•  

  •  

  • فرضت بريطانيا حظراً مؤقتاً على تصدير لوحة الرسام الإسباني بابلو بيكاسو {طفل وحمامة} بعدما قرر مالكوها عرضها للبيع في مزاد علني، وتقدر قيمتها بنحو 80 مليون دولار. قال وزير الثقافة البريطاني إيد فايزي إنه منع تصدير اللوحة إلى خارج بريطانيا حتى 16 ديسمبر وإنه إذا قدم مشتر أو مؤسسة خاصة من خارج بريطانيا عرضاً «جاداً» للشراء بالسعر المطلوب فإن المنع سيستمر حتى 16 يونيو 2013 . واعتمد قرار فايزي على توصيات من لجنة مراجعة تصدير الأعمال الفنية التي يديرها مجلس إنكلترا للفنون، بينما ذكرت وزارة الثقافة في بيان: «سيوفر هذا الحظر فرصة أخيرة لجمع المال لإبقاء اللوحة في المملكة المتحدة».


رسم بابلو بيكاسو لوحة «طفل وحمامة» في عام 1901، عندما كان في التاسعة عشرة من عمره، واستعملت هذه اللوحة كغلاف على الكتب والدفاتر وفناجين الشاي والأدوات المنزلية، حتى إن الجمعيات النسائية استعملتها في حملاتها. ففي رسالة كتبت عام 1949 من اللجنة النسائية المنظمة لليوم العالمي لأجل السلام، التي كانت في عضويتها الكاتبة الفرنسية اللامعة سيمون دو بوفوار، طلبت النساء الإذن باستخدام لوحة «طفل وحمامة» في بطاقات أعياد الميلاد، لجمع التمويل اللازم لأنشطتها.
وكان الحمام الموضوع المفضل لدى بيكاسو منذ سنواته الأولى، فقد كان والده حريصاً على اقتناء الحمام وإطلاقه في كل غرف المنزل، بالتالي كان يرسمه باستمرار في تخطيطاته ولوحاته. ومن الأب تعلّم الابن عشق هذا الطائر الرمزي، وكان هو أيضاً يطلقه في مرسمه بعد ذلك بخمسين عاماً. قال بيكاسو: «المدهش في الحمام أنه حين ينظر إليك، فهو من يشعر بالأمان، مع أن المفترض أن نكون نحن من يشعر بالأمان».
كثيراً ما استخدم بيكاسو الحمام كتعبير مباشر في لوحاته الطبيعية الصامتة أو على سبيل الرمز للحب والحرية. بل إنه حين رُزق من زوجته فرنسوا جيلو بمولودة أطلق عليها اسم «بالوما»، أي الحمامة في اللغة الأسبانية. لكن حمامة بيكاسو الشهيرة كانت تلك التي تحولت ملصقاً لمؤتمر مؤيدي السلام في باريس، من جانب الشاعر الفرنسي لوي أراغون.

هدية ماتيس
تختلف حمامة بيكاسو الشهيرة كثيراً عن نموذج الحمامة الذي عرفه كل العالم في ما بعد، وكانت لوحة تصوِّر حمامة جاثمة على الأرض (غير طائرة)، ومن دون سعفة زيتون في منقارها، ويغطي الريش ساقيها! وكانت تلك الحمامة، هدية من الفنان الفرنسي هنري ماتيس. قالت زوجة بيكاسو عن تلك اللوحة: «كانت توجد في أقفاص ماتيس طيور غريبة وكثيرة، بينها أربع حمامات كبيرة من ميلانو. كانت تلك تختلف عن معظم الحمامات بريشها الكثيف على الساقين، وتبدو كأنها تلبس حذاء رياضياً أبيض اللون!».
ذكر ماتيس لبيكاسو مرة: «يجب منحك هذه الطيور، لأنها تذكرنا بالحمامات التي سبق ورسمتها أنت». تابعت الزوجة: «أخذنا الحمامات إلى مدينة فاللوريس. إحدى تلك الحمامات قيض لها أن تنال نجاحاً فنياً وسياسياً رائعاً. في بداية عام 1949 رسمها بيكاسو وجعلها نموذجاً لطباعة حجرية مسطحة وحقق نجاحاً فنياً مميزاً. بعد شهر تقريباً، جاءه إلى مرسمه لويس أراغون لاستلام تصميم وعده به بيكاسو، يروج لمؤتمر مناصري السلام العالمي الذي نظمه الحزب الشيوعي الفرنسي. شاهد أراغون تلك الحمامة وهو يتأمل مجموعة كبيرة من الرسومات فأعجبته، وفكر في جعلها شعاراً للمؤتمر. وافق بيكاسو، وعلق قائلاً: «مسكين أراغون، إنه لا يعرف الحمام إطلاقاً! رقة الحمام: يا له من هراء! الحمام عنيف جداً. كان لدي سرب من الحمام، عذَّب حمامة حتى أدى بالمسكينة إلى الوفاة لمجرد أنها لم تعجبه! كان ينقر عينيها ومن ثم قطعها إلى أجزاء. يا له من مشهد رهيب!! يا له من رمز للسلام!!».
عُلق أراغون الملصق وعليه رسم حمامة بيكاسو على معظم جدران باريس. ولم يكن بيكاسو ذاته يدري، أي قوة لحمامته، إلا عندما شاهد صورتها كبيرة معلقة في الصالة حيث أُقيم المؤتمر.
وباتت حماسة السلام البيكاسوية معروفة في العالم أجمع وتستعمل في الحركات السياسية، ففي مدينة أريحا الفلسطينية رسم أطفال فلسطينيون بأجسادهم حمامة كتب إلى جانبها «حب وLOVE ALL»، في خطوة رمزية تهدف إلى نقل رسالة إلى دول العالم تطالب «بإحياء السلام» وتتماشى مع ما يسمى «الربيع العربي». وعلى مدار ثلاث ساعات شارك نحو 1000 طفل فلسطيني من مدارس تابعة لوكالة «غوث» وتشغيل اللاجئين «أونروا» في تجسيد صورة الحمامة التي استوحوها من إحدى لوحات بيكاسو.
واذا كانت حمامة بيكاسو قد تحولت رمزاً للسلام في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فلوحته التي منعت بريطانيا تصديرها تشير إلى أن العالم بات في مرحلة الصراع على الرموز الثقافية، فثمة تهافت مريب وغريب في اقتناء اللوحات بأثمان باهظة. على أن امتلاك لوحات لفنانين كبار من وجهة نظر بعض البلدان هو مثل الصراع على امتلاك أعلى برج في العالم أو مثل السباق على غزو الفضاء.

  •  

  •  

  • بريطانيا توقف طفل وحمامة لبيكاسو… والصراع على الرموز الثقافية
    بيروت – محمد الحجيري
    الجريدة

 
 
أجراس
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط