Turner-deluge
john-martin-the-deluge
POUSSIN-Nicolas-Winter-1660-64-Oil-on-canvas-118-x-160-cm-Musée-du-Louvre-Paris
scene-of-the-flood-Anne-Louis Girodet de Roucy-Trioson
The_Deluge_Francis_Danby_c1837
The_Deluge_Michelangelo
Deluge_Hans_Baldung_Grien_1516
  •  

  •  

  • مثيرٌ المعرض الذي يُنظّمه حالياً متحف مدينة ديجون (فرنسا) تحت عنوان "رؤى حول الطوفان"، بالاشتراك مع جمعية المتاحف الوطنية ومتحف لوزان. فهذا الفصل الشهير في سفر "التكوين" (التوراة) شكّل على مر التاريخ موضوعاً فنياً مهماً عالجه رسامون أوروبيون كبار. ومع ذلك، لم يفكر أحد من قبل في جمع هذه الأعمال داخل فضاءٍ واحد. من هنا أهمية المعرض الحالي الذي يؤمّن لزائره فرصة تأمّل أبرز التمثيلات الفنية التي أوحى بها هذا الموضوع وسيرورة تطوّرها من عصر النهضة الأوروبية وحتى القرن التاسع عشر.


وفي الواقع، تعج التوراة برؤى كارثية شكّلت مصدر وحي ثابت للرسامين الغربيين منذ القرون الوسطى. ويتوقف المعرض في بدايته عند إنتاج المدرسة الكلاسيكية، مذكّراً برسوم ليوناردو دو فينشي وجدرانيات مايكل أنجلو في مصلى "سكستين" ولوحات رافاييل المخصصة لأروقة الفاتيكان ومبرّزاً لوحة نيكولا بوسان "الشتاء" التي تأثر بها معظم الرسامون الذين عالجوا هذا الموضوع بعده.

كما يبين المعرض بعد ذلك كيف تأثّر الرسامون خلال القرن الثامن عشر بمشاهد الأوبرا التي تم إخراجها حول هذا الموضوع لتضمّنها ذخيرة وافرة من الصور التي تهدف إلى إثارة الرعشة في القلوب، مشيراً في هذا السياق إلى تزامُن احتدام عناصر الطبيعة تدريجياً في أعمال هؤلاء الرسامين وظهور البرق والعواصف والأمواج والنيران والهزّات الأرضية والموجات المدّية العنيفة في فضائها، مع وقوع كوارث طبيعية حقيقية أعنفها كانت الهزة الأرضية التي ضربت مدينة ليشبونة عام 1755 والهزة الأخرى التي تعرّضت لها منطقة كالابر في جنوب إيطاليا عام 1783. وقد خلّفت هذه الكوارث في أوروبا شعوراً بهشاشة قدر الإنسان ودفعت العديد من الناس إلى التشكيك بوجود العناية الإلهية. ونظراً إلى وقوع هذه الكوارث قبل الثورة الفرنسية بقليل، نظر إليها البعض كعلامة على تحولات تاريخية كبيرة.

فكلود سان مرتان الذي رأى في الثورة الفرنسية "صورة مختصرة لنهاية العالم"، أشار إلى "الأزمات التي تبدو فيها الطبيعة وكأنها تتنبأ بما سيحدث". ومن جهته، حقق الرسام السويسري سان أورس سلسلة لوحات تحمل عنوان "هزة أرضية" ويظهر في كل منها عائلة تحاول النجاة من انهيار الأرض تحت أقدامها، وهي صورة استحواذية استوحاها من الأحداث الأليمة التي رافقت الثورة الفرنسية.

وتجاور إحدى هذه اللوحات في المعرض لوحة جيرودي الضخمة "مشهد من الطوفان" ولوحات أخرى نقّذها رسامون كبار (غاملين وبونيو ورينيو ولوزربورغ وفوسلي وكلوديون) بين عامَي 1779 و1806. واللافت في جميع هذه الأعمال التي تنتمي إلى أسلوب ما قبل الرومانسية الشهير بمشاهده المقلقة والخلابة معاً، هو أثر قصيدة سلومون غِسنر "لوحة من الطوفان" (1762) نظراً إلى تركيز كل من هؤلاء الرسامين في لوحته على حبيبين أو عائلة تحاول عبثاً الهروب من الكارثة. كما يتجلى في هذه الأعمال حسٌّ معمم للرهيب والميلودرامي.


وخلال القرن التاسع عشر، عرف أسلوب ما قبل الرومانسية تطوراً مثيراً بفضل اللوحات التي خصصها رسامون مثل جون مارتين وتوماس كول وفرنسيس دانبي وغوستاف دوري ولورد لايتون لموضوع "الطوفان". وتتميّز هذه الأعمال عن سابقاتها بمعالجات يتقدّم فيها الطابع الجغرافي للكارثة على المأساة البشرية. أما تمثيل "الطوفان" شعراً ورسماً داخل الأسلوب الرومانسي فيتميّز بتراجع مشهد الرعب لصالح كآبةٍ ثائرةٍ وافتتانٍ بالعودة إلى السَديم والفوضى، كما تشهد عليه كتابات بايرون وألفرد دو فينيي ولوحات حيريكو وغاسبار فريدريش وتورنر المعروضة.


ومن بين الأعمال الفنية الكثيرة التي يمكن تأملها في المعرض، لا بد من التوقف قليلاً عند ثلاثة منها نظراً إلى تحوّلها إلى أيقونات حول موضع "الطوفان. فلوحة نيكولا بوسان "الشتاء" مثلاً التي أنجزها بين عامَي 1660 و1664، تشكّل منعطفاً في طريقة معالجة هذا الموضوع. إذ يتجلى في هذا العمل مشهدٌ مأساوي يحمل وعداً بأمل جديد: أمٌ تحاول من داخل زورقٍ إنقاذ طفلها عبر إعطائه لرجلٍ واقفٍ على صخرة عالية. وقد استبدل بوسان الأجساد المتراكمة بكثرة في لوحات الذين سبقوه في معالجة هذا الموضوع، بمناخٍ رمادي وبارد، وحالة الاهتياج العامة بالسكون والصلاة. ويتحلى هذا المشهد ببعدٍ رمزي أكيد يعكس شراكة مصير بين الإنسان والطبيعة. ولعل انطلاق اهتمام تورنر بموضوع "الطوفان" عام 1800 يعود إلى دراسته لأعمال بوسان وإلى استنتاجه فيها قدرة على التسامي بالمشهد الرسامي إلى عظمة التاريخ.

 قارئ متعمّق بقصيدة جايمس توماس "الفصول" وبشعر ميلتون، تعمّد تورنر كشف مصدر وحيه الشعري عبر إرفاقه لوحته "الطوفان" بمقتطفات من كتاب "الفردوس المفقود". ويظهر في هذه اللوحة الموجودة في المعرض تأثّر تورنر بلوحة بوسان على مستوى طبيعة الألوان المختارة وأسلوب التلوين الذي اعتمده، ومن خلال بعض عناصر اللوحة، مثل السفينة التي تتجلى بفعل البرق والثعبان الظاهر في الواجهة والآخر الملتف حول العصفور. لكن تورنر استبدل سكون الصخور وثباتها باحتدام عناصر الطبيعة وبرجوعه إلى مشاهد الشدّة والإغاثة المستحيلة والأجساد العائمة على وجه الماء السابقة لعمل بوسان.

 أما لوحة جون مارتين "الطوفان" التي عرضها للمرة الأولى عام 1826 فيظهر فيها الرغبة في تمثيل كارثة على مستوى الكون. وتندرج هذه الرغبة في سياق رواج أسلوب المشهد البانورامي آنذاك. وقد استعار مارتين من تورنر الموجة المرتفعة في يمين لوحته، ومن بوسان أنوار النجوم الشاحبة التي يظهر من جرائها سفينة نوح في البعيد. ولكن بخلاف بوسان الذي سما بموضوع "الطوفان" إلى ما وراء التاريخ، تعكس لوحة مارتين اهتمامه بالنظريات العلمية التي حاولت آنذاك تفسير هذه الواقعة وتأكيدها.

  •  

  •  

  • معرض توراتي مثير في متحف ديجون (فرنسا)
    "الطوفان" في مخيلة الفنانين الغربيين: من بوسان الى تورنر
    المستقبل - الاحد 29 تشرين الأول 2006 - العدد 2429 - ثقافة و فنون
    باريس ـ أنطوان جوكي

 

يغطي هذا النص معرض ("الطوفان" في مخيلة الفنانين الغربيين: من بوسان الى تورنر) وقد أقيم خلال سنة 2006 في متحف ديجون/فرنسا، ووجدنا أنه من المفيد نشر النص لأهمية المعلومات التي احتواها.  

 
قراءات
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط