centre georges pompidou
lloyds insurance building
eur court human rights
Bank of Shanghai Headquarters
Riyadh alfaisaliah tower
Turning torso santiago calatrava
High Tech Architecture-Korea
London Bridge House
HSBC Hong Kong Headquarters
Torre Agbar Barcelona
Skyscraper Torre Diagonal ZeroZero in Barcelona
Žižkov TV tower dominates the skyline.
 
  •  

  •  

  • يعتبر تيار "التقنية المتقدمة" High –Technology ، المعروف اختصارا بـ "الهاي – تيك" Hi- Tec، من اكثر تيارات عمارة ما بعد الحداثة انتشارا وحضورا في الخطاب المعماري المعاصر، ليس لانه فقط يجعل من مقاربته المميزة واسلوبه الخاص بمثابة "قطيعة" معرفية مع بقية المقاربات التصميمية المعروفة سابقا ً، تلك المقاربات التى ما لبثت ان ظهرت بشكل فجائي وسريع على مسرح المشهد المعماري الحداثي مؤخرا ً، وانما ايضا بسبب تقبل طروحاته بسهولة من لدن مصممين مختلفين ينتمون الى مناطق جغرافية متباينه ذات خلفيات ثقافية متنوعة، وقد ساهم ذلك كله في تكريس حضوره في الممارسة المعمارية المعاصرة كاحد التيارات المعمارية الهامة في المشهد المعماري العالمي؛ هذا عدا عن اعتماده بصورة واضحة ومباشرة وصريحة على اخر مستجدات النجاحات التقنية، ما جعل منه تيارا معماريا مقبولا وشائعا يدرك من قبل الجميع كون منتجه يعكس بوضوح "اميج" عمارة مابعد الحداثة ورمزها التصميمي في عصرنا الراهن.


ظهر"الهاي –تيك" كاحد تجليات مسار عمارة الحداثة المتأخرة، تلك العمارة التى تشكلت خصائصها وبان اسلوبها المميز في السبعينات ، وهذا التيار المعماري في الحقيقة يتوق لتكييف نجاحات التكنولوجيا البنائية لجهة اجتراح تجديد جذري في لغة العمارة انطلاقا من تأثيرات التقدم العلمي الذي احرزته الانسانية مؤخرا واعتبار ذلك التقدم كمكـّون تصميمي اساسي في ابداع منجز تلك العمارة. ينشد "الهاي تيك" الى عكس رمزي لحضور "التكنولوجيا المتقدمة"، كما يحرص عبر فورماته ذات المظهر الدال الاشارة الى خصوصية العصر المتجسدة بحدث ظهور الصوراريخ عابرة القارات ومركبات الفضاء المكوكية، كما يسعى الى حضور كل ذلك في منتج عمارة الابنية العامة تحديدا (لاحقا، كما سنرى، سوف يتخطى الهاي – تيك تلك المحددات ويغطي بقية "تابولوجية" المباني الاخرى، وسنشاهد امثلة عديدة لحضوره المؤثر في عمارة الابنية السكنية على سبيل المثال). وايا ً يكن الامر، فان "الهاي تيك" يمثل آخر مرحلة بالقرن العشرين لصياغة اشكال وفورمات متخمة تكوينيا بالحضورالتقني الرفيع، تلك المحاولات التى بدأت مع تيار <الكونستروكتيفزم> الروسي في عشرينات القرن الماضي وصولا الى تجارب البنيوية الاخيرة في ستينات ذلك القرن.
يتميز "الهاي- تيك" عن المراحل السابقة، بتوقه نحو ابراز خاصية التقنية المتقدمة "سوبر تكنولوجيا" والتى فيها تنمو وتتحول الاستخدامات الوظيفية للتراكيب الانشائية ومنظومة الخدمات الهندسية، الى عناصر تزيينية ممسرحة؛ مع مغالاة في اهميتها ومقاساتها، مغالاة تصل حد التهكم والسخرية منها. وبخلاف مقاربات البنائية <الكونستروكتفيزم> وكذلك البنوية المعتمدة في تحقيق غاياتها الانشائية على الخرسانة والزجاج فان "الهاي –تيك" توجه لاستيعاب وادراك جمالية التراكيب المعدنية (الحديدية) مع الالواح الزجاجية. وبالاضافة الى ذلك فقد ادخل "الهاي –تيك" العناصر الخاصة بالخدمات الهندسية مثل انابيب التهوية ومجاري الخدمات الصحية ووسائط الحركة المتنوعة، بشكل مؤثر في المعالجات التصميمية للمباني التى نفذت وفق طروحاته، ومستندا على تجارب تكنولوجية صرفة وشائعة في عمارة المنشاءات الصناعية الحديثة التى يلجأ عادة فيها الى تلوين وسائل المنظومات الخدمية بالوان مختلفة؛ فان "الهاي – تيك" وظف هذا الاسلوب في منتجه المعماري وجعله يعمل باعتباره عنصرا تكوينيا جماليا.
في المعنى الدلالي للظاهرة، فان <اباء> "الهاي- تيك" هم معماريو "القصر البلوري" بمنتصف القرن التاسع عشر و مدرسة المعمار "ميس فان دير رو ّ" العقلانية واتباعها في القرن العشرين. ويرى نقاد كثر في الاخير عرابا حقيقيا الى "هاي – تيك"، ذلك لان "ميس" وان بدا في مطلع حياته المهنية وظيفيا بالعشرينات، لكنه سرعان ما تنصل عن افكاره السابقة وانتهى في الخمسينات والستينانت بالضد من الوظيفية بمفهومها "الارثوذكسي" من حيث المبدأ. وانطلاقا من ادراكه بقصر اجل الوظيفة، وظيفة المبنى وعدم ديمومتها طويلا والتى تقود لا محالة الى ما يسمى بظاهرة (الاستهلاك المعنوي) لها، فانه سعى وراء تصاميم لمبانٍ ذات فضاءات داخلية تتسم بشموليتها وعمومبتها، وقادرة ان تتجواب بكفاءة مع متغيرات الوظيفة وتقلباتها السريعة. وقد وظف "ميس" في تقصياته لتحقيق تلك الغايات منظومة التراكيب ذات البحور الفسيحة، ناقلا العناصر الحاملة من داخل المبنى الى خارجه. وبهذه المقاربة فان "ميس" وانصاره جعلوا من شكل التراكيب الانشائية وايقاعها الصارم اساسا لانتاج جماليات التكوين المعماري للمباني التى صمموها ، بعبارة اخرى وظفت المدرسة العقلانية المعتمدة على نتاجات "ميس فان دير رو" واتباعه مفهوم <التكنونية Tectonic> واعتبرته عنصرا تكوينيا اساسيا في الحل التصميمي ومنبعا استيتكيا رئيسيا بمقدوره ان يشكل جماليات العمارة المشيدة.
لم يكتفِ "الهاي – تيك" بان يكون بمثابة وريث شرعي لتلك التجارب والمحاولات التى سبقت ظهوره، وانما طمح الى توسيع واثراء تلك الاساليب بشكل واضح . فالى جانب استخدمات التراكيب الحاملة التقليدية كالمنظومات الهيكلية، سعى "الهاي – تيك" الى توليفة من مزج منظومات انشائية ثابتة، مع تلك المعتمدة على التراكيب الحرة كالمنظومات الحبالية " الكيبلية " Cable، سعيا للحصول على قوة تعبيرية مؤثرة .
حاول مصممو مقاربة "الهاي – تيك" الى استخدام العناصر المحورية ذات المقاطع المغلقة (مثل الانابيب ذات المقطع الدائري او المربع) في حلولهم لمعضلة التراكيب الحاملة، بدلا من العناصر ذات المقاطع المفتوحة. وواضح جدا بان مثل هكذا استخدمات كانت بباعث الدنو من احراز قيم جمالية صرفة، اكثر بكثير من استحقاقات المتطلبات الانشائية. ثمة تأكيد، اذن، على "تقنية" التكوين، وهو ما ينزع الي حضوره معماريو "الهاي – تيك" في تصاميم مبانيهم المشيدة. ومن اجل تأشير اهمية استخدامات تبعات التقنية الصريحة في التكوين لجأ مصممو هذه المقاربة الى وسيلة تضخيم ابعاد التراكيب الحاملة (وتبرير هذا التضخيم ليس نابعا بالضرورة من جراء نتائج الحسابات الهندسية الواقعية) وانما استخدامها بهذه الطريقة، اريد بها ايحاء حضور ضخامة التراكيب الانشائية وجسامة عناصر عقدها وكثافة العدد الهائل لمقاطع الاتصالات المحورية والمتصالبة الزاخرة بها واجهات المباني.
لقد ساهمت مقاربة "الهاي – تيك" على تطوير حلول واستخدامات التراكيب المعدنية الخارجية والتى مكـنّت من تحديث اشكال واجهات المباني الخارجية و"سللويتها" بالاضافة الى تفعيل عنصر اللون كقيمة تكوينية مضافة فضلا على اجتراح ملمس مميز لواجهات مبانيها. لقد سعى الهاي تيك بصورة واضحة وهادفة الى التعاطي تصميما ليس فقط مع شكل المبنى وواجهاته او فضائاته الداخلية، وانما استطاع ان يدخل في اهتماماته نوعية الفضاءات المجاورة المفتوحة وعناصرها التزينية ومفرداتها النحتية التى تصنع عادة من تلك المادة اياها التى نفذت بها واجهات المباني.
يعتبر "مبنى مركز جورج بومبيدو للفنون" المطل على ساحة "بوبور" في باريس والمشيد في 1971-77 (المعماريان: رينزو بيانو R  Piano وروبرت روجيرز R .Rogers) بمثابة "علامة" ورمز الى نتاج الهاي – تيك. وقد قوبلت عمارة المبنى في بدء ظهورها بموجة من التعليقات القاسية والاوصاف غير المعتادة نظرا لغرابة لغة عمارته وجسارة منطلقات معماريه وجرأتهم في تأويل مرجعيتهم التصميمية؛ لكن المبنى الذي ُشبه اولا بـ "مصنع لتكرير النفط" تهكما وسخرية من اسلوب عمارته، بدأ يحظى تدريجيا على اعجاب وتقبل الناس: زواره العديدون ومشاهدو عمارته المميزة. وبدت النقاشات الصاخبة والاراء المتضادة التى اثيرت حول عمارته في بدء ظهوره باعثا مضافا لتكريس حضوره واهميته في سياق عمارة البيئة المبنية وانتشار صيته التصميمي كحدث ثقافي بامتياز.
في تصديهم للمعضلة التصميمية التى وضعوها امامهم، انطلق معماريو المبنى من فكرة خلق وابداع فضاءات عرض حرة وفسيحة في آن، موظفين اطروحة "ميس فان دير روّ" الخاصة بتنظيم فضاءات شاملة لجهة تحقيق اهدافهم ، بيد ان مسعاهم هذا، تجاوز حدود مقترب "ميس" المعروف باجتراح فضاء شامل وعام في هيئة حافلة فورماتها بالانتظام والوضوح، عندما اقترحوا حلا ينطوي على ايصال تبعات ذلك المقترب حدوده القصوى . فشكل المبني المتوازي الاضلاع والذي يمتلك عرضا بـ 50 مترا و170 مترا طولا، تم تسقيف طوابقه الستة عبر منظومة من المساند المتشابكة المثبتة خارج المبنى. ان وجود فضاءات بباع Span لجسور بـاطوال 48 مترا مخصصة لعرض الكتب او اللوحات الفنية (وهما الوظيفتان الاساسيتان للمركز) يبدو امرا زائدا على الحاجة، سيما اذا اخذنا في نظر الاعتبار حتمية وجود فائض الاشغال المكاني المترتب جراء سماكة الجسور ذات المجالات الفسيحة والتى شغلت حيزا مضافا يقدر سعته بنصف فضاءات حجوم المبنى المصممة تقريبا ً، ومع ذلك فان المصممين ذهبوا بعيدا في تعاطيهم مع حلهم المعماري، مقترحين لنا مشروعا تصمميا مكلفا وغير مبرر وظيفيا، ولكنه في ذات الوقت يظل مشروعا رائدا تتماهى فيه التقنية تماهيا عضويا مع مكونات لغته التصميمية، تماه ٍ ينزع المعماريون لان تكون ضربة التكوين وفكرته الاساسية.
ومع ان هيئة المبنى متمثلة بكتلة منتظمة، فان شكله العام الخارجي و "سيلويته" Silhouette يبدوان غير ذلك، لان مصممي المبنى ، وبخلاف مقاربات "ميس فان دير رو" ابتعدوا كثيرا عن محاولات تمثيل انتظامية هيئة الشكل العام للمبنى اواستنطاق فورماته الهندسية الصارمة؛ وبدا المبنى، وفقا لرغبة المصممين، وكأنه لا يزال محاط "بقوالب" اعمال الانشاء الموقتة اكثر بكثير من مبنى مكتمل البناء!. وساهم في تشويش معالجات واجهات المبنى الحضور الكثيف للعدد الهائل من عقد الانشاء والتراكيب البنائية الطولية والمحورية والمتصالبة التى غطت بعناصرها مفردات الواجهة واكسبتها انطباع "الفوضى" العفوية، بيد انها تظل"فوضى" متقصدة وحتى "مصممة" مسبقا. ومما زاد في خلق حالة "التشويش" الواجهاتي كشف مجاري وانابيب الخدمات الهندسية نحو الخارج؛ هذا عدا عن اللجوء لتوظيفات عنصر اللون وتشغيله تكوينيا للقيام بوظائف جديدة لم تكن معتادة سابقا في العمارة المدنية. اذ حرص المصممون ان يكون لعنصراللون دورا مؤثرا في صياغة المنظومة التكوينية لواجهات المبنى، ونحن هنا لا نتكلم عن صبغات مألوفة لمساحات محددة او موقعة على سطوح المبنى، وانما تم توظيف عنصر اللون بصبغاته المختلفة على اجزاء مختارة من الواجهة المتشكلة من عناصر مختلفة وغزيرة، توظيف يذكرنا في نوعية اساليب تلوينات عناصر المنشاءات الصناعية. فلونت مجاري التهوية بالاخضر وانابيب الماء بالازرق وقنوات الاسلاك الكهربائية بالاصفر، في حين لونت عناصر الانتقال والحركة مثل المصاعد والادراج والسلالم الدوارة Escalators بالاحمر. وفي النتيجة فان قرار كشف ونقل جميع المنظومات الانشائية والتركيبة والحركية الى واجهات المبنى اوحى الى تداعيات ملتبسة تشبه الى حد كبير بقلب الاحشاء بطنا لظهر والتى تدخل في تعارض فاضح مع مبادئ ظاهرة "البيونيكا" Bionomic المعمارية المألوفة.
وايا ً يكن الامر، فنحن امام ظاهرة معمارية جديدة حُظيت بانتشار واسع في مجمل الممارسة التصميمية العالمية غب ظهورها الاول عند ميدان "بوبور" الباريسي، ومنذ ذلك الحين بات المبنى وعمارته مقصدا للزيارة والتطلع اليه من قبل كثر من الناس. وتشير الاحصاءات ذات الشأن بان موقعه ظل يستقطب العدد الاكبر من زوار متاحف باريس ذات الشهرة العالمية ولسنين عديدة. كما يجدر بالذكر بان موقع الساحة المفتوحة المجاورة للمركز بدت هي الاخرى من اكثر الساحات الباريسية شهرة وازدحاما وتنوع فعاليات. وقد اكتسبت صيتها من صيت المبنى المجاور وعمارته الاستثنائية، وهو امر يؤكد ما ذهبنا اليه من ان مفهوم الهاي – تيك المعماري لا يقتصر على خلق احياز وحصرها ضمن فورم انشائي فقط ، بقدر ما تستوعب طروحاته ايضا تنظيم الفضاءات المكشوفة، تلك الفضاءات المطبوعة تصميما بطابع الهاي – تيك ذي اللغة المعمارية الفريدة والمميزة.


لقد عبر المسار التطوري الذي سلكه "الهاي – تيك" عن نفسه، وتحدد لاحقا ضمن مقاربتين اثنتين شهدتهما الممارسة المعمارية العالمية اولهما نزوع المصممين المشتغلين ضمن اطار مفهوم "الهاي – تيك" الى تعقيد متقصد لكتلة المبنى الخارجية عبر التشديد على حضورتوابع تكنولوجية ثانوية ولواحق تركبية غير اساسية، والثاني يكمن في تطلع المصممين الى تكريس وضوح تكتونية المبنى وصفاء كتلته المبتدعة. ويمثل الاسلوب الاول بعد ترسيخ نهج عمارة مركز بومبيدو للفنون في الممارسة المعمارية، وتقبل مقترب "الهاي – تيك" من قبل مصمممين كثر؛ "مبنى شركة للويد للتأمين" في لندن / المملكة المتحدة (1979-84) المعمار ريجارد روجيرز ( 1935 ) – احد المصممين الاساسين " لمركز بومبيدو " الباريسي.
يمتلك المبنى ذو 12 طابقا فوق مستوى الارض كتلة حجمية صريحة وواضحة؛ فالتصميم الذي يعتمد مسقطه على شكل هندسي منتظم مجزأ الى ثلاثة اقسام، وتتشكل المنظومة التركبية له من هيكل حديدى مع وجود فناء وسطي مفتوح بارتفاع 93 مترا غطي من الاعلى بعقد نصف دائري. وهذا الفناء يسمح بمرور الانارة الطبيعية الى جميع الاحياز التى تطل عليه. تتشكل المنظومة التركيبة للمبنى من نظام انشائي هيكلي قوامه مساند على شكل انابيب معدنية وجسور حديدية مضلعة تم اخفائها ضمن سقوف ما بين الطوابق. ومن اجل "تعويم" انتظامية الشكل الهندسي للمبنى، تم "زرع" ملاحق بنائية صغيرة ذات هيئات بخطوط مستقيمة ومنحنية وضعت فيها شرفات الخدمات التقنية ووسائط الانتقال: المصاعد والسلالم الخ.. وهذه الملاحق النـاتـئة هي التى تجزأ كتلة المبنى المنتظمة نوعا ما وتكسبها سمة مميزة عبر اطروحة المعمار الفريدة الساعية الى استنطاق تعبيري لعناصر خدمات المبنى، وتجسيدها ضمن فورمات معبرة مانحة عمارته في الاخير تأثيرا "تقنيا" واضحا، يزيده فعالية اجراءات توقيع الانانبيب المعدنية الخدمية على الواجهات، فضلا على توظيف بريق الالواح المعدنية المغطية لشرفات الاجهزة التقنية لتلك الغاية . ويسهم موقع المبنى في بيئة تاريخية قديمة كوسط "السيتي" بلندن الى ابراز تعارض لغته المعمارية مع نوعية عمارة البيئة المبنية المجاورة ويزيد من شدة تضادها، الامر الذي يؤدي دائما الى زيادة "الصدمة" البصرية التى يشعر بها المرء جراء مشاهدة عمارة المبنى وهي ضمن سياق البناء التقليدي.
اما المقترب الثاني لمسار عمارة "الهاي – تيك"، فيمكن ان يجسده المبنى الذي صممه المعمار الانكليزي "سير نورمان فوستر" (1935) N. Foster، والخاص بمبنى "مصرف شنغاي" في هونغ كونغ (1979-86). المبنى المتعدد الطوابق الذي يصل ارتفاعه الى حوالي 180 مترا والمؤلف من 47 طابق اداري مشغول بفضاءات مكتبية خاصة الى موظفي المصرف وزواره.


تتأسس المنظومة الانشائية للمصرف التى بها تكتسي عمارة المبنى سماتها الخاصة والاستثنائية من نظام الاعمدة والجسور، بيد ان هذا النظام مصاغ، هنا بالمصرف، بشكل مميز لا يماثل شبيهه من التراكيب المألوفة. ثمة منظومة من السواري الضخمة التى يبلغ عددها ثمانية، موقعة في اطراف المنشأ ومتشكلة من تجميع اربعة مساند حديدية ذات مقاطع دائرية ترتبط الواحدة بالاخري بقطع مستعرضة تشكل محاور ارتكازية مثبته على ارتفاع كل طابق. ومن اجل الحصول على متانة اضافية للمنظومة التركيبية تم ربط هذه السواري بعوارض حديدية محورية Girders. ثمة تقسيمات متعددة على عموم ارتفاع المبنى، تشكلها مجموعة طوابق باعداد مختلفة من سبعة وستة وخمسة واربعة طوابق؛ وهذه التقسيمات تحملها عوارض ثنائية المجال بارتفاع طابقين تشكل "الموتيف" الاساسي في صياغة واجهة المبنى. يمتد باع المساند الحاملة الى مسافة 38 مترا، وتم وضع اعمدة متدلية وسطية في منتصف الباع تسهم في تحمل تركيبة سقوف مابين الطوابق. وبهذا الاسلوب الانشائي فقد استطاع المعمار ان يؤمن فضاءات حرة بمجال يصل الى باع 38 مترا. ان مجاميع السواري الحاملة الاربعه الموقعة في اطراف المنشأ، شكلت ثلاثة مجالات فراغية متحررة من اي مساند فيها؛ وقد استفاد المصمم من هذه الحالة في تجزئة الكتل الخارجية لمبناه استنطاقا لها: لتلك الحالة. وتبعا لذلك، فان المبنى يرى بصريا مؤلفا من ثلاث "صفائح" بارتفاعات من 28 و 35 و 41 طابقا، بيد انها جميعا ظلت تحتفظ بعرض موحد يقدر بـ 16.2 مترا ً.
ورغم نزعة التعقيد الانشائي لمصرف "شنغاي"، فان لغته المعمارية ما برحت تمتع بحضور واف ٍ من وضوح الفورم ورهافته في آن، متضادا في هذا المجال مع "عكرة" تكوينات مبنى "مركز بومبيدو" الباريسي، و"ضجيج" عناصر مبنى "للويد للتأمين" في لندن. ومع ان مسعى طبيعة تضخيم المقاطع التركبية "المفطورة" عليها مقاربة "الهاي – تيك" ظلت حاضرة في التكوين ، فان العناصر الانشائية في مصرف "شنغاي" تبدو منفذة هنا، على درجة كبيرة من الدقة والرشاقة، الامر الذي مكنّها من ان تلعب دورا اساسيا في تحقيق رهافة الحلول التصميمة لواجهات المبنى وفي ايجاد معالجات هادئة للفضاءات الداخلية له.

في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، بدا وكأن المقاربة الثانية من مسار "الهاي – تيك" تحرز اهتماما وتعاطفا جديا من قبل كثر من المصممين العاملين وفقا طروحات ذلك التيار المعماري. وحتى "ريجارد روجيرز" نفسه الذي اتسمت اعماله "الهاي – تيكويه" الاولي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي بانتمائيه واضحة الى المسار الاول، عبراعمال انطوت على تعقيد "الفورم" التصميمي، بات في الفترة الاخيرة اكثر تعاطفا مع المسار الثاني، وغدت لغته التصميمية تنحو نحوا تكوينيا واضحا ودقيقا. ولعل تصميمه لمبنى "المحكمة الاوربية لحقوق الانسان" في مدينة "ستراسبورغ" بفرنسا ( 1989-95 ) يعكس تلك التطلعات الجديدة.
في عمارة مبنى "المحكمة" يسعى "روجيرز" الى تكريس اطروحته التصميمية المميزة التى سبق وان شاهدنا تجسيدا لها في مشاريع عديدة صممها المعمار العالمي المعروف في مواقع متعددة بمدن العالم المختلفة؛ وتدعو تلك الاطروحة الى خلق مبنى مميز في لغته التصميمية ضمن البيئة المبنية المحيطة ، بمعنى اخر يتوق "روجيرز" الى "خلق مبنى صرحي من دون.. صرحية" كما يؤكد المعمار على ذلك دائما.
يتعاطي "روجيرز" مع مشروعه كونه مبنى ذا قيمة اجتماعية (فهو يمثل دولا عديدة) فضلا على انه منشأ ديمقراطي، ذلك لانه معني بالدفاع والمحافظة على حقوق الانسان الاوربي. يطل المبنى على مصدر مائي، ويتوق المعمار باختياره التكوين اللاتماثلي ان يكرر بهيئته المتعرجة الممتدة اشكال خطوط الساحل القريب. تحدد التقسيمات الافقية طوابق المبنى الادارية التى يزداد ارتفاعها كلما اتجهنا نحو كتلة اسطوانية شاقولية موقعة في نهايتها، وتفصل هذه الكتلة التى خصصت لبئر الحركة العمودية من مصاعد وسلالم، القسم الاداري عن احياز قاعات المحكمة الرئيسية التى ينتهى بها المسار التكويني للمبنى. تمثل قاعات المحكمة التى تعد بمثابة مركز التكوين الوظيفي والمعماري للمنشأ اسطوانتين مغلقتين ومكسوة بصفائح المنيومية. وهاتان القاعتان مرفوعتان قليلا عن الارض، ويمتلكان سقفا مائلا منحدرا باتجاه واحد، حرص المعمارالى ترميز هيئتهما بكفتي ميزان العدالة: ميزان آلهة العدل "فيميدا"!.
ورغم التعقيد الوظيفي لمبنى المحكمة وتكوينها اللاتماثلي، فان الحل التصميمي يبدو على العموم حلا بسيطا حافلا بالصفاء والانتظام، بمقدوره ان يمنح المتلقي قراءة واضحة لكتل المبنى؛ تلك الكتل الخالية من نزعة التجزئة اللجوجة التى طبعت عمارة مباني "الهاي – تيك" المبكرة. ووفقا لملاحظة ذكية لاحد نقادي عمارة المبنى؛ فان صبغة الالوان القوية التى استخدمت بصورة نشطة في واجهات كتلة القاعات واجزاء من القسم الخدمي "تدفأ" برودة بريق الالواح الالمنيومية التى غلفت سطوح كتل المبنى الصماء الخارجية. وايا يكن الامر، فان المبنى يظل يحتفظ لنفسه بقوة تكوينية جلية متاسسة عن وضوح تعبيرية الوظائف التى صمم المبنى من اجلها، تلك التعبيرية التى تستدعى الى الذاكرة شريط تعبيرية "مندلسون" الرومانسية في العشرينات، لكنها هنا مصاغة بنكهة طروحات "الهاي – تيك" المعتمدة اساسا على ابراز تأثيرات تقنية الانشاء المتقدمة.
ان نزعتي تضخيم عناصر المنظومة الانشائية واصباغ سمة التقنية علي منتج مقترب "الهاي تيك" والتأكيد على حضور الاخيرة كمفردة اساسية في عملية ابداع اللغة المعمارية المميزة لذلك المقترب، منحت الناقد الانكليزي "ك. فريمبتون" الى اجراء مقارنة بين اشكال عمارة "الهاي – تيك" مع هيئات منصات اطلاق الصواريخ الفضائية؛ ويتعين الاقرار بان مثل هذا التداعي للافكار يمتلك بعضا ً من مصداقيته. وليس صدفة بالمرة، اعتراف "نورمان فوستر" نفسه، بان الاشتغال على ثيمة عمارة "الهاي – تيك"، (كما هو الحال في مكتبه في الاقل)، يستدعي اللجوء الى مرجعيات تقف بعيدا عن مجال الصناعة الانشائية التقليدية. ويذكر في هذا الصدد بانهم".. استفادوا كثيرا من عمل المجموعات الابداعية التى وقفت وراء تصنيع طائرة "الكونكرد"؛ كما استخدمنا حصيلة تجارب الدوائر التصميمية الحربية العاملة على تأمين جسور تكون قادرة على تحمل اوزان الدبابات الثقيلة، ناهيك على اطلاعنا العميق والدائم على اعمال وتصاميم شركات الطيران وخصوصا الامريكية منها..". ويدل اشتغال "فوستر" المتجدد على اغناء ثيمة عمارة "الهاي – تيك" الذي يعتبر المعمار البريطاني المعروف واحدا من اشهر المعمارين العالمين انتماء لها وعملا فيها، يدل على حيوية هذا التيار وثراء الفورمات الشكلية التي يختزنها. وتظهر اشكال عمارته المتجددة والطليعية مثل "برج الفيصلية" (1993-2000) في الرياض، المملكة السعودية، ومبنى: كهرباء فرنسا "(1992-96) في مدينة "بوردو"/ فرنسا وكذلك "البنك التجاري: كميرسزبانك" (1991-97) في فرانكفورت بالمانيا وغيرها من المباني المعبرة تظهر مدى اهتمامه في تكريس هذا التيار في الخطاب المعماري العالمي والسعى وراء اثراء لغة العمارة المعاصرة: لغة عمارة ما بعد الحداثة.
شهدت الفترة الاخيرة من مسار تيار " الهاي- تيك" "هجرة" الافكار المعمارية التى اضحت سمة ملازمة لتلك المقاربة وانتقالها من عمارة الابنية العامة التى اشتهرت بها الى تابولوجية جديدة من المباني ولا سيما في حقل عمارة الابنية السكنية. وتظهر اعمال المعمار "سنتياغو كالاترافا" (1951) Santiago Calatrava الاخيرة ذات اللغة المعمارية المعبرة على اماكنية استيعاب عمارة الاسكان لطروحات الهاي – تيك، ونشير في هذا الصدد الى المبنى الاسكاني المتعدد الطوابق في مالمو (1999-2005) بالسويد حيث تعتبرعمارته الفريدة "المفتولة" واللولبية كاحد المواقع الاثيرة لسكان المدينة السويدية وزوارها. "فالجذع" الوسطى المخصص الى المصاعد والسلالم هو القسم الوحيد الثابت داخل نواة المبنى، كما انه يعتبر ايضا العنصر الرئيسي في المنظومة التركيبية التى استعير نظامها وحلها الانشائين من حلول وانظمة عمارة الجسور التى اشتهر بها المعماري الذي اوجد مفهوم "نحت العمارة" كاحد تجليات مقاربة "الهاي – تيك". والى ذلك "الجذع" تم ربط "صناديق" الشقق السكنية التى تغير من مواقعها كلما ارتفعنا نحو الاعلى بحركة لولبية صاعدة تصل، الى 90 درجة عن اتجاه الشقق في الطوابق السفلى.
ولئن بدا تيار "الهاي – تيك" في مطلع ظهوره يستقي مرجعيته التصميمة من عمارة الابنية الصناعية التى تتطلع الى حضور عالٍ للجانب الوظيفي النفعي المتمظهر عبر منظومة انشائية صريحة ذات مواد وحلول تنطق بصدقها وتحرص باظهار طبيعة موادها وكشف منطقية عمل عناصرها التركيبية ؛ فانها قد اكتسبت في الفترة اللاحقة طابعها الخاص واسلوبها المميز الحافل بخصائصة الجمالية وتنوع مرجعياته التصميمة وتغطيتها لانواع عديدة من نوعية "تابلوجية" المباني المختلفة؛ ما مكنها لان تكون، كما اسلفنا، واحدة من اهم تجليات عمارة ما بعد الحداثة واكثرها انتشارها في الممارسة المعمارية بالوقت الراهن. وكل ذلك يشهد بوضوح عن ظاهرة تعددية مقاربات المشهد المعماري العالمي وخطابه المترع بهاجس تنوع تياراته المختلفة.

  •  

  •  

  • تيارات عمارة مابعد الحداثة :تيار « الهاي – تيك»
    د. خالد السلطاني / معمار واكاديمي
    مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفن
    عراق الغد

 

فنون العمارة

إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط