•  

  •  

  • "في الرؤى بنيت مساكني وخطوت"
    عبد اللطيف الصمودي


إذا كان الإبداع الحقيقي هو فعلاً مضاداً للموت، فهل كفّ عبد اللطيف الصمودي عن الحياة برحيله؟ وهل غادرنا، إذا كان قد استطاع أن يصوغ أعماله من التوهج الأقصى للروح، من الجوهري في الحياة، من اللحظة الإلهامية المشبعة بالإزاحة والكشف . . من نفَسه ونبضه؟

كان على غرار أعماله، مستغرقاً في الحياة، الحياة التي تنتمي إلى الحلم، الحياة التي عاشها بكامل مجاهيلها وكمائنها، بكامل إشراقاتها وتجلياتها، وهو يحاول أن يتعالى بضحكته على الفجيعة، وبلوحته على غثاء هذا العالم الغارق بالخيبة . . كان مستمراً في صياغة مشروعه الكبير، يحشد بنقوشه ومنمنماته الإرث الحقيقي للإنسان، وفي كل لحظة يُقطّر فيها ألوانه على نسيج لوحاته كان الصمودي يسطّر سيرته الخالصة ويكامل أيقونته المحاطة بهالة الأرق والتجلي . فأية دلالة كان يريدها برحيله؟

لقد شكل رحيل الصمودي فاجعة كبيرة، ولا أدري إن كنا نرثي أنفسنا أم نرثيه، وإذا كنا نحاول مقاربة سيرته، أو أعماله . . فأية محاولة تلك التي نحاولها، فاللغة قاصرة، أمام الدهشة التي كانت تولدها أعماله، والدلالات قاصرة، أمام الكشف الذي أفصحت عنه رموزه عبر مساحات اللون التي يفردها . . لكننا نحاول ذلك، كي نتوصل إلى المعنى الذي كان يريده الصمودي، إن كان بمقدورنا ذلك

أو أن نستشرف الممالك التي كان يؤمها وهو يشكل عوالمه . . حتى جاء بمفاتيح سرية للإبداع.

وإن كانت الصورة التي شكلها تنتمي إلى الإرث الجمالي والوجداني للإنسان، فهي في الوقت نفسه تنتمي إليه وحده، ففيها تجلت فرادته، وعبرها تحققت أشكاله وتنامت رموزه، وهو يبتكر صيغة معادلة للكون .

وإن كان ثمة عزاء فلنبحث عنه في ما تركه من بدائع، وإن كان ثمة حكمة نتسلح بها فلنبحث عنها في ماء العبارة التي تندت بها أعماله، وفي الرؤية التي استقامت بها حروفه، فحياة الصمودي هي لحظة مديدة من الإضافة، من الانزياح، . . مندغمة في ما يرسم، وفي ما يتراءى له من معادلة قابلة للتحقيق، وقاعدة قابلة للهدم .

لقد كانت مفردات لوحاته هي المفردات التي صاغ بها عمره، المفردات التي جابه بها الموت حتى أنفاسه الأخيرة، وإذا كنا نريد أن نقارب هذه المفردات، فلأننا نريد أن نتزود بما تركه لنا، نريد أن نستعين بها لمجابهة الموت الذي يخيم علينا، سواء رسمنا أم كتبنا،أو سواء تأملنا للحظةٍ، إشكالية المعنى الذي تقف عليه حياتنا .

ولاأزال أتذكر اللحظة الأولى التي رأيت فيها بعض أعمال الصمودي، لقد كانت من اللحظات التي يتكثف فيها الشعور، وتتفتح بها المسام، لحظة تشترك فيها العين والروح في الرؤية . . لحظة الغبطة الخالصة والاندهاش . . وقتها عرفت أنني أمام نوع من الأعمال النادرة، الأعمال التي تجتمع في مكوناتها، جميع العناصر الأولية للحياة، وهي بذلك تختزن بنية الألق التي تفصلها عن شروط الزمان والمكان، إنها موغلة في القدم، وطازجة في الوقت نفسه، تجمع بين البدائي والعارف، بين الزاهد والمغامر، تبعث على الفرح والحزن . . إنها مزيج من السر والكشف .

كانت ألوانه تتجاور بشكل عضوي متولدة من عمق اللوحة، وليس من سطحها كأي نسيج حي يتشرب الضوء الذي يغمره، وخطوطه تتحور بما تفترضه الرغبة في التعبير، وهو يشكل كائناته الأسطورية، ونقوشه وخطوطه بانثناءاتها الزخرفية بما يترك المجال لبيئة اللوحة، أن تكون مشبعة بالنبض، كفسحة آهلة بالحياة .

إن أعمال مثل “واحة الروح”، “مقامات يومية”، “قوة الأمومة”، “بستان الذاكرة” إلخ، تحتفي بالحياة وتزخر بزخم كبير من الألوان الدافئة، ترصد اللحظات الحميمية، واللحظات المستعادة من فجر التاريخ الإنساني، إنها تأخذنا عبر إشاراتها وإحالاتها، إلى الطريقة التي عايش بها الصمودي نتاجه، وهو مسكون بالحياة إلى حده الأقصى، ومستغرق في عمله الفني كمصيره الوحيد . . وأتذكر أن لوحة “قوة الأمومة” من اللوحات الأولى التي شاهدتها في مرسم الصمودي، لقد كانت النافذة التي دخلت منها إلى أعماله والتي ما زلت من خلالها، وعبر تلك الحالة من الدهشة التي اجتاحتني، أتلمس أعماله الأخرى، كان ثمة لون رمادي مشبع مفرود على سطح اللوحة ومشفوع بألوان شفافة توزعت بمساحات صغيرة من الأزرق الأخضر، وكانت الخطوط التي نسجت تفاصيل العمل تمثل رسوماً لحيوانات ترجع في تحويراتها ورشاقة خطوطها إلى الرسوم التي خطّت على جدران الكهوف القديمة، إن قوة التأليف في العمل وروعة الرسوم وتوزيع العناصر والطاقة الروحية التي كانت تنبعث من عناصر اللوحة، قد تواشجت كلها، لتحمل صيغة الصمودي، وطريقته في التعبير، كل ذلك إلى جانب السرّ الذي حازه الصمودي كغيره من المبدعين الكبار الذين خلدهم التاريخ، إنه السّر الذي يجعل من الفن كونيا نافذاً ومتوغلاً في الأقاصي، كاشفاً ودافئاً وبسيطاً كأحد الكائنات التي ظل الصمودي يرسمها في أعماله، أو الرموز التي ظل يدسها في جدارياته أومنمنماته .

إن تجريدات الصمودي أو مشخصاته، هي نوع من بنية حلمية تخييلية مبتكرة، تسوق في نسيجها جملة من الرموز والدلالات التي لا يمكن فك شيفرتها إلا بإشراع الروح واستسلام الحواس للحالات الآسرة التي تشيعها، إنها تتكشف بالإصغاء الكلي إلى المرهف والمتواري خلف الهيئة العابرة، وتتحقق بالقدرة على الوقوف في مقاماته ذاتها، المقامات التي جازها عبر مراقي الوجد والانغماس في محاريب الروح .

وإن كان لا سبيل للإحاطة بما أنجزه الصمودي، فثمة عزاءٌ لنا أن نحاول حيازة بعض مفاتيحه، وتلمس بعض تعاويذه وإشاراته التي تسامى بها، علّنا نستطيع أن نشهر أرواحنا وقلوبنا بوجه كل ما هو زائف في هذا العالم، وأن نعيد الوجيب إلى قلبه الذي توقف على غفلة منا .

ملامح

غنى المفردات البصرية، وتعدد الإيقاعات اللونية، والزخم المتوزع في العمل، هي ما يميز الصمودي في تشكيل مقامته البصرية، التي جاءت نتيجة لإشباع الروح والعين والمخيلة بالمكونات الجمالية التي أحاطت بها، بدءاً من معايشته الدائمة للعمل الفني باعتباره الهاجس الوحيد الذي كان يعيشه، وانتهاءً بشغفه الكبير بالمصادر الفنية والمنجز البصري الجمالي الذي شكل مادة لوحته الفنية . . فطبيعته الشغوفة بكل ما يمكن أن يمد ويعمق مشروعه الجمالي، أسهمت سريعاً في بلورة أسلوبه بهذه الكيفية المتميزة، سواء عن طريق مصادفاته اليومية المتعددة: قطعة فخار يلتقطها من الأرض، يقلبها بيديه ويدسها في جيبه . . مفتاح صدئ قديم يلتقطه من ركام مرمي على الأرض، تعريقات زخرفية على نافذة زجاجية، سيرة الزمن على جدار قديم يلتقط صوراً له في أي بلد يذهب إليه أو عبر تقصيه الاحترافي وتنقيبه في المنجز الشرقي أو الغربي على حد سواء .

لذلك فإن ما يندرج ضمن أسلوب الصمودي الفني جاء في سياق تجربته جزءاً مكوناً لها، وليس على الطريقة التي يراه بها بعض النقاد في اعتبارهم أن مفرداته البصرية تمثل تعبيراً عن محاكاته للمنجز الجمالي الشرقي أو محاولة منه لمحاكاة هذا المنجز، سواء في المنمنمات الشرقية أو الزخارف الإسلامية . إنما هي مفردات استفاد منها الصمودي في بناء مشروعه وصورة لوحته .

من هنا يتجاوز الصمودي بتجربته جغرافيا المكان، وعقدة الهوية بمعناها السطحي، ليتحول نتاجه إلى مشروع ذي أبعاد كونية، له علاقة بتجاوز جميع الحدود والفواصل التي كانت عائقاً أمام نمو تجربة الكثيرين غيره الذي وقعوا في مطبات الأشكال والجماليات الجاهزة، خارج نموها وتفتحها الطبيعي .

وهذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نرى الحس الشرقي في لوحة الصمودي ومقاربته للكثير من الرموز الشرقية وطريقته في التلوين المنبثقة من بيئة معينة بحد ذاتها، متماهية مع ذاكرته البصرية، لكننا نؤكد أنها تكاملت ضمن سياق تجربته في طابعها الإنساني العام .

هل يكفي توافر الأدوات النقدية لفهم تجربة الصمودي، والتعريف بها؟ أم أن تتبع كيفية نموها ونضجها، هو سبيلنا للدخول إلى أسراره الإبداعية، ومفاتيحه التقنية وأعتقد ان النظر إلى مجمل المنجز البصري للصمودي بوصفه وحدة متكاملة على اختلاف مراحله وأساليبه وتنويعاته على مقاماته البصرية، هو الذي يمكننا من مقاربة هذه التجربة .

وربما من المفيد بدايةً، تعرف بعض مقاماته في شكلها العام، والدخول في ما بعد إلى مكوناتها الجزئية، وأساليبها التقنية، والطريقة التي تشكلت بها .

لقد كان الصمودي في مقاماته التجريدية . . غنائياً تطريبياً، تتضح عنده قوة التأليف والقدرة الاشتقاقية للّون بما يتماهى مع الفضاء الروحي الذي استطاع أن يشكله بمفرداته البصرية المشغولة بليونة خطية و تنويع زخرفي وبالنقوش التزيينية الموزعة في بنية اللوحة التي اتخذت قوام السجادة الشرقية والمنمنمات، في فضاء يمتلك طاقة عاطفية واضحة، وفي هذه المقامة البصرية ثمة فضاء طازج مشبع بالضوء .

وإلى جانب مقامته الغنائية . . هناك مجموعة أخرى من المقامات، تزامنت أو تدرجت في سياق تجربة الصمودي الإبداعية، وجاءت استجابة لمزاجه الإبداعي الخاص، وكي تحقق في ما بينها بنية متكاملة تمثل رؤية الصمودي وموقفه من العالم . . وتلقي الضوء على مناخاته النفسية، وغناه الروحي، ورغبته في التجريب وابتكار أشكال متعددة من التعبير، ومنها تلك المقامات التي بنيت بتقشف شديد في الخط، واللون، والتي خاطبت الجانب التأملي عنده وإحساساته العميقة، بنكهة صوفية متسامية .

وهناك الأعمال ذات الطابع التشخيصي، التي برز من خلالها الجانب التعبيري لدى الصمودي وقوة الرسم لديه وقدرته على تحوير الخطوط، وتشكيلها بما يعكس البنية الداخلية والعالم الروحي لعناصر اللوحة، كل ذلك بالحفاظ على هويته الجمالية وأسلوبه الخاص، فجميع أعماله تلك تندرج تحت إطار الهم الجمالي والأسلوبية الخاصة للصمودي، فبعض الخطوط التي كان يرسمها قادرة على اختزان تجربته الجمالية بكامل مكوناتها . . فقد امتلك القدرة على بث نفسه وروحه في كل ما ينتج، وربما يعود ذلك إلى عاطفته المتأججة والصدق الذي كان الصمودي يتعامل به مع مشروعه الإبداعي . وهناك الأعمال التي رسم فيها الصمودي المشهد الخلوي والمنظر الطبيعي، والتي نفذت بشاعرية كبيرة، ونكهة خاصة، امتزج فيها الصوفي بالغنائي، والسحري بالواقعي، عبر مجموعة لونية مرهفة، نسجها الصمودي من خيوط خبرته كلها، ومن نسيجه الروحي الخالص .

وإذا كان الصمودي قد ارتكز في بعض أعماله على المفردات الزخرفية والرموز التزينية، فهنا لا وجود إلا للأثير الملون، والنسيم الذي يجوب المشهد بكامله، الذي شكله الصمودي بمخيلة وعاطفة وقدرة على إشعال جذوة الروح والشعور، إنه عالم شعري أخاذ تبرز فيه بوضوح اللحظة الإلهامية والرهافة في توزيع اللون واشتقاقاته الغنية وتدرجاته الدقيقة . . ولاأزال أتذكر تلك اللحظة التي رأيت فيها أحد تلك الأعمال في أحد المعارض، لقد توقفت أمام العمل، وسيل من الغبطة والدهشة بدأ يغمرني، وأنا أفتش في أرجاء المكان وتفاصيل اللوحة عن السر الذي جعل من هذا العمل فاتناً، قادراً على اكتناز كل هذا الفيض من العاطفة والاندهاش، ولم يكن ثمة مكونات خارقة في العمل فقد كان بسيطاً وهادئاً بكامل تفاصيلة، ولا شيء سوى خطوط توحي بوجود جبل، ولون يشير إلى سماء عميقة يبزغ من ثناياها قمر، وعلى الأرض ثمة مساحات ملونة، تشير إلى التفاوت في ارتفاع وانخفاض، وقرب وبعد المشهد، وثمة على الزاوية اليمنى انعكاس للقمر على الأرض، إضافة إلى الفراغ والنور . والحقيقة أنني أتساءل حتى هذه اللحظة عن ذلك السر الذي يستطيع الصمودي من خلاله أن يشحن أعماله بتلك العاطفة المدهشة، وكنت كل يوم ولمدة شهر تقريباً أقف أمام هذا العمل، وأتأمله وأنا أبتسم، ويعاودني ذات الإحساس، وحين أحاول تفكيك اللوحة في كل مرة، لا أجد أيضاً ما يجيب عن أسئلتي، وفي كل يوم كنت أذهب إلى الصمودي، وأعيد عليه سؤالي، كيف رسمت هذا العمل؟ وكان دائماً يجيبني بابتسامة، وهزة خفيفة من رأسه، وكنت أؤمن بأن هناك لحظة إلهامية، ولمسة إلهية يتميز بها الفنان المتفرد، تحول العمل بين يديه إلى كون هائل وقيمة خالدة مشبعة بالحياة . ولا أدري فقد كنت أشعر بأن التوهج الذي أضاء اللوحة كلها هو الهيئة التي توضع فيها القمر على الأرض، والطريقة التي لوّن بها، لقد كف أن يكون مجرد قمر، بعدما أصبح بؤرة روحية وضوئية، اختزنت طاقة شعرية وانسكبت على فضاء العمل، فانثنت خطوط القمر، بطريقة خلابة ونابضة بإحساس مرهف .

بهذه الكيفية وعلى تلك الطريقة أنتج الصمودي أعماله، متوهجة دائماً بتلك اللمسة القادرة على انعاش الروح، وإشاعة العاطفة، بالبهاء اللوني، ورهافة الخطوط وقدرتها على التعبير، وبالمخيلة الخصبة التي تماثل نواعير حماة في انسكابها اللانهائي، وأنينيها الأبدي، تلك النواعير التي ترعرع الصمودي على جيشانها، ودورانها الذي لا يتوقف.

  •  

  •  

  • رؤى عبداللطيف الصمودي
    إسماعيل الرفاعي
    جريدة الخليج

 
 

ورقة من حياة فنان

 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط