02/17/2013 Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


 
 
 

  إيناس بن الحاج سليمان - تونس

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • ادقار مونش " ولد سنة 1863 بالنورفيج و قد رسم لوحته "الصرخة " سنة 1940 مستعملا مشاعر و انفعالات و حالات معرفية جمالية مثل الشعور بالاكتشاف، التأمل و التعبير التشكيلي و الدهشة و الإحساس بالغموض الذي الزم علينا عملية الاستطلاع على هذا العمل . إذ يعتبر مادة تشكيلية تتراوح فيه جملة الخصائص اللونية في علاقة الفكر بالصياغة التطبيقية بما أنها إشكالية في حد ذاتها .
    تطرح لوحة" مونش" سؤالا جوهريا حتى نتمكن من اكتشاف خباياها . فكيف يمكن الخروج بالصرخة من مستوى الطرح الطبيعي على مستوى القراءة التشكيلية؟
    يمنح الفضاء التشكيلي للمخيلة و إمكانية الاختراق الفعل الإبداعي، فالحرية شرط أساسي لإبداع، بدون عقد و مكبلات ، فالنقطة و الخط و اللمسة ، اللطخة و العجينة اللونية في بناها و تألفها تحتوي على معان كامنة في عمقها لإبراز دلالة غير ظاهرة في صورة تشكيلية ظاهرة.


صرخة "مونش" تكسف عن عالم غريب مفجع، عالم مليء ليس بصرخة واحدة بل بصراخ الألم و العذاب الذي عاش معه الفنان التشكيلي منذ الصغر فقد فقد والدته منذ نعومة الاضفار ثم أخته التي كان عمرها أربعة عشرة سنة . و قد قام برسمها خلال لوحة بعنوان " الطفلة المريضة". و من خلال هذه المعطيات يبرز لنا عمق المعطى الباطني المؤثر في نفسية الفنان . فقد أراد "مونش" أن يخرج الصرخة من الظلمة و العتمة و تجسيدها تشكيليا، فبرزت اللوحة بثراءها ألمفهومي و التقني التشكيلي تعبيرا على ما هو حر و حسي مرئي و ما هو مؤثر و غني من الناحية البصرية.
بحثنا هنا يتأسس على دراسة تشكيلية للصرخة باعتماد الظاهر للوصول الى الباطن، كل حركة صوتية للصراخ تعطينا إحساس بأنها لون معين .
وأن هذه المعطيات تقد لنا مزيجا من الألوان نعتبرها في حقيقية الأمر قراءة باطنية قوامها الارتكاز على العمق الحسي.
فكيف أمكن "لمونش" أن يجسد ما هو حسي إلى تعبير تشكيلي.
لقد قادنا الحديث عن اللوحة و مضامينها إلى اكتشاف السياق الإبداعي و انشائيته فمن طريقة تموجات المادة اللونية تتكون الفكرة و تتجمع و تنمو المعرفة . فالسياق الإبداعي هو إذا المجال الزمني الذي تتفاعل فيه بطريقة جدلية الفعل التشكيلي و التفكير النظري و التطبيقي فالصرخة هنا و في هذا المجال ارتكزت على جدلية الذات ،المادة ،الفضاء و اللون.هذه الجدلية كونت في الفضاء حوارا تشكيليا مطلقا و حرا.
نقف أمام العمل فيتبعنا خيال يتناهى مع كل خط من خطوطها لتنقلنا هذه التموجات و الانحناءات إلى تدخل العين إلى عالم من كل مراكز الرؤية العقلية لفائدة مراكز الرؤية الحسية فتدعونا حركة الفم الدائرية إلى البحث في عالم من الأفكار الذي يشعرنا بخوف الفنان من كل مجهول فيدخلنا إلى عالم الإثارة التامة لتهبنا رغبة في مزيد الاكتشاف و الغوص في العمل و البحث فيقودنا إلى معرفة عالم جديد.
لم يكن حسب رأي تشكيل اللوحة اعتباطي بقدر ما كان مغمور بجملة من التصورات بالإضافة إلى رؤية جديدة للعمل " فالصرخة" في تماثلها مع الأشكال تخلق عنصرا من التالف، فعبر الصورة يتسنى لنا رؤية الصوت في علاقة متناغمة ينسجها التعبير التشكيلي مع طبيعة الصوت و حركاته، تصف اللوحة بطريقة غير مباشرة رؤية الصورة الصوت في تبايناتها وارتفاعاتها،وانخفاضها و حضورها و غيابها.فعبر هذه المسافات الممتدة في افق اللوحة بخطوط سميكة و عريضة بلمسة عنيفة تتحدد طبيعة الأشكال ليمتزج الصوت بالصورة ليبعث حركة قوامها الإيقاع المتناغم بين عناصر اللوحة باعتبارها صوت بتركيبته و ديناميكيته و إيقاعه تعتبر مكونات أساسية تقطع في تالف مع الإشكال المرسومة في العمل الفني.هنا يلتقي الكل ألتالفي في الإشكال المرسومة و الألوان الموظفة ليكتمل النظر في العمل التشكيلي على نحو مقنع و مشبع ليصل بذلك العمل إلى ذروة التمتع و قمة التعبير في تمازج بين الصوت و الصورة و الشكل و المضمون، الدال و المدلول لإنشاء صورة و قراءة جديدة تتفاعل و تتشكل بتشكل العين و الأذن و تحويل الشكل السماعي إلى شكل بصري يجمع بينهما لإزاحة المسافة هكذا تكون عودة إلى المتلقي بصريا و تشكيليا الى فسح المجال نحو التخيل و استقبال صوت الصرخة عن طريق الرؤية، بمعنى أخر أن الصرخة ستعرض حواسنا إلى إمكانية التفاعل مع الشكل و القدرة على إطلاق الخيال ثم الانفعال البصري و هكذا يكتمل عنصر الاستقبال الفني في مجال الاستمتاع الجمالي ، فنجد تجربة الفنان النورفيجي"مونش" في تجسيده في مضمون اللوحة فجعلت من عمله الفني يكتسب شهرة واسعة في فترة التعبيرية في ذلك الوقت فقد تميزت خطوطه الأفقي و العمودية الموجودة الموجودة في الخلفية لتذكيرنا بتقنية "فان كوخ" في الرسم، كما احتوت في مضمونها على شكل وجه أو طيف غير محدد الملامح فقد اعوجت ملامحه جراء الصراخ أو الفزع و لعل خوفه من الموت و الحزن و العزلة و الصراعات النفسية الداخلية هي الدافع الأساسي الذي جعله يقوم بهذا العمل الذي اتسم بحرفية كبيرة في إبراز التقنية و إيصال المشهد الدرامي الحزين المخيم على الصورة، العمق المحدث بواسطة الخطوط الممتدة عموديا هي انعكاس لعمق ما يحسه داخليا من اضطرابات نفسية حادة، أما على مستوى اللون فقد اشتملت اللوحة على إشباع لوني متباين و ثري. فقد ركز الفنان " مونش" على استعمال تقنية التضاد اللوني للون الأحمر و ما يعنيه من دلالات عميقة و اللون الأخضر و كذلك اللون الأصفر و الأزرق مع التأكيد على وجود التدرجات اللونية التي يزداد حجمها و كلما أمعنا النظر فيها كلما أحالتنا إلى جمة من الأحاسيس التي حملها الفنان للطيف الذي بدت عليه علامات الخوف ، الدهشة و الرعب، مبرزة أن كل ما في داخله يهتز و يتزعزع من جراء ما يدور حوله، فالصرخة كانت هي الميزة الأساسية التي خيمت على الجو العام للوحة سواء من خلال الاعوجاج الذي بدا واضحا في الوجه الأمامي أو من خلال صفة العمق الذي أكده الطيفان اللذان يقفان على الممر الذي يمتد نحو خط الأفق.
فالفن و كما عرفناه، منذ التاريخ هو في ارتباط وثيق بذاتية الفنان فكل عمل فني له غاياته و موضوعاته و قواعده، هو عبارة عن نافذة نطل بها على الواقع بكل مستوياته فبرزت لنا صرخة "مونش" باطنية مجسدة ظاهريا في لوحة يهتز بها صدى الصوت المرسوم.

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • التشكيلي

 

 
     
 
Share |
 
 

هذا الإعلان لدعم مشروع مجلة التشكيلي