•  

  •  

  • صليبا الدويهي من المحلية إلى العالمية (1994-1912) عنوان كتيب, صدر أخيراً متضمناً شهادات في الفنان اللبناني العالمي الراحل, لمناسبة التحضير لمئويته العام 2012 كتبها صديقه المحامي بدوي أبوديب والأب يوحنا الحبيب, صادر الانطوني والفنان جورج الزعيتيني.
    يقول النقيب جوزيف رعيدي رئيس جمعية إنماء الجميزة -درج الفن: "ذوب صليبا الدويهي الألوان من ألوانها وانطلق إلى رحاب العالمية, فخرج باكراً من التقليد, ولم يقلد أياً من رواد الغرب في عالم الرسم, بل برع وعرف فناناً فريد نوعه, أصيلاً في لبنانيته, ملأ متاحف الغرب بأعماله وظل مشدوداً إلى لبنان و»إهدن«, تشهد له جداريات الكنائس وزجاجياتها, تلك الأعمال التي جدد في مدرستها, محافظاً على مهابة القداسة, في قالب عصري قريب من أفئدة المؤمنين وروحانيتهم.


صليبا الدويهي أممي الفن اللبناني المعاصر, ثائر ضاق الغموض والتجريد بريشته, فأنقذهما باستيلاده لهما أبعاداً جديدة, مستعيناً بما منحه له لبنان من زاد فكري وخيالي, أينما حط رحاله, استنزف اللوحات حتى آخر رمقها الجمالي. وبالغ في تحميل الأشياء مكنونات جمالها, فازدادت ريشته بلاغة ومشت جدارياته الكنائسية, في زياح التسابيح الدائمة, من الكلاسيك إلى التجريد, إلى الحروفية. الفن عنده رحلة لم تتوقف, لو أمد الله بعمره لنتقل حتماً إلى مغامرة جديدة.. ما كان له أن يهدأ ويجد الراحة إلا في بلدته إهدن, ربما لأنه كان يغرف من معينها هذا التوق إلى التحدي.


1972 اخر معرض
الدويهي من مواليد إهدن 1909, درس مطلع الثلاثينيات في محترف حبيب سرور, وتابع الدراسة في فرنسا وروما, ليعود إلى لبنان منتصف الثلاثينيات, ثم يغادره العام 1950 إلى أميركا. عاد في زيارتين في العامين 1955 و1970 لتنفيذ بعض الأعمال الفنية في الكنائس, ولم يزر لبنان منذ السبعينيات, إذ أقام آخر معرض له في بلدته إهدن صيف 1972 وبقي منذ ذلك الوقت يتنقل بين أوروبا وأميركا, حيث دخلت لوحاته متاحف كثيرة إلى أن توفي في نيويورك.


هو من جيل قيصر الجميل, وعمر الأنسي, ومصطفى فروخ ورشيد وهبي, ليس من الناحية الزمنية وحسب, إنما من ناحية التوجه التشكيلي, فجميعهم انطباعيون على شيء من الواقعية, وقد تجاوز هذا الخط الفني الذي بقي زملاؤه ينتهجونه طوال حياتهم. فمنذ الخمسينيات انتقل إلى ما يصفه بعض المتحمسين ب¯ »التجريد الصوفي«, وهي المرحلة نفسها التي يراها البعض الآخر أنها أضعف نتاجه وأقله ارتباطاً بحقيقته كفنان لبناني, وفي هذا إشارة إلى المراجع التشكيلية الغربية للدويهي, وعلى أي حال, ترتكز أعمال هذا الفنان على الوجوه والمناظر والطبيعة الصامتة ونادراً العري والمواضيع الدينية.

 
في حلقة صغيرة للمثقفين والفنانين في نادي شراع أنطلياس ضمت ميشال بصبوص ومنير أبو دبس وغيرهما, ألقى صليبا الدويهي كلمة في الرابع عشر من آذار 1973 ومن جملة ما قال »قصتي مع الرسم أعظم قصة, قصتي مع الرسم والتصوير, واختباراتي الفنية عبر السنين تشكل قصة حافلة بالمتاعب والمصائب والأعباء الاجتماعية, لذلك فالكآبة تتغلغل دوماً في تقاسيم وجهي ومع ذلك فالابتسامة لا تفارق شفتي. قصتي (...) بدأت كتابتها بواسطة اللون والخط منذ الصغر, ولقد وهنت همتي ولا أزال جاداً في تحضيرها. وقد لا أنتهي من كتابتها فأنا أنهج منهجاً واحداً في الفن ولم أنسج على منوال الآخرين مع أن "التشبه بالكرام فلاح" فانطلاقاً من هذا الوضع الشاذ الغريب الذي أردته لي صليباً أحمله الحياة كلها, لم أتخذ الرسم والتصوير مهنة للكسب أو وسيلة للعيش (...) لقد مشيت على دروب الفن الصعبة المرتقى ليس فقط بملء إرادتي بل إن الملكة الفنية الكامنة في داخلي صقلت شعوري وهذبته, فدب في ميل عميق نحو التصوير فأصبحت أشعر بضرورة تعبير ذاتي مثلما يعبر الولهان العاشق عن وجده وهيامه«.


كان صليبا صغير السن عندما قادته الملكة الفنية إلى حدائق الجمال من حيث لا يدري, ورغبته في التعبير عن جمالها وكشف أسرارها بمختلف الوسائل, بالقلم, بالحبر, بالألوان, بنقر الحجر, بالصوت العذب, بالمقاييس الهندسية, بالرقص, بالإيماء, واختيار اللون والخط, وثبت عليهما بقلبه وعقله وبدأ يرسم بلا هوادة ودونما معلم وقواعد, وكان كلما أنجز عملاً شعر بنشوة الغبطة والبهجة والسرور, إلى أن ترك مقاعد الدراسة وهو في نهاية الصف الثالث حيث توجه إلى بيروت ليتدرج على يد الفنان حبيب سرور, ثم دعاه البطريرك أنطوان عريضة ليزين كنيسة مقره الصيفي في الديمان بالرسوم الدينية (...) وعلى صقالة خشبية عالية صعد ليقضي ثلاث سنوات من عمره تارة واقفاً وطوراً راكعاً (...) رسم أجساماً بكاملها أكبر من القياس الطبيعي وبمختلف الأوضاع. رسم رجالاً ونساء بالزي اللبناني.


ولما قام الجنرال ديغول بزيارة إلى المقر البطريركي, كان هو الأسبق إلى اكتشاف الظاهرة الفلكلورية الوطنية اللبنانية (من محاضرة ألقاها الدويهي في أنطلياس... بعد بيروت سافر صليبا إلى أميركا, مفتشاً عن الجديد, تاركاً صيته الفني الكلاسيكي العريض. "إن هناك أمراً روحياً لا غير, أمراً واحداً غريباً عن المادة حملني على التزام السفر إلى الأرض الجديدة ألا وهو الرغبة في اكتشاف البعيد البعيد والاستطلاع على ما يدور في فلك النشاط الفني, أمراً واحداً يحمل حب المغامرات الفنية الواسعة المدى. إنني منذ زمن طويل أعلل النفس بخوض معركة الفن العالمي وقد هيأت العدة منذ أن تركت لبنان, ولولا هذه المغامرة لما هاجرت لبنان ولا غرو إن رددت مع شاعرنا سعيد عقل:


"انا حسبي أنني من جبل

هو بين الله والارض كلام"


يقول الناقد والفنان سيزار نمور لـ»السياسة« ان معرفته بالفنان صليبا الدويهي تعود إلى العام 1971 حين التقاه مراراً في منزل الشاعر يوسف الخال الذي أقام له معرضاً في "غاليري وان" في حي البطريركية, غير أن صداقتهما توطدت حميمية ابتداء من العام 1989 في باريس واستمرت حتى الساعة الأخيرة في مستشفى نيويورك ظهر الجمعة في 21 يناير العام 1994 تتلمذ الدويهي على حبيب سرور حوالي أربع سنوات تعلم فيها رسم تماثيل الجفصين والطبيعة الصامتة وغسل عدة الرسم.. ساعد سرور في رسم بعض الصور الدينية ووقف أمامه مثالاً للقديسين, أرسل بعدها بمسعى من حميد فرنجية إلى باريس بمنحة من الدولة اللبنانية. لم ينجز أعمالاً كنسية كثيرة, كان شعوره في العالم الماضي بأن أموراً كثيرة تختمر في نفسه وأنه يتهيأ لإنجاز أروع أعمال في الكنائس وقد نفذ أربعة فقط مهمة هي:
- جداريات كنيسة الديمان, التي أنجزها بأسلوب الفريسكو (1936- 1940).
- لوحات كاتدرائية مار يوحنا في زغرتا (28 لوحة 1956 -1957).
- الزجاجيات المعشقة في كنيسة مار شربل الحديثة-(عنايا 1971).


التحول الى الشرقي
تأثر بداية بعصر النهضة. أما عن تحوله إلى النمط الشرقي يقول نمور: على لسانه: "عندما سافرت إلى أميركا العام 1950 وتعمقت في الدروس وجدت أنه يجب أن أحذو الحذو الشرقي على طريقة الفسحة الواحدة, كالخط العربي, كالفن الياباني, مسطح ليس فيه تجسيد, لا يوجد فيه أشياء تغري لأن الأشياء المغرية مثل فن عصر النهضة شوهت الديانة المسيحية, رسموا صدوراً ونهوداً وأرجلاً, جسدوا جسم الإنسان في الدين المسيحي, وعندما نشاهد صورة في الفن البيزنطي نركع بخشوع ونصلي, لأن فيها روحانية الفن البيزنطي هو نبع لي ولغيري من الفنانين حتى اليوم«.


في رسائله إلى الأب يوحنا صادر الأنطوني كتب العام 1964 يقول ما نصه: في محترفي اليوم رسوم تجريدية ليس فيها ما يحاكي الطبيعة وبعيدة عن المواضيع التي تروي الحكايات والقراديات.. لوحات صورت في حالات لا واعية وعن غير قصد, ضربات الفرشاة صاخبة وعريضة, وأحياناً وأنت تقترب من لوحة تجد قسمة من لون واحد كبيرة, ما أوجدتها الفرشاة ولا أصابع اليد, بل طريقة غريبة أنتجتها التجارب في الليالي الهادئات. أما مقدمات اللوحة الجديدة فترتكز ولا شك على ماضٍ فني يتململ في دمي ويحوم كالموسيقى, حول شغاف قلبي ومع أن لوحاتي الحديثة هي بنات أفكاري لا تساعدني في أن أطلق عليها اسماً معروفاً ينم عن محتوياتها, وبإمكان الناظر إليها أن يخلع عليها لقباً كما يخيل له.


في رسالة أخرى العام 1969 يقول: »إذا كان الإنتاج الفني نتيجة لذة الخلق فأجيب أن نتيجة لذة الخلق تكبد ومعاناة, بعد اكتمال العمل الفني ينام الفنان على قلق وينهض على قلق مستمر, إن لذته بعمله لذة ضئيلة ولا تضاهي لذة عشاق الفن الذين يحبون الفن ومبدعيه. ترى في لوحاتي هدوءاً نفسياً عميقاً فكأنك الناقد الماهر.. إن ذلك الهدوء هو نتيجة تلك الثورة التي فتحت أمامي سبيل المعرفة إذ كانت منفذاً لي وملاذاً, أما اليوم فقد خمدت تلك الثورة وأمست نارها المستعرة وهج جمر حار لا يخمد إلا بتوقف دقات قلبي«.


صديق الدويهي أديب زعتر من زغرتا قال عن أيامه معه: كان بين بيته وبيتنا في زغرتا رمية حجر هو وأهلي من رعيل واحد, أحب شيء لديه هو أن يشرب القهوة صباحاً عندنا لنتسامر معاً, فالحديث معه ممتع وطريف, بواكيره درزها على جدران بيتنا, وهي الى اليوم تزدان وتتألق (...) وحين كرت سبحة الأيام وبدأ نجمه يسمو, غادرنا إلى فرنسا أولاً ثم الى بريطانيا وأميركا وهناك بدأ يوشح العالم بألوانه الشرقية فسلطت الأضواء عليه وبدأ بالصعود.


ويروي زعتر عشقه لإهدن مسقط رأسه وملعب أحلامه في مطلع أيار (مايو) من كل سنة كنا نصعد إلى إهدن وكانت زهور "الوزال" ترافقنا طوال الطريق إلى النبع كان يقول عن تلك الزهرة البرية الصفراء انها تفتح الشهية بجمالها ورائحتها, ثم نتجه سيراً نحو نبع مار سركيس أو النبع المقدس كما كان يسميه, نتأمل جمال الربيع بأبصارنا وكان يسبقنا إليها ببصيرته, وعند مدخل النبع قال لي يوماً: عندما أطأ هذا المكان أشعر بأنني داخل إلى كاتدرائية كبيرة وأنني مدعو إلى الصلاة والتأمل, أليس الفكر هو أسمى أنواع التأمل.


ومرة حاوره زعتر دون آلة تسجيل أو ميكروفون قال له: ما أجمل العطور لديك? أجابه: عطر الوزال. والروائح? رائحة الزعتر, الذي يتصدر سفرتنا, وأحب الألوان? أجاب: ألوان الخريف الغنية بأنواعها. وقال زعتر: عندما كان يكتب أو يرسم كان الفن يجري في عروقه.. كان يتذوق الأدب الرفيع ويحدثك عن جمالاته من جبران إلى نزار قباني وصديقه أدونيس.. سألته مرة: ما أجمل ما رأيت في إسبانيا? أجاب: حديقة الأسود إنها آية من الفن والتنسيق والجمال الأندلسي.


الامين على تراثه
الفنان جورج الزعيتيني قال في صليبا الدويهي انه كان أميناً لتراثه وخصوصيته المميزة في الحداثة رغم تجاربه الفنية الكثيرة منذ انطلاقته في الديمان العام 1939 وحتى آخر رمق من حياته... صعد سلم الفن التشكيلي درجة درجة من الكلاسيكية إلى الانطباعية وإلى التجريدية (...) راح يجوب المناطق اللبنانية حيث جسدها في لوحات انطباعية تمثل القرى والوديان والجبال إضافة إلى الفلكلور الشعبي اللبناني حيث جماليته وألوانه تحكي قصة حياة الناس اليومية ومشاعرهم.


هذه الانطباعية انفرد بها الدويهي عن جيل الرواد من قبله, الذين كانوا يهتمون فقط بتصوير الوجوه البشرية أو صور الكنائس المطلوبة, لذلك فلوحاته الفلكلورية أتت تعبيراً صادقاً لمشاعر الناس وحياتهم اليومية وتقاليدهم المتوارثة, بعدها أصبحت شهرته واسعة وبدأت معاناته بين المحلية والعالمية حيث كان يقول: "... شعرت أنني بحاجة إلى أن أجدد وأطور في فني... بحاجة إلى كسر الألوان القديمة, أن أخرج أكثر إلى العالم وأدخل في حركة الفن العالمي, اكتشفت أن الفن ليس فقط تمثيلاً للطبيعة, وعظمة الفنان الحقيقية هي حين يستطيع أن يمثل طبيعته الخاصة. المهم أن يضع الفنان جزءاً من ذاته من روحه في لوحته, يمكن أن يأخذ من الطبيعة نماذج يجعل منها نسيجاً لذاته. فالفنان الذي يتكل على نظره فقط لا يتوصل سوى إلى الخروج من الدائرة الذاتية الصغيرة.


هو جسد في تجريدياته التراث بكل ألوانه وبأسلوب مميز جمع الخصوصية الفردية الشرقية من دون أن يغفل أو يغرف من حضارات الأمم الأخرى حيث ثقافته المنفتحة والمتنوعة بين الشرق والغرب, هضمها بسهولة وأخرجها في حلة جديدة من ضمن تراثه وتقاليده اللبنانية الأصيلة العربية والشرقية. هذه الخصوصية الفردية التراثية هي من ميزة الفن التشكيلي المعاصر.

  •  

  •  

  • رسم جداريات كنيسة الديمان ولوحات كاتدرائية ماريوحنا زغرتا وزجاجيات مارشربل الحديثة
    صليبا الدويهي أممي الفن اللبناني المعاصر... استنزف اللوحة حتى رمق الجمال الأخير
    بيروت - ليندا عثمان
    Saliba Douaihy
    السياسة

 
 

ورقة من حياة فنان

 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط