Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


 
 

  إيمان دوزي بـنالحاج أحمد *

 
 
 

قصر أستورغا Astorga، بداية العمل كانت في جوان 1889 و لم ينتهي إلا في حدود الـ60

أنطوني غاودي، بيت فيشنس « La Casa Vicens »، 1883

انطوني غاودي، كازا ميلا- Maison Milà ، 1905-1910

أنطوني غاودي، ساغرادا فاميليا- Sagrada Familia ،1884-1926

بعض الأمثلة لطريقة "الترانكديس" في "منتزه غويل" » « Parc Güel

PALAIS GÜELL

Jardin des tarots : L'impératrice, 1993-1979

منتوجات بطريقة "الترانكديس"

 
 
 
  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • كانت بواكير التّفكير المعماري لدى البشر تنحصر في التّقليد، و خصوصا من إيحاءات البيئة المحيطة أو العناصر البيئيّة و لاسيما العضويّة منها. ليحاكي الهيكل البنائي الهيكل العظمي أو يحاكي مساكن و أعشاش الحيوانات. حتّى أنّ أرسطو يرجع أسباب نشوء الفن إلى وجود النّزعة الفطريّة لدى الإنسان بالمحاكاة.
    بالإضافة إلى النوازع الفطرية لدى الإنسان في محاكاة الطبيعة، فإن الثورة الصناعية أفرزت شعورا لديه بالخطر الداهم الذي تمخض عن غلواءها ، مما أرجعه إلى الطبيعة، يستوحي من وازع المحافظة عليها فكرا عاما انتقل إلى الفلسفة و تعداه إلى التطبيق الرومانسي ليتداخل تباعا مع منظومة العمارة و الفنون.
    وهو ما أضحى أرضية خصبة أنعشت خيال المعماري فأطلق عنانه ليخلق فضاءات معمارية عضوية في تمثلات مختلفة.
    فماهو مفهوم العمارة العضوية في أبعادها اللغوية و الفلسفية و الجمالية؟


-1- مفهوم العمارة العضوية
إن البحث في الاشتقاقات اللغوية لكلمة " عُضْوِيّ " تفيد بأنها:" اسم منسوب إلى عُضْو أي ما يكون جزءا لا يتجزَّأ" اما ما جاء في التعريف الفلسفي لــ"جميل صليبا" فهي كالآتي: " العضوي هو المنسوب إلى العضو، و يطلق على كلّ شيء مركّب من أجزاء ذات وظائف متميّزة و متناسقة، تقول الكلّ العضوي، أي الكلّ المنظّم أو المعظّى، و العضوي مقابل للميكانيكي (...) و يطلق على كلّ نموّ ناشئ عن تأثير قوّة مركزيّة داخليّة تعمل لغاية معيّنة(...) و يطلق العضوي على كلّ مبدأ ينظّم كلّا مؤلّفا من عدّة أجزاء متباينة، و هو مقابل للعقلي"
هذا من الجوانب اللغوية و الفلسفية، و لكن أيضا للحديث عن العمارة العضويّة لا بدّ أن نتتبّع بوادر نشأة النظريّة العضويّة، بحيث وضع أسسها في القرن التّاسع عشر المعماري الأمريكي "لويس سوليفان" حيث يقول" يجب أن تكون الطّبيعة الحيّة منبع الإلهام للمعماريين... يجب أن نحب الطّبيعة و نتعلّم منها" ليأتي " فرانك لويد رايت" الذي قام بتطوير الفكر المعماري العضوي و ابتكار أساليب جديدة في الإنشاء. جعتله يعتبر الأب الشرعي للعمارة الحديثة في الولايات المتحدة. إنّه صاحب نظرية العمارة العضوية التي تنبت كالشجرة متعانقة مع الطبيعة لتشكل معها لوحة فنية ساحرة. و منذ ذلك الحين أصبحت العمارة و الطبيعة في أسلوب "رايت" يتعانقان لتشكلان بعناصرهما وبمفرداتهما و ظلالهما الوحدة الجمالية المتكاملة.
لقد وضع " رايت" مبادئ عامة عن تصور كيفية تطبيق الفكر المعماري الذي وصل إليه من امتزاج و ذوبان في الطبيعة في كتابه "العمارة العضوية" « An Organic Architecture » و الذي قدّمه في سنة 1939. و قد أورد في كتابه ما يلي: " لا أحمل محددات تقليدية في سبيل التقليد الأعظم. و لا أبحث عن شكل جامد مفروض علينا من ماضينا أو حاضرنا أو مستقبلنا، و لكني هنا أحدد الشكل عن طريق قوانين الحس العام البسيطة، أو فلتسميها الحس الأعلى إذا أردت، عن طريق طبيعة الخامات"
و قد تحدّث الدّكتور "خالد السّلطاني" عن العمارة العضوية قائلا بأنها بحث عن " مزيدا من وشائج ربط المبنى مع الطبيعة، ذلك الربط الذى يرتقي به المعمار ليضحى احد أهم المبادئ الأساسية في نشاطه المهني."
إذا لقد ارتبط مفهوم العضوي « Organique » دائما بالطبيعة و الكائنات الحية أو بكل ما ينبض بالحياة. فنجدها ترد في مجال العمارة كأسلوب و كمدرسة فكرية آثرت أن تكون متناغمة مع البيئة و الطبيعة، بدون أن تعنّفها أو تقتطع منها شيئا، بل على العكس تتجانس مع عناصرها و تكمل انسجامها و توازنها. فيقول "رايت" "يجب أن نستعمل كلمة طبيعة بالإحساس الطّبيعي الرّومانطيقي المتكامل، حتّى نجيد الاستعمال الحقيقي و الرّوحي لكلمة عضويّة".
إنّ كلمة "عضوي" بالنّسبة إلى "لويس سوليفان" تعني "الحياة و التطوّر" وهو رأي مرادفا لما يراه "فرانك لويد رايت".
فمبدأ العضوية في العمارة هي فلسفة تبحث عن التوافق و الانسجام بين الطّبيعة و العمارة. و تهدف إلى عدم تدمير البيئة التي تدخلها و إنّما تكملتها، لتصبح في النهاية كجزء موجود بالفعل في الطبيعة. و العمارة التي لها هذه الفكرة الدافعة، ترفض الذوق الجمالي أو مجرد الذوق السطحي البسيط. فينبغي أن تكون فكرة مستقلة عن أي فرض خارجي يتعارض مع الطبيعة البشرية كالعمارة الكلاسيكية، و لكن لها حرية لتفسير و معالجة أي مسألة تصميم لتتوافق مع كل شيء و البحث عن حلول للوصول إلى الكمال. فيعتبر العضويين أنّ الطبيعة هي المعلّم الأوّل ذلك أنّ مبادئها و دروسها أفضل زاد يتزوّد به المعماري في عمله. فتكون العمارة العضويّة شأنها شأن الكائن الطّبيعي الحيّ تتحد فيها المنفعة و المتانة و الجمالية و التي تتلخّص في الشّكل و الوظيفة اللذان يتكاملان دون أن ينفصل أحدهما عن الآخر، بحيث يحمل الجزء صفات الكلّ و يدلّ عليه و يعبّر عنه. العمارة العضويّة هي نسيج من الوحدات تتآلف في إيقاع دقيق و منسجم يغني الطّبيعة و يغتني بها، حيث يوظّف مواده في أفضل إمكانياتها و وفق طبيعتها. فلا يحس المتلقّي بأنّ المادة الموظّفة في البناء دخيلة. و حسب ما أورده "محمود أمهز" فهي تحقيق التّناسب عن طريق ترتيب علاقات هندسيّة تؤدّي إلى نظام عضوي متناسق لتبدّلات لا تنتهي.
فالعضويين يرون في نموّ البناء ما يرونه في الكائنات الحيّة، حيث تصمّم الأبنية من الدّاخل و يتمّ النموّ بها نحو الخارج أي نحو الطّبيعة. ليناهضوا بذلك الوظيفيين الذين جعلوا من الآلة تملي عليهم بقوانينها و داعين إلى جعلها في خدمة الإنسان و الطّبيعة.
فتداخلت العضوية مع الشكل بصيغة جوهرية، وتطور هذا التداخل منذ القرن الثامن عشر حين جاءت علوم الأحياء، وبدأت دراسة الكائنات الحية وتشريحها وتتبع عمليات نموها وتطورها. وبدأ استعمال كلمة "مورفولوجي" « Morphologie » التي أدخلها الفيلسوف الألماني" كــوته" و الذي اعتبر أنّ أي نظام للمجتمع لا يكون عضويا من حيث تكوينه بما يضمن له التطور والنمو المتجانس والمتماثل في جميع أعضائه فإنّ مصيره الانهيار. و استمر ذلك في القرن التاسع عشر بعد ظهور علم النفس. ومنها انتقلت إلى العمارة التي كان "للويس سوليفان" الأثر الكبير في تطورها اللاحق كا أسلفت الذكر سابقا.
و إنّ أهم ما يميّز الكائنات العضوية هو ما تحمله من قوة كامنة فيها، أي ما يرتبط بعمليات النمو والتحول والحركة التلقائية، و التناسل و الهضم و التمثيل و غيرها من العمليات الحيوية، و كذلك كل العلاقات المركبة بين الأجزاء أو الأعضاء التي تدخل في تكوين الكائنات. فالأشكال في الطبيعة ناشئة تحت تأثير قوانين الكون العامة، ومن تفاعلاتها مع بعضها البعض، كالجاذبية والنشوء والارتقاء والنمو و التماسك، ثم التآكل، و الموت، و الفناء. و رغم أن الأشكال في الطبيعة متنوعة و كثيرة فلا حصر لها، إلا أنّها ذات صلة مباشرة بهذه العوامل التي أثرت فيها و تسببت في وجودها، و في اتخاذها الأشكال التي هي عليها.
إذا العمارة العضوية، هي تيار فكري يعود بجذوره إلى منتصف القرن التاسع عشر، لكن بلغت أوجها خلال بواكير القرن العشرين و استمرت حتى اليوم بصيغة العمارة البيئية أو العضوية الجديدة. و يمكن اعتبار ذلك التيار صنوا و تابعا للمدرسة الوظيفية في العمارة التي نادت بمبدأ "الشكل يتبع الوظيفة" و التي عجزت فيما بعد للإجابة عن النواحي النفسية والعاطفية للإنسان والتي وجدت المدرسة العضوية الكفاءة في كنهها لرتق تلك الفجوة. و تناغما تيارا الوظيفية و العضوية على تبني نفس المبدأ "الشكل يتبع الوظيفة" فالوظيفة هي الدافع الداخلي الذي يوجد الشكل، وأن نجاح الشكل يعود إلى خدمه الوظيفة و التعبير عنها. و لكن العضويين زادوا على ذلك بأن الشكل و الوظيفة شيء واحد و يمكن أن يولد أحدهما من الآخر. و بذلك يجب أن تظهر صفات و مزايا أي بناء في كل جزء من أجزائه بحيث يحمل الجزء صفات الكل و يدل عليه و يعبر عنه و لابد أن يربط المبنى بأجزائه إيقاع دقيق منسجم كما في الكائنات الحية. ويقول في ذلك"رايت" : "في العمارة لاشيء تام بنفسه و إنما هو تام كجزء مندمج في التعبير العام للكل" . وعلى صعيد آخر فإن المبنى يجب أن يكون جزءا من الطبيعة يغنيها و يغتني بها، و أن يستعمل المعماري في هذا المجال المواد وفق أفضل إمكانياتها و في حدود طبيعتها، و هنا لا يمانع العضويين في أن تستعمل المباني أية مواد بناء متاحة في البيئة، ناهيك عن عدم اتخاذها أية أشكال مسبقة و مقولبة .
و بذلك فهم رافضون لمفهوم الطراز الذي نشأ عند الرومان أساسا، و قد كان يدلّ على وصف أساليب الكتابة و هيئة الحروف، ثم اتّسع نطاق مفهومه ليشمل الفنون و العمارة، ففكرة الطراز تعني محاولة الآخرين تقليد أعمال الفرد الواحد و العمل بطريقته و أسلوبه. أو عندما ينظرون إلى مظاهر شكلية و سطحية و يجسدوها بالنقل و التقليد من مصادر لأشكال قديمة، في محاولة لابتكار أشكال جديدة.
و إشكالية الطراز تكمن في العناية الاستثنائية بالشكل قبل اعتبار الوظيفة، و إذا تعارض الاثنان، فضّلوا المحافظة على الشكل و تمسكوا به، و ضحوا بالوظيفة كلها أو بعضها. و هذا الأمر غير مرغوب به في العمارة تحديدا، حتى لو كان واردا و جائزا في الفنون الأخرى، لأنه مناف للمنطق المبني على ثوابت العمارة في المنفعة و الوظيفة. و لظاهرة تقليد الطراز تداعيات وخيمة على ملكة الابتكار و الخلق التي ميّزت الإنسان، و ضمن من خلالها تطوره خلال حقب. و يقول "فرانك لويد رايت" في مفهوم الطراز أنه "إمساك روحي" spirituel constipation » «. و بذلك يتداخل هذا المفهوم مع المسعى في وضع خطط و قواعد ثابتة للفنون، و هو ما يتعارض مع القول بأنّ القواعد تنمو من وجود الفنون أصلا، و بذلك ليست للقواعد فائدة، لطبعها الساكن الجامد الذي يحدّ من جموح التجديد و الابتكار. و هذا يوصلنا إلى الخطأ في مفهوم استحداث طراز جديد بوقت سريع، لأن الطراز لا يخترع، و الأشكال تنشأ و تتطور و ترتقي من خلال مجهودات الإنسان و على أمد طويل من الزمن. أما المحاولات المتعددة في استحداث طرز تؤدي حتما إلى ما ندعوه الموضة تأتي و تختفي بنفس السرعة، و لا تترك وراءها أثر، و هو أمر هين و ساذج، و لا يمكن تطبيقه على العمارة و لاسيما العمارة التي اقترنت بمفهوم التطوّر العضوي. و بذلك فان مفهوم الطراز يأخذ منحى حذر في مفهوم الحداثة. و لا يمانع العضويين في استعمال الزخارف لا بل و يؤكدون عليها شريطة أن تكون منطقية و زاهدة بغير إسراف أو غلو، على أن تكون استمرارا للمادة المستعملة و ليست دخيلا عليها. و من الجدير الذكر هنا بأن الزخرفة قد نشأت في بواكيرها لدى الإنسان الأول من عناصر عضوية بحتة، كتقليد لكائنات حية كان يستعمل منتجاتها في حياته اليومية للوظيفة أو الزينة أو الاثنان معا كالجلود و الريش و بعض النباتات. و قد رام من ذلك تقليد خواصها أو خصالها توددا أو إعجابا أو تقليدا. كما لا يمانع العضويين باستعمال النباتات متداخلة من ضمن الهيئة العامة للبناء فكانوا دءوبين على البحث عن الأشكال و العناصر المعمارية في طرز العمارة الموروثة من الحضارات السابقة، و هذا الأمر هو الذي أثار حفيظة الوظيفيين و اعتبروه هراء و هرطقة.
و يرى العضويين في نمو البناء ما يرونه في الكائنات الحية فيجب أن تصمم الأبنية من الداخل و النمو بها نحو الخارج و باتجاه الطبيعة. و هم يأخذون على الوظيفيين افتتانهم بالآلات و ارتأوا بأن ذلك يتطلب إدخال هذه العناصر و استئناسها منتجة في خدمة العمارة و الإنسان، لا أن تملي عليه وعلى العمارة قوانينها، أو يصبح جزءا منها
و قد سعت مدرسة "الباوهاوس" الألمانية إلى طرق الباب العضوي، و هذا ما نستنتجه من أقوال "والتر غروبيوس" الذي اعتبر في حديثه عن الوظيفية بأنها لم تكن مرادفة للطريقة الفكرية وحدها، بل اهتمت بالجانب السيكولوجي، حيث أن الإنسان له أحلام ، و أن الوظائف النفسية واقعية كما هو الحال لوظائف الجسم البشري، و لذلك فعلى الاتجاه الوظيفي في العمارة أن لا يغفل مطالب الإنسان النفسية بالإضافة للمطالب العملية، للوصول إلى المفهوم العضوي.
لقد وردت كل معاني العضوية في العمارة و تفاعل فيها الإنسان مع مفردات الطبيعة و معطياتها و من خلال حواره معها استفاد من واقعها في البدء عندما كان لابد من استعمال ما هو موجود و أثبت جدارة متميزة عندما توصل إلى سبر فطرة الطبيعة و المادة ليثبت عمليا حقيقة التطور و مفهومه الصحيح. فلم تكن الأعمال المعماريّة العضويّة أشكالا مستنسخة و لا حلولا تقلد بحذافيرها أو أشكالا يقع تقمّصها.
ليطرح السّؤال نفسه هنا: ماهي تجلّيات العمارة العضوية و مميزاتها عند "أنطوني غاودي" « Antoni Gaudi » ؟
-2- أنطوني غاودي: التأثيرات و المناهل
أنطوني غاودي" « Antoni Gaudi » هو فنّان إسباني الأصل ولد سنة 1852 و توفّي سنة 1926. لقد نشأ في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، و هي فترة انتقاليّة ليست في التّصوير أو النّحت فقط بل شملت مختلف الميادين الفنيّة بما فيها المعمار. و قد تمثّلت هذه التحوّلات أو النّقلة في إطار حركة سمّيت "بالفنّ الجديد" و التي مهّدت لولادة الفنّ الحديث. يعدّ "غاودي" معلم اتجاه الفن الجديد « L’ art nouveau » و فيه عودة لإحياء الفن "القوطي" من خلال إنشاء مباني على الأطرزة الكلاسيكيّة رافضا و مناهضا لانتشار التّصنيع و داعيا إلى ضرورة المحافظة على القيم القديمة. ساهمت في تكوّن تصوّره للعمارة خصوصا و الإبداع عموما عدّة منابع فكريّة و فنيّة نهل من منابعها إبداعاته المعماريّة. و التي يمكن أن أحوصلها في أربعة أقطاب ولع بها فأثّرت في ذاته المبدعة ألا وهي العمارة، الطّبيعة، الدّين و حبّة لكتالونيا مسقط رأسه وهي مدينة لها تاريخ معماري عريق في إسبانيا .
تأثّرت شخصيّة غاودي الفنيّة بعدّة أفكار لكبار النقّاد، و أهمّها أفكار الفرنسي « Viollet Le Duc » "فيوليت لو ديك" بين القرن 11و 13 حول العمارة الفرنسيّة الذي يرى أنّه من الواجب و الضّروري دراسة آثار الماضي و تحليلها و هو ما من شأنه أن يجعل منها دافعا و محرّكا لابتكار معارف جديدة تأسّس عمارة معاصرة. كما تأثّر و استفاد من كتابات النّاقد الانجليزي « John Ruskin » "جون روسكين" الذي دعا المعماريين إلى ضرورة العودة إلى الطّبيعة و فهم خصوصياتها و سماتها ثم تطبيقها على العمارة وهو ما يتعارض مع السائد. فاستجاب "غاودي" لهاته المطالب و اعتمد الطّبيعة كمصدر إلهامه محاولا الابتعاد على كلّ ماهو مصنّع ليقترب أكثر من الطّبيعة وهو ما كشف عن مفهوم جديد في عمله يسمّى "العمارة العضويّة" « Architecture Organique » و في هذا الإطار يصرّح "غاودي": " هل تريدون معرفة أين وجدت نموذجي؟ خذوا مثال شجرة مرتفعة، تحمل أغصانها و تنبثق منها الفروع و الأوراق. كلّ هذه الأجزاء تنمو في تناسق و بروعة و جلال منذ أن أبدعها الفنّان، ألا وهو اللّه"
و قد أثمر اعتماد الطّبيعة كمصدر لإبداعه ابتكار عمارة متعدّدة الألوان على نقيض العمارة المألوفة الأحاديّة اللّون و قد كان يردّد دائما " لم تكن الطّبيعة أحاديّة اللّون"
كما دعا "روسكين" إلى أن يمثّل المعماري ألفة الفنون « Synthèse des arts » . فالمعماري المبدع هو الذي يجمع إضافة إلى المعرفة بالعمارة بين الرّسم و النّحت. فكان "غاودي" فنّانا مخضرما.
كما عمل "غاودي" على تطبيق أفكار "ويليام موريس" « William Morris » الذي يرفض التّفرقة بين الفنّان و الحرفي، بين الفنّ و الحياة اليوميّة. و الذي من شأنه أن يجعل الفنّ جماهيريا و هو ما نلمس صداه لدى حركة "دوستيل" و جماعة "الباوهاوس" فكلاهما نادت بمبدأ اللاّفصل بين مختلف مجالات الفنون و إلغاء الحدود بينها، كما تحضّ على إزالة التّفرقة بين الفّنان و الحرفي، إلى جانب حركة "البوب آرت" « Pop art » التي جعلت من الفنّجماهيري يشمل كل الفئات الإجتماعية.
كل هذه التأثيرات أفرزت عمارة مزج فيها "غاودي" ما بين الواقع التاريخي كما كان والفن التعبيري المعاصر مع المدرسة الطبيعية. فتنوّعت الطّرازات و تآلفت في العمارة الواحدة. إنّه تقاطع داخل التّلاقي بين معالم العمارة القديمة برؤية غاودينيّة و نداءات الفنّ الجديد الداعي لضرورة العودة للطّبيعة و النّهل منها لآبتداع عمارة جديدة. هكذا تخلى شيئا فشيئا عن قواعد عمارة الماضي و نظمها، و لكن ضمن مفهوم الأصالة الإسبانية، فاستوحى من العمارة الإسلامية الأندلسية مفهوم اندماج العمارة بالزخرفة الداخلية، و هو يرى أن العمارة كتلة مجسمة متعاضدة العناصر، متداخلة مع النحت، و سعى إلى تأليف عمارة تكون هجين للفنون التشكيلية، و بذلك تمسك بالانفصال عن النزعات المعمارية الأكاديمية أو الكلاسيكية المحدثة « néo- classique » ، مؤمنا بأن العالم الشاعري وحده هو السائد، لأنه يسمح بإثارة التخيلات.
تنحصر أعمال غاودي المعمارية في إسبانيا وحسب، و في برشلونة خاصة، وهي تحدد مراحل تطوره بدءا من أسلوب القرون الوسطى أو القوطي المحدث gothique » « Néo-الذي توضح في عمارة قصر استورغا « Astorga » ، وصولا إلى أسلوبه الخاص الذي تمثل بامتياز في عمارة "كازا ميلا" « Casa Mila »، و في كاتدرائية ساغرادا فاميليا « Sagrada Familia »

كما تأثر غاودي بالأسلوب المعماري المدجن « Mudéjar »، وهو الأسلوب الذي حمل الطابع العربي بعد نزوح العرب عن إسبانيا، فكانت معظم المباني التي أنشأها غاودي تحتفظ بطابع الفن الإسلامي الأندلسي على نحو واضح، مثال عمارة بيت فيشنس« La Casa Vicens » و في عمارة قصر غول « Palacio Güell »

التحرر و الإبداع:
أنشأ غاودي بين الأعوام 1905ـ 1910 عمارة "كازا ميلا" « Casa Mila » التي اشتهرت بتكويناتها المتموجة الضخمة، التي تزيد من الشعور بحركية العمارة، و يعد هذا البناء ذروة ما أبدعه غاودي، وعدّت مثالا للحرية الإبداعية في العمارة. أمَّا الرائعة الأهم التي أبدعها "غاودي" فهي كاتدرائية ساغرادا فاميليا، مع أنه توفي قبل إكمالها نهائيا، وقد استوحى عمارة هذه الكاتدرائية من عناصر البحر، فجميع خمائل الأبراج صيغت على هيئة الأصداف والأمواج البحرية، وكانت هذه العمارة موضع إعجاب الشاعر "لوركا" والفنان الإسباني "دالي".

أيضا "منتزه غويل" » « Parc Güel و الذي قام بإنشائه في السنوات 1900ـ 1914، فكان البناء مجموعة منعطفات متلاحمة و قد تداخلت و المشهد الطبيعي ، و كان يؤكد على أن الخط المستقيم لا وجود له في الطبيعة، بل لا يتماشى و خطوط الإنسان التي تبقى مجموعة منحنيات، و لأن هذه الحديقة مخصصة للإنسان فهي جديرة بأن تحقق بيئة حرة تساعد على توفير الانسجام البشري و واقع هذه الحديقة. لقد كان العامل الطبيعي الملتوي فرصة تتماهى و تتآخى فيه الطبيعة مع العمارة، فثمة وحدة عضوية و بيئة جمالية جذابة تضافرت في وصفها صخور الجبال و خضرة النباتات و طرافة العمارة و بهاؤها، و يعد هذا العمل أروع نموذج للفن الجديد امتاز بتوظيف الطبيعة اقتداء بمقاييسها الجمالية لتحقيق الوظائف السكنية والجمالية و النفعية للإنسان.
فنرى كيف أنّ الفن الغاوديني يتميز بالمزج بين الفن المعماري الإسلامي و الفن المعماري القوطي الذي اعتمد علي الزخرفة كثيرا بالإضافة إلي الطبوغرافية النباتية.
فجاءت كلّ أعماله ذات بعد بيئوي قاطعا بذلك مع التّتاظر و النّظام و الرّتابة الهندسيّة. ساهمت في تكوّن تصوّره للعمارة العضويّة خصوصا و الإبداع عموما عدّة منابع فكريّة و فنيّة نهل من منابعها إبداعاته المعماريّة
عموما ما يمكن أن نستخلصه هو أنّ البناء في عمارة " أنطوني غاودي نراه بناء بروح سرياليّة غرائبيّة كانت فيه الصّدارة لمبدأ الازدواجيّة بين الاستلهام و الالهام و بين التبنّي و البناء....
و لكن المزج بين الأطرزة و التّأليف بينها في بناءاته لم يتوقّف في هندسة الفضاء، بل يتجلّى أيضا في زخرفتها و خاصّة في أسلوب الكساء الخزفي الذي يسمّى "بالترانكاديس" « Trencadis » وهي طريقة عمل اعتمدها "غاودي" حيث تسجّل الكسور الخزفيّة حضورها أيضا. فيقوم باستعادة « La récupération » الكسور و تثمينها وفق تصوّرات جديدة، أثار من خلالها جملة من القضايا و التّساؤلات ألا وهي: علاقة المبدع بمواده و أساليب تعبيره و قيمة الفعل في سياق العمليّة الإبداعيّة. فلقد فعّل المهمل و جعل منه ملهما. وهي قضايا لم يتمّ إثارتها إلاّ في النصف الثّاني من القرن العشرين. فاستعمال كسور الخزف في الكساء ولّد عمارة متعدّدة الألوان منفتحة على أبعاد تصويريّة رحبة، وهو ما يفعّل العلاقة بين العمارة و الطّبيعة.
وهذه بعض المقتطعات توضّح طرق توظيف الكسور الخزفيّة في الكساء "بمنتزه غويل" والتي تبيّن التّجاوز على مستوى الشّكل و على مستوى الأسلوب في الكساء التّقليدي مرتقيا من خلال مفهوم الاستعادة و التّحويل إلى شكل تعبيري غيّر في صورة العمارة ذاتها.

إذا كان "غاودي" سابقا لأوانه في اعتماد الكسور الخزفيّة أي اعتماد المهمل و البقايا و جعل منها ملهمة في فعل الكساء للفضاء المعماري. و هو ما يجعلنا نثير مسألة "العمارة- المنحوتة" أو الخزف الحائطي المعماري. حيث تبيّن الأمثلة الآتية لغاودي في "قصر غويل" كيف أصبحت أجزاء من العمارة في شكل منحوتات أو خزفيات عملاقة.

لئن وظّفت الكسور الخزفيّة بطريقة مختلفة حيث ولّدت الأعمال الثّنائيّة و الثّلاثيّة أي الجداريّة و النّحتيّة إلّا أنّ "غاودي" جعلنا نهاجر بفضل هذا التّجديد في الكساء عن طريق الكسور الخزفيّة و أبعاده العفويّة و الصدفويّة، صرامة العمارة و عقلانيّة هندستها، و نتخطّى صرامة خصوصيات الجليز و ما يتطلّبه من نظام ذهني. لنسافر نحو رحابة الإمكانات التّركيبيّة-التصويريّة في العمارة. و هذا كفيل أن يجعلني أتسائل ما إذا كان استعماله لهذا الأسلوب في الكساء فيه ارتقاء باللّون و بالأبعاد التصويريّة ليس فقط في اللّوحة المسنديّة بل و في العمارة أيضا، فهي فضاء يكشف للتصوير مجالات أخرى لا توقفه عند حدود اللوحة.
لقد ترجم "غاودي" عن رؤية مناهضة للكلاسيكيّة في تصوّر العلاقة بين الشّكل و اللّون، ليكون بذلك فنّانا طلائعيا في إثارته لقضيّة استقلالية اللّون عن الشّكل و الذي أصبح بذاته مادّة ملوّنة و ملوًّنة. ففي تعامله مع الكسور الخزفيّة، ارتقى إلى مستوى المصوّر الذي يرسم و يلوّن باللّون. و بشكل أدقّ نقول انّه ينحت في الألوان وهو الأسلوب الذي بلغه ماتيس في فترة منقدّمة من تجربته.
ندرك بوضوح في قراءة أعمال "غاودي" التجلّي المبكّر للتحوّلات الحديثة، و نتبيّن الانفتاح الذي كشفته أعماله في تصوّره للمواد و التقنيات في علاقتها بالعمليّة الإبداعيّة. لينفتح على البناء المعماري المتعدّد الألوان.
كماعمد "غاودي" لشحن أعماله بالأنظمة العلاماتية و الرموز ليتجاوز البعد البسيط نحو إقامة جوانب علائقية مختلفة يكون المتفرج أحد أطرافها. لنجدها تحاور المتلقي و تدعوه للانسياب بين ثناياها، تستهويه من اجل الاقتراب منها و الاغتراف من مضامين معانيها. فيدرك المتقبل أن الفنان قد زج بالشحنة التعبيرية في أعماله. فينتج و يبتدع أعماله من خلالها في إطار مبدأ الاستعارة و التّحويل. فأعماله تستدعي المتلقي لأجل التفكير فيها دون الاستناد إلى مجرد النظر فحسب، بل تحفز فيه إرهاصات الذهن نحو أبعاد خيالية تسمح للمتلقي بمعاينتها كصورة مرئية و كمخيال.
و لئن فرق "كارل غروس" بين المتأمل السلبي و المتأمل الإيجابي ذلك أنّ المتذوق لفنون الصورة الساكنة كالعمارة و الزخرفة يقف عند حد المشاهدة في حين يصبح المشاهد مشاركا فعليا بالنسبة لفنون الحركة. إلّا أنّ المتأمل في عمارة "غاودي" يصبح متأملا فاعلا ذلك أنّها تفتح له أبواب الإبداع اللّامحدود، فينتج وفق أسلوب الفنان في مختلف مجالات الفنون و أصنافه وهو ما أكّد عليه "موللر فونلفز" عندما تحدّث عن'' المشاهد المشارك ''. ليتحوّل التأمل من علاقة حاضر بماض إلى علاقة حاضر بمستقبل و بالتالي يصير زمن التأمل زمنا آخر للإبداع قد يؤمّن استمرار و تجدد العمارة لا مع المنتج المبدع فقط و إنما كذلك مع المتلقي كمبدع بدوره. حيث نلمس توجّه كبير من قبل الفنّان المعاصر في تقديم منتوجات ثرية بطريقة 'الترانكديس".
مثال نجد الفنانة الفرنسية "نيكي دي سانفال" قد استلهمت في مجمل أعمالها النحتية من تشكيلات "غاودي" حسب ما تبيّنه الصّور التّالية:

كما يمكن أن أدرج امثلة أخرى حرفية أكثر منها فنية و التي تندرج ضمن الديكور و الزينة.

إذا لقد كشف "غاودي" عن مدى انفتاح التّقنيّة في العمليّة الابداعيّة لتكون إبداع مستمرّ و دائم في مختلف مجالات الفنون.
لقد صار التصميم المعماري مسألة إرادة مفروضة و أهواء شخصية، يطلق فيها الفنان العنان لخياله. وهو ما أنتج عمارة متطورة و عاصرة قبل الأوان أي عمارة طلائعية غرائبية سوف تأثر و تبلغ أوجها مع نخبة من معماري الفترة المعاصرة.

الـمراجع:

 

معجم اللغة العربية المعاصر

الدّكتور جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللّبناني، بيروت- لبنان، 1982
http://www.franklloydwright.org/

الدّكتور خالد السّلطاني، مقال بعنوان "تجلّيات العمارة العضويّة"، الصّادر بتاريخ 26 جانفي 2005
http://www.annoormagazine.com/mag/ar/149/tahkikat/tahkikat_i.asp

 

 

* أستاذة و باحثة في الدكتوراه