•  

  •  

  • أن تكون رسام في عالم مليء بالعبوات والسيارات الملغومة بأصابع الشر والحقد الأعمى لكل شيء جميل ويوميات لقتلة محترفين, فهذا يعني أن تمتلك قلب ليس من حديد أو معدن آخر.. وأنما يجب أن تمتلك قلب مكون من ضوء القمر ولمعان النجوم وظل أزهار الياسمين, أي بالضرورة قلب مكون من عوالم تخلق في صاحبها الدهشة وحالة من التفرد اللوني وتردد لطول موجي لهذه الألوان لايستقر إلا في عمق المدى حين تصنع الشمس تلك الصبغة الحمراء في لحظة تجلي كوني في غاية الأتقان اللوني .. وهكذا هو قلب الفنان القدير هاشم حنون..,
    قال الشاعر أوكتافيوباث (لا لن نحفر للقبور تعالوا نحفر مكاناً للزهرة …)
    السؤال الذي يطرح نفسه ونحن أمام عدد كبير من الأعمال المدهشة بجمالياتها اللونية وصياغتها التعبيرية للفنان هاشم حنون , هل النص الجميل هو محاولة لكسر رتابة الحياة وتكرارها القاتل لروح الأنسان التي أدمنت الجمال .., أم هي محاولة بصرية وذهنية تنطلق من فكر وفضاء أنساني مستنير يريد أن يؤسس مدن جديدة ليس في قاموسها مفردات الحرب والدمار والقتل اليومي, أي بمعنى آخر .. هل هو يريد أن يبني عالم آخر جديد يقوم فوق أنقاض الماضي ..؟


أعمال الفنان بالتأكيد تمتلك الأجابة, لذلك عندما ننظر الى أعمال هاشم حنون خلال عقد التسعين العقد الأخير من القرن العشرين وبداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين, ستجد أن الفنان بدأ يشكل مدنهُ بالألوان الحارة والباردة معاً ليعطي لها الطابع الحركي المميز والذي يسرق النظرة الأولى للبصر من المتلقي فتحدث حالة من التماهي أو التجلي الروحي بين العمل من جهة والمتلقي من جهة أخرى, ولم يكتفي الفنان هاشم حنون بذلك بل عمد الى تأسيس هذه المدن من الوحدات البنائية من تركيبة جسد الأنسان, هذا البناء لم يعطي جمالية التكوين لأعماله الفنية فقط, بل أدى الى تكوين أبعاد روحية ووجدانية تأخذ الى أستلهام النص البصري من قبل المتلقي بشكل يبعث على أحداث حالة أشبه بالأستغراق الدرامي للحدث الذي يعالج من قبل الفنان في وجدان المتلقي, وذلك ليس بالأمر اليسير أن يصل الفنان بالمتلقي الى حدوث هذه الحالة الوجدانية للتفاعل بين الفنان والعمل من جهة لحظة الشروع في العمل الأبداعية أي لحظة الخلق الفني للفنان وبين المتلقي والعمل من جهة أخرى لحظة حدوث ذلك التفاعل البصري والتلاقي الفكري.
لذلك تجد حالة التجدد في البناء العمل الفني مستمرة لدى الفنان مادام هناك حالة من الهدم والخراب تستمر في الحياة الواقعية, وكأن هناك حالة أشبه بالسباق بين الفنان والعمل الفني كجزء من كل.. (وأقصد هنا الفن والفنانين ككل) من جهة وبين الفعل السلبي الذي يستمر في الحياة الواقعية حيث الحروب العبثية والأفعال الشريرة التي تحض على الكراهية والعدوان, لذلك تجد في أعمال هاشم حنون هناك حالة أشبه بتحريض المتلقي على الفعل الجمالي وهذا من أسما رسائل الفن التي نبحث عنها وهنا قد لا تكون القصدية هي الغاية, أي ليس الفنان يحمل شعارات لحظة الشروع بعملية الخلق الفني, وأنما الحالة الجمالية التي فطر الأنسان عليها بشكل عام, والفنان بشكل خاص هي التي تعمد الى توجيه الفنان الى هذه الغاية خصوصا أن كل القيم والمبادئ التي أتت بها الفلسفات والعلوم والفنون الأنسانية تجعل من الجمال المعادل الموضوعي للقبح, وأي قبح أكبر من الحروب والموت المجاني, وأي جمال أرقى من جمال السلام الذي يعمر الأرض ويحتفي بها وبتكويناتها الجمالية التي هي أحد مصادر الفن, لذلك تجدهُ في أحدى لوحاته يشكل من مجموعة من الناس الواقفين حالة بنائية عمودية تجتاز الأفق الفاصل بين منظورين الأرضي والسمائي وكأن الأنسان هو الرابط بين المنظورين, حالة البناء هذه التي يتبعها الفنان هاشم حنون في أعماله أحيانا تشعرنا وكأن هناك بناء جيلي يعمد الى أستخدامه الفنان, أي بمعنى هو يتخذ من التعاقب الجيلي للأنسان أحدى السمات التي تدخل في تركيب وحدات البناء في العديد من أعمالهِ وهنا عنصر الزمن هو الذي يهيمن على حالة السايكولوجية للنص المدون, وبما أنهُ عمد الى نسج بناء المدن من تركيبات الجسدية لعدد من الأشخاص المشاركين في الحدث أو الأصح هم الفعل المحرك للحدث, هذا الشيء أدى بدوره الى تكوين تعاقب زمني للمدن يرافق حركة الحدث وهذا الشيء اخذ جانبين.. الأول: الجانب الزمني في تعاقب المدن وكأن ما أن يصيب هذه المدينة أو تلك, الهرم واليباس أوالتهشيم والخراب نتيجة الحروب والحصار ورائحة موت الأنسان والطبيعة والحيوان حتى تنهض مدينة أخرى ترافق الزمن الجديد الذي أتى مع الجيل الأنساني الذي اخذ ينهض فتنهض معه هذه المدينة أو تلك, لذلك نلاحظ أن الطيور التي ترافق هذه المدن والأنسان ماهي إلا بشارة على هذا النهوض الجديد لهذه المدن التي تخلت عن أسمال الماضي وركامها وجدرانها المتصدعة, نرى ذلك بوضوح في أكثر من عمل خلال هذين العقدين وما الحمامتين ذات اللون الأبيض والأزرق إلا دلالة لأشراقة هذه المدينة التي أسطبغت بدماء الشهداء التي روّت أرضها لتتجدد مع أجيال جديدة تبحث عن أشراقة الأمل والبسمة الصباحية التي تندلق مع قطرات الفجر الجديد كما نرى ذلك في أحد الأعمال.
الجانب الثاني هو عنصر المكان الذي يحتضن تعاقب الأجيال سوى للانسان أو المدينة, لذلك نرى أن الفنان عمد الى حالة بناء في المنظور تتخذ أكثر من حالة, مرة يعمد الى حالة تعاقب المنظور المتعدد معتمداً في ذلك على التلاعب بوحدات الكتل اللونية من حيث الكثافة اللونية, والأخرى الى حالة التضاد اللوني بين الألوان الحارة والباردة, والثالثة أعتمادهُ على تقنية العمق والسطح بين مساحات البناء اللوني مستخدما في ذلك تكنينك الخشونة والنعومة لسطح اللوحة, قد يسأل المتلقي مالذي يجعل الفنان هاشم حنون الى أستخدام هذه الأساليب التي تدل على مهارة وحرفية عالية؟
الجواب.. ذلك يعود لعدت أسباب أحدها وهو السبب التقليدي من أن الفنان مع أمتداد تجربته الفنية تطورة لديه التقنية والحرفية من خلال البحث والتجريب لذلك يعمد بين مرحلة وأخرى الى الزج هذه الأساليب في أعماله كي يطلع عليها الباحثون والنقاد والجمهور المتشوق دائما لكل شيء جميل, أحد الأسباب الأخرى لكل موضوع أو فكرة التي يتناول مشاهدهّا الفنان في عدد من أعماله تحتاج هذه الفكرة الى قالب وأسلوب تعبيري بالضرورة يكون مناسب لها ويعكس قوتها التعبيرية التي يريد الفنان أن تترك أثرها الجمالي والبصري والسايكولوجي في وعي المتلقي, هذه الحالة التي يعيشها الفنان هي حالة الخلق الفني التي يصاحبها أنفعال فني عالي وحساسية شديدة أتجاه السطح الذي ينتظر التدوين, لذلك يقول فلوبير..(كأن ما يعذب حياتك يُعذب أسلوبك في الكتابة...) وهذا الشيء الذي يصدق على الكتابة في الشعر والقصة هو أيضا ينطبق على الرسم لأن الرسم هو نص بصري يحمل لغة شعرية, لذلك كانت رحلة الفنان هاشم حنون من موكب الشهيد والأحزان المصاحبة لهُ والتي ملأت جدران مدننا باللافتات السوداء الى رائحة القهوة المصاحبة للعزاء لأهالي الشهداء, مرورا بقرى الطين ومدن الصفيح التي نسمع فيها آهات اليتامى والأرامل ووجع الفقر وصولاً الى مدن تملأ فضاءاتها الأتربة ودخان النيران المشتعلة في حرائق مدن البترول.., كل هذه الرحلة المليئة بالعذاب مرة والتأمل أمام وقائعها مرات وفرح لذة النجاة من شظايا الموت, جعلت الفنان هاشم حنون يصوغ من خلال هذه الرحلة عدة أساليب يعتمدها حسب الموضوع المعالج في أعماله, لذلك بينما كان المتسلطين على رقاب الشعب أيام النظام الصدامي السابق يتفنون في خلق أساليب تعذب المجتمع ببنيته الطبوغرافية, كان هاشم حنون يتفنن في كيفية أكتشاف الدهشة العذبة في أسلوبه ويمضي عبر الأيام والسنين وهو يترك لنا مدن ملونة خلق المعادل الجمالي ليقيم على أنقاض الماضي مسلات الطين التي يستحضر بها حضارة وادي الرافدين يصنع مدن ملونة تسكنها أفراح العيد وصباحها يستفق على خطى ضفائر الصبايا وضحكات الأطفال, هل هناك أجمل من هذا التضاد الأنساني الذي يقدمهُ الفنان بينما يتعذب مسار حياتهُ الفعلي لما يراه من وقائع يمر بها بلدهُ, تجدهُ يتوهج ويتألق ليدهشنا بتوهج لوني تحتفي بها مدنهُ في معرض فضاءات ملونة والتي هي بالتأكيد مدننا التي نريد ونحلم بها.
المسار الآخر في تجربة الفنان هاشم حنون كان يتجسد في محورين أحدهما معاصر وهو الذي أتخذ من رموز التراث البصري والبغدادي كالبساط الذي يظهر في عدد من أعماله وبائع الحلوى والشامية أو (شَعر البنات) الذي كنا نتهافت عليه أيام طفولتنا, وأستلهام الشكل الفني من الأبواب والشبابيك البصرية والبغدادية في العديد من أعماله الذي أتخذ في بنائها التكوين العمودي, أضافة الى أستلهام الأجواء الأحتفالية لقدوم العيد متمثلا ذلك في الرجل الذي يعزف على المزمار وترافقه الصبية هذه الرموز والعناصر أعتقد أعطت لمدن هاشم حنون وقرى طفولتنا شيء من العذرية التي جعلتّها مدن وقرى عذراء جعل من مساس بها بمنجزرات الحروب ووحشيتها هي حالة التي تشعر المتلقي بذلك الالم وهو يتعاش مع هذه الأعمال.
أما المحور الآخر الذي أستخدمهُ فناننا هو أستلهام الكتابة الجدارية والتي تشابة الى حدا ما كتابة وادي الرافدين في الحضارتين السومرية والبابلية والرسوم الفنية التي رافقتها, ونرى ذلك بوضوح في أعمال مدن ملونة ومعرض مسلات الطين ومعرض فضاءات ملونة وعدد من الأعمال الأخرى, ونجد هذه الكتابات والرسوم التي تأتي حيناً على شكل رموز وكتابات يكتبها الفنان على أجساد الأشخاص, وحيناُ آخر تكون مدونة على البيوت والجدران, وأحياناً يرسم وجوه متعددة أو أقنعة لكنها مفردة, يصور بها الحالة السايكولوجية للنص المراد تدوينة وايصاله, وأخرى يستلهم هذه الرموز ليصنع منها أشكال مربعة كل مربع لهُ مشهد حركي أو مشهد تعبيري يصور أو يجسد حالةً أو فكرةً ما.
في ختام دراستي هذه أود أن أقول أني حاولت أن ألم ببعض جوانب والأساليب الفنية ودلالات المعاني التي حاول أن يجسدها المبدع هاشم حنون خلال العشرين عام الماضية, وأقول ان الفنان أراد أن يعبر من خلال روايته الملونة عن آمال وتطلعات تكتنز في وجدان المبدع والمتلقي معاً, هذه الرواية هي بالتأكيد تحمل في طياتها دلالات أنسانية قيمة وافكار وجدانية كبيرة تضرب في عمق التاريخ جذورها إلا أن أوراقها الخضراء مازلت تظلل الطريق التي فيه تمضي هذه الأجيال, أنهُ مضى وسيمضي أبداً وهو يحمل بين أضلعه ذلك القنديل المتوهج ماراً بكل مدن الطفولة والصبا في بلده أو المدن التي سيقيم فيها ليزرع الدهشة اللونية وآثارها الحلمية, ذلك المسافر أبداً عبر مدن الدهشة اللونية هو الفنان العراقي القدير هاشم حنون..

  • هاشم حنون المسافر أبداً عبر مدن الدهشة اللونية
    سلمان الواسطي
    أريزونا – الولايات المتحدة

 
 

ورقة من حياة فنان

 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط