخرة هزلية؟

عن كلّ هذه الأسئلة, كانت هناك معركة نقدية حول أعمال الفنان من النقاد العالميين, حيث يرى بعضهم بأنّ الفخامة, والتضخيم, والتميز, والعلاقات اللونية ذات البريق السحريّ, ماهي إلاّ رياء سياسيّ غير مفهوم من فنان سعيد يتجاهل مايحدث من فقر, وأمية, وأمراض, ومآس يومية, في بلد ذلك الفنان الكولومبي, أو في أمريكا اللاتينية عامةً, وأن تلك الزخارف, والبهرجة اللونية غير مطلوبة, والبعض الآخر يرى أن هذا معاكس للحقيقة, لأن العمل الفني ليس إنعكاساً مباشراً للأشياء, بل هناك رؤية الفنان التي تنصبّ على أشكاله, وأن في تلك البدانة دراما في حاجة إلى متلق ذو وعي,ّ ويحدق في تفاصيل العمل, وليس مجرد متلق يمرّ على السطح فقط , وأن هناك حواراً مستمراً بين العناصر لطرح الأسئلة, وليس مجرد صورة جميلة ذات بناء, وتكوين كاريكاتوريّ يدخل السعادة فقط, ثم إنها أشكال أبدعها بوتيرو لتوصل لنا أهدافه, وليس مجرد موديلاً جالساً يضحك أمام المصور, كما أن هناك رؤية قد تبدو سوريالية, وترتكز على تراث للمدرسة اللاتينية, وتحديداً عند فناني المكسيك, مثل ريفييرا, وفريده كالوه ويقول هو بنفسه: (كرسام, لا أجد نفسي مهتماُ بالحالة الإنسانية للأشخاص في أعمالي, إنها كائنات تشكيلية, مثلها مثل أيّ عنصر آخر في اللوحة, إن شخوصي لاتملك أبعاداً بشرية, فأنا لديّ إيمان بالنموذج الأصلي, أما الفنيّ, فهو نموذج يعجّ بالرغبات, والثقافات. فمثلاً في الفنّ الإغريقي كلّ الأشكال تشبه بعضها بدرجة غريبة قد تجعل المتلقي يظن أنها من عائلة واحدة, نفس الأنف, والعيون, وخلافه, هنا كان البحث عن المثالية, وهذا متناقض مع بحثي انا بيرو *) هنا يدافع ناقدٌ ألمانيٌّ آخر هو فرنر سيايس عن بوتيرو , فيقول: (لماذا تبهرنا نحافة أجساد جياكوموتي, ونتساءل عن ضخامة أجساد بوتيرو إن هذا مضادّ لذاك وهذا هو الإبداع الحقيقيّ).

 لكن بوتيرو لم تعجبه المقارنة قائلاً: (أنا أرسم فقط , وأرسم بطريقة تصب في النهاية في وعاء المحلية الكولومبية, أنا أكثر فناني كولومبيا وطنيةً وتمسكاً بالتراث ولكني فعلاً أسعى إلى الكمال التشكيلي من خلال مفردات وعناصر لم أقصد لها البدانة أو حتى النحافة كما فعل العزيز جياكوموتي فنحن على إختلاف تامّ . وأنا لست رساماً كاريكاتورياً أيضاً, أنا من الذين يستخدمون الظلّ والتحوير كعناصر جمالية) وهنا تبرز على الفور لوحة الفنان التي رسمها في عام 1971 في استعارة واضحة من الفنان الإسباني جويا وهي لوحة العسكرية, وأجلس بوتيرو القائد على حصان, وألبس الطفل على صدر أمه بدلة العسكري, وجعل رجل الدين خلفية, لكنه أعاد لنا نكهة السؤال حول القطار اللعبة في أرضية العمل, والقط أسفل الحصان, وكأن العسكر لا يحترمون شيئا, ثم بعد ذلك نسأل: لماذا لم يرسم بوتيرو معاناة بلاده لوحات مميزة, وكثيرة, وبسيطة, وبديعة حياةٌ خاصّة عامرة بالأحداث حياة بوتيرو هي الأخرى أكثر تشويقا, حيث فُصل من الصف الثاني الإعدادي حين كتب مقالاً وجدت إدارة المدرسة بأنه يسخر فيه من الصلاحيات, ويعتبر تهديداً, وتحريضاً على كلّ ماهو قائم, ويطالب بالهدم, وتشويه, واعتراض السائد, حين نطّلع على سطور هذا المقال المبكر, نجد تفسيراً حقيقياً حول عالم هذا المبدع, وحول الرؤية المبكرة له, إنه يريد الهدم, واعتراض السائد من أجل إعادة صياغة العالم حسب مزاجه الإبداعي, وحتى يفتح أفقاً للقادم.

 ثم هرب بوتيرو إلى العاصمة, وأقام أول معرض, حين بلغ عمره تسعة عشر عاما,ً وحقق له مبلغاً مادياً مميزاً, ونجاحاً كبيراً, ثم حضر إلى فرنسا ليدرس في متحف اللوفر كلّ أعماله الكلاسيكية الكبيرة, وكان يقضي فيه وقتاً طويلاً يراجع فيه أعمال عصر النهضة الإيطالي, والفنون الأخرى, ثم ذهب إلى إيطاليا فلورنسا ثم عاد إلى كولومبيا ليجد بأن النقد الكولومبي قد أبتعد عنه فصُدم وسافر إلى أمريكا بعد حالة الركود النقدي التي عانى منها, وهو في السادسة والعشرين رُشح إلى درجة الأستاذية في الفن في أمريكا, فكانت نقطة تحول كبرى له ولإنتاجه التحول من الرسوم إلى المُجسّم ولكن, لم يمهل القدر بوتيرو, هكذا حين خطف الموت ابنه الوحيد عام 1970, ومنذ ذلك الحين, تخلى الفنان عن الرسم, وتفرّغ للنحت بين باريس, وأمريكا, وإيطاليا, وكان معرضه في باريس عام 1997 أنجح هذه التظاهرات النحتية في حياته, وبل في باريس, المدرسة الكبرى للفنّ وتحولت أعمال, ونساء, ورجال بوتيرو من اللون إلى المُجسّم, وأصبحت الحدائق المحيطة بها هي الخلفية المباشرة, وألغيّ بالتالي بحثه المستمر عن ظلال مرسومه, حيث أوجدتها الطبيعة, وكما كان هو مدرسة جديدة في الرسم, أصبح كذلك في النحت, بل أخذت مدرسة النحت شهرةً أكبر, واتسعت لها بقاع الأرض, فإذا كانت باريس احتفلت بمنحوتاته, فإن أمريكا حصلت على النصيب الأكبر من أعمال هذا الفنان المُجدّد.


سجن ابوعريب

ومع ذلك وبكل شجاعه وجسارة بترو العملاق ينتقد ويسخر من الحرية الامريكية فى سجن ابوغريب فى اجمل واخطر لوحات رحلة نهاية العمر يسخر من ظلم الامركان يقف مدافع صلب عن الحاريات فحين ان معطم الرسامين العرب يخافون فتح هذا الملف الذى فتحة بترو فى وجة العدالة الانسانية هذه هى انسانيه وعالميه المبدع

  •  

  •  

  • فرناندو بوتيرو.. وخلق جماليّات مُعاكسة للحداثة
    عبد الرازق عكاشة ـ باريس
    فنان وناقد عضو مجلس ادارة صالون الخريف الفرنسى

نصوص أخرى حول "بوتيرو":

 

 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط