Blue Venus
Anthropometrie
Victory of Samothrace 1962
Blue sponge relief
ANT 148
Blue monochrome (IKB 82) 1959
 
 
  •  

  •  

  • برز فن الجسد بشكل متزايد في القرن العشرين على اختلاف استعمالاته إما كموضوع أو كمادة جزئية من العمل، حيث قدم الجسد بجميع أشكاله ومظاهرة المحتملة، فمن خلال الجسد يتعايش الفنان ضمن العمل دون أي مبالغة وذلك إما كعرض مباشرا في شكل أداء حركي أو بشكل ضمني في الصور الفوتوغرافية أو الفيديو، فقد يبدو فن الجسد كنمط مجدد ومتوسع من التقليد القديم لفن رسم الوجوه “ البورتريه” أو رسم الأشخاص. فهؤلاء فناني الجسد أو فناني الأداء الجسدي “performance Art” قاموا بنقل الفن خارج صالات العرض نحو فضاءات غير متوقعة وأيضا باستخدام خامات غير متوقعة في محاولة لكسر الحواجز والحدود بين الفن والحياة، فهؤلاء الفنانون مزجوا بين التجارب البصرية والتجارب الحسية فقد صورا احساسهم وقلقهم الممزوج بالذنب والضياع الفردي في نهايات القرن العشرين.


البداية كانت دائما مع مفاتيح الفن الرئيسية أمثال مارسيل دوشامب وجاكسون بولوك، ففي كتاب “Artist Body “ تم طرح العديد من أولئك الذين لعبوا أدوارا مهمة في استعمال أجسادهم، لخلق أعمال فنية ففي الستينات ظهر كلا من Carolee Schneemann) (Rudolf Schwarzkogler) (Yoko Ono) أما في السبعينات فبرز كلا من (Chris Burden ) (Marina Abramovic) (Ana Mendiera)(Mona Hatoum) (Yasumasa Morimura) وغيرهم الكثير، ممن ناقشوا فن الجسد والأداء الحركي، من وجهة نظر تعكس مدى تمردهم ومعارضتهم لأوساطهم وخلفياتهم المتعلقة بتاريخهم الاجتماعي في ذلك الوقت .

أحد أولئك كان إيف كلين “(Yves Klein) - 1928 الفرنسي، الذي عاش في باريس، الذي اعتبر من احد المؤثرين في تطور الفنون المختلفة، فقد تميز بتوقيعه وطابعه الخاص والذي سماه “أزرق كلين الدولي” “International Klein Blue” وكان مؤمنا بأنه يمكن أن يؤدي المستحيل، درس الجو دو وكتب كتابا في موضوعه بعد ذلك أخذ طريقه ليكون له مدرسته الخاصة بالجو دو في باريس في الفترة من عام 1955- 1959 كذلك عزف كلين الموسيقا في فرقة للجاز.

كلين ابتعد في أعماله عن استخدام كل الأساليب والمواد الخامة التقليدية للرسم، فبدلا من استخدام الفرشاة لرسم الموديل، استخدم أجساد الموديل وهذا ما سماه “الفرشاة الحية”، فقد صبغ أجساد النساء بالألوان وبالضغط تحولت هذه الأجساد إلى طبعات على الكانفاس، وكخبير في الجودو يؤمن كلين بأن الجسد مركز طبيعي ومصدر للطاقة الحيوية، وقد قام بتطبيق مبدئه في هذا العمل، حيث خلق تقنية جديدة للرسم بجعل اللون ينطلق مباشرة من الجسد. فقد كان ذلك أول تطبيق لاستخدام الجسم البشري بهذه الطريقة. وكانت رغبة كلين أن تبقى فكرة عمله في ذاكرة المشاهد، لذلك أراد أن يكون عمله كالحدث لا يمكن أن يتكرر.

وفي أثناء العرض ارتدى كلين بدله رسمية وربطة عنق بيضاء فهو لم يلطخ يديه بالأزرق، وإنما قام فقط بتوجيه العارضات وخلال العرض “Performance” كانت الخلفية عبارة عن سيمفونية موسيقية أداها مجموعة من الموسيقيين لمدة “20” دقيقة تبعتها “20” دقيقة من الصمت، خلالها استخدم كلين مصورين لتوثيق عمليات إنتاجه لأعماله. هذه الطبعات ذات اللون الأزرق، تشبه إلى حد ما الرسوم ما بين التجريدية ورسوم البورتريه، والتي مزج فيها كلين بين علم الإنسان ودراسة نسب الجسد الإنساني، لتبدو في هيئة أجساد برية شبه متوحشة.

يقول كلين:لقد رفضت استخدام الفرشاة منذ فترة طويلة وهذا أمر شخصي ونفسي، فقد رسمت بكل الادوات ذات الأشكال غير المحددة كالبكرة، وغيرها، محاولا خلق مسافة بيني وبين الكانفاس أثناء تنفيذ العمل، أما الآن استخدم الفرشاة وبذلك تعود الفرشاة ولكن فرشاة حية! في رأيي أن لحم الجسد هو المتحكم باللون وهو الذي يضع اللون على سطح الكانفاس، ولكن هذه المرة بدقة مثالية. كنت قادرا على إبقاء المسافة بيني وبين الكانفاس كما هي.. لكني بذلك سأكون قد سيطرت على عملية إنتاج وتكوين العمل، إلا أنني أردت أن أحول التركيز على الأداء التمثيلي للفنان، حينما أوجه العارضات أثناء تنفيذ العمل ، أكون أنا القائد تماما كما أقود الفرقة الموسيقية.

هنا يضيف كلين قائلا: من خلال أعمالي أنا اترك آثاري على العالم، وهذا ما فعلته، فعندما كنت طفلا كنت أطبع آثار يداي وقدماي بالألوان على الأسطح، كنت حينها أبرهن على حواسي الخمس، وعندما حاولت لعب ذات اللعبة وأنا مراهق، واجهت العدم، وعرفت ما هو الفراغ، الفراغ العميق، الكامن في أعماق الأزرق يومها كتبت اسمي على السماء بواسطة طائرة خيالية، وأنا متمدد على شاطئ نيس Nice، كرهت يومها الطيور.. كرهتها لأنها كانت تحاول ثقب فتحات.. عميقة ومظلمة في أجمل وأعظم أعمالي الفنية! ما أردت توضيحه هو أن الرسام في الماضي كان يذهب إلى الموضوع، يعمل خارج الأبواب، في الطبيعة، وكانت قدماه على الأرض... يا له من وضع صحي! واليوم يحمل اللوحة حامل أكاديمي، يسجن الرسام في الاستوديو الخاص به.. ويجعله وجها لوجه أمام مرآته المرعبة والتي هي الكانفاس... لذلك لم ارغب في أن أغلق على نفسي في مناطق روحية مفرطة بالفن والحس العام البسيط جدا! لذلك استخدمت أجساد العارضات.. فلم اهتم بأشكال، انحناءات، تقوسات، أيادي، أرجل أو حتى رؤوس هؤلاء العارضات... ما كان يهمني هو التأثير الجوهري للحم الجسد نفسه.. وأكثر ما كان يهمني هو ان يكون الجسم حيا.. فقط القوة وليس العقل”.

أحد أعمال كلين في كتاب “فن القرن العشرين the century art book 20 بعنوان “لوحات النار” هذا العمل الذي كان أول بدايات كلين في التجريب، ففي أوائل الستينات بدأ يجرب بواسطة النار، عمل في مركز للغاز في باريس، اشتغل لهذه الشركة وفي ذات الوقت قام باهتماماته الشخصية في المزج بين الفن والمعرفة التقنية، ففي عام 1961 عمل سلسلة من “لوحات النار” حيث مزج في هذه اللوحات بين فلسفة الحياة والموت.. فقد كانت أهمية هذه اللوحات تماما كأهمية الصور الفوتوغرافية التي أخذت لكيلن أثناء أدائه وتنفيذه العمل، فقد خطط كلين للعمل بدقة شديدة، وحدد اتجاهات الطلقات النارية بنفس الدقة، وذلك بمساعدة صديقة “ أليكس كوستا” الذي ارتدى ملابس رجل الإطفاء، بينما كلين ارتدى ثلاث قطعا من تلك البدلة، هنا كلين يمثل ويؤدي أدوارا لأشخاص من الناس، أما دور صديقة “اليكس كوستا” أن يحمل خرطوم الماء ويوجهه مباشرة على قماش الكانفاس، الأمر الذي خلق بالطبع انطباعا بوجود خطر في المكان.. وساهم في خلق هالة من الدراما المسرحية. ربط كلين عمله “لوحات النار” بالتجارب المعاصرة المتعلقة بالدمار والعنف، بالحرب العالمية الثانية وهيروشيما، فقد كانت تلك المعرفة المؤلمة مولدا كافيا لمعرفة ما يمكن أن تفعله النار بالجسد البشري.

وفي كتاب “الفن المفاهيمي” “Conceptual Art” ذكر عمله “صفقة باريس -1962” حيث يقوم كلين بأحد أبحاثه عن الفراغ، فقد قام بمنح شهادات وإيصالات طبعت بواسطة “ايريس كلير غاليري في باريس” لتوثيق وتسجيل صفقة تجارية، لشراء مناطق فراغ غير معلومة، هذه الشهادات لمناطق صورية للفراغ، لاستبدالها بشيء ذي قيمة أي بمقابل الذهب، فقد تمت هذه الصفقة وأخذت مكانها وللمدى الطويل في بنك نهر السين، فبعد أن تمت عملية المبادلة رمى كلين بمجموعة حزم من الذهب في النهر حتى يتم إحلال الذهب في هذه الأماكن الخالية، وللسبب ذاته قام بحرق الأوراق الوثائقية، وتمت هذه الصفقة في 10 فبراير/شباط 1962م.

أما أعماله الأدائية الأكثر شهرة “اختراق الفراغ” أو “رجل في الفضاء” والذي عنون في أولى صفحات إحدى الصحف اليومية الشهيرة في باريس، “رسام الفضاء رمى بنفسه إلى داخل الفراغ!” حيث التقط المصور “هاري شونك” صورة مركبة وسريعة لإيف كلين عندما ألقى بنفسه من نافذة الطابق الثاني، ليصبح بذلك كأيقونة بصرية لمنتصف القرن العشرين، روي في سياق العمل أن رجلا تهور بجرأة، وكأنه انتحار ظاهري وانطلق نحو الهواء، فقد وثق المصور ذكريات الحس البشري لرجل طالما حلم بأن يتمكن من الطيران، كان بالطبع لكلين “براءة الاختراع” فقد كان أول من اخترق الفراغ، وقد فتحت قفزة كلين هذه المجال للخيال الصافي في الفن الحديث، وقد كان محفزا لاستكشاف أنماطا إبداعية تجتاز الحدود، هنا برز دور “الجودو” في دعم هذا العمل، بمساعدة أصدقاءه محاربي الجودو، حين ساعدوه في التدريب على القفز، فقد انتظروه في الشارع ذلك اليوم حتى يلتقطونه، إلا أنها كانت التجربة الأولى لكلين، والتي يسقط فيها المقاتل”.

وعلى الرغم من أن كلين كرس نفسه لأعماله لتبدو ذات هرمونية وانسجام ومتنبئة بكل ثقافة مستقبلية، إلا انه كان يشعر في قراره نفسه بالوحدة والموت، وهذا الشعور بالفناء نقله إلى أعماله، وكان دائما يقول إن الرسالة التي احملها في قراره نفسي هي ذاتها الحياة والطبيعة، وبعد ذلك بوقت قصير دعا كلين أحد مصوريه بشكل مفاجئ لالتقاط صورته وهو ممدد على الأرض، تحت عمله “هنا يكمن الفضاء” وطلب من زوجته أن تبعثر الورد على قطعته الفنية كمكان مثواه الأخير، أراد كلين أن يشرك روحه الفنية في أسطورة الحضور الأبدي.

وفي مايو/أيار 1962 وبالتحديد في مهرجان كان للأفلام، أصيب كلين بنوبة قلبية وبعدها فقط بأيام قليلة 15 مايو/أيار أصيب بنوبة ثانية، ثم جاءت الثالثة والتي قضت على حياته في 6 يونيو 1962 وقبل فترة قليلة من وفاته، كتب لأحد رجال الصحافة قائلا: “أريد أن يتجاوز الفن إلى ما بعد المعقول، أريد دخول الفراغ، أحب أن تكون حياتي مثل سيمفونية عام 1949 نوته مستمرة، متحررة من البداية والنهاية، محددة في ذات الوقت أبدية، أريد أن يقال عني: “كان عائشا... لذا هو يعيش” وعلى الرغم من أن إيف كلين عاش مدة قصيرة جدا، إلا أنه قام بالكثير من التنشيط في الفن المفاهيمي فن الجسد وفن الحدث خلال 7 سنوات، الأمر الذي جعله من أهم فناني فرنسا بعد هنري ماتيس.

  •  

  •  

  • استخدم تقنية الفرشاة الحية
    أزرق إيف كلين الدولي
    ابتسام عبدالعزيز
    دار الخليج

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط