•  

  •  

  •  

  • افتتح في «فيلا عودة» في منطقة الأشرفية في بيروت معرض صور ومطبوعات للفنان الإسباني فرانسيسكو دي غويا بعنوان «غويا مؤرخ كل الحروب، الكوارث وصور الحروب». ويلاحظ الزائر أن مقتنيات المعرض ترتقي بصورة غويا إلى مقام المصور الصحافي الرائد.


تتألف سلسلة «غويا مؤرخ كل الحروب، الكوارث وصور الحروب» من 83 مطبوعة تسلّط الضوء على قسوة الحرب وبربريتها، لا سيما معركة الاستقلال الإسباني والاحتلال الفرنسي (1808 – 1814). ويهدف معرض الفنان الإسباني فرانسيسكو دي غويا في بيروت إلى التنديد بعبثية الحرب ونتائجها المدمرة المريرة. بناء عليه، يمكن لنا وضع أعمال غويا إلى جانب صور أشهر المصورين الذين شهدوا أهم الصراعات العسكرية الدولية والعالمية.
اللافت أن لوحات غويا تعبِّر عن حقيقة الكوراث والحروب والإعدامات والويلات، وترافق كل مقال صحفي يتطرق إلى مثل هذه المواضيع والقضايا المرعبة. حتى إن شخصية غويا نفسها صارت علامة فارقة في التاريخ الثقافي والإبداعي، ليس في إسبانيا وحدها بل في العالم كله. فثمة ثلاثة أعمال أوبرا عنه، أولها للإيطالي مينوتّي، والثاني للأميركي موري يَستون بعنوان «حياة في أغنية»، وآخرها للإنكليزي مايكل نيمان «مواجهة غويا» 2000. وفي مدة قصيرة عرضت الصالات السينمائية فيلمين عن حياة غويا وفنه الأول للمخرج كارلوس ساورا صاحب فيلم «غويا في بورديوس» 1999، حيث جسَّد شخصيّته الممثل فرانسيسكو رابال. يتناول هذا الفيلم السنوات الأخيرة من حياة غويا التي أمضاها في مدينة بوردو الفرنسية بعيداً عن وطنه وشعبه الذي كان يعاني ويلات الفقر والجهل والاستبداد. أما فيلم «أشباح غويا» فتدور أحداثه في إسبانيا عام 1792، حول حكاية ناس عاشوا في حقبة من الاضطرابات السياسية والتغيّرات التاريخيّة. يبدأ المخرج التشيكي ميلوش فورمان فيلمه بعرض رسومات غويا وبعدها مباشرة نرى كبار رجال الدين الإسبان يدينون تخطيطات غويا التي صوّرت تعذيب المنشقّين والزنادقة. يلي ذلك مشهد رمي جثة حيوان في أحد بساتين الملك البليد كارلوس الرابع كي تتجمّع عليها الطيور ويصطادها الملك بشبق كون الملكة ماريا لويزا فضّلت العقبان لعشائها، وهو إيحاء مبكر من فورمان لتهيئة المشاهد للدنيا الفاجرة التي سيقدّمها.


إضافة إلى السينما التي أستوحت أفكارها من حياة غويا ولوحاته، أصدر المفكر الفرنسي من أصل بلغاري تزفيتان تودوروف كتاباً بعنوان «غويا في ظلّ التنوير»، وهو يقرأ لوحات الفنان الإسباني مثلما يقرأ أطروحة فلسفية أو سياسية. ويعتبر تودوروف أن غويا لم يكن يبحث عن الجمال بل عن الحقيقة، وبالنسبة إليه: «كان الرسم أحد أشكال الاعتراف: الاعتراف بالحقيقة الداخلية، لكن أيضاً بالعالم الخارجي. اليوم، وهذا صحيح، نذهب إلى المتحف كي نقف بإعجاب أمام أعماله. بيد أني أعتقد بأنه لا يترك نفسه سجين الاستيطيقا. البرهان: أننا غالباً ما ننجز صورة كي «نزين» كوارث الماضي والحاضر. رأيت أخيراً صورة إحدى لوحاته على غلاف كتاب معاصر حول الحرب الشاملة. لم تفقد صوره قوتها في استدعاء الأشياء. أعتقد بأني لست الوحيد في التساؤل عما أراد قوله».


في كتابه «غويا»، يتناول الناقد روبرت هيوز اللوحات المتعدّدة المواضيع والعصر المضطرب الذي عاش فيه غويا. وكانت أكثر انتقادات غويا عنفاً تلك التي وجّهها ضدّ محاكم التفتيش الإسبانية التي سخر منها بضراوة في لوحات عدّة. وربّما كانت أشهر لوحات سلسلة النزوات هي تلك المسمّاة «نوم العقل ينتج الوحوش». وفيها يظهر رجل نائم على طاولة بينما تطير الخفافيش والبوم حول رأسه. ومن المؤكّد أن «نوم العقل» تلخّص فهم هوارد هيوز لغويا، وكانت أوّل لوحة اقتناها لـه. وقد اشتراها عندما كان لا يزال طالباً وعلق عليها في حينه بقوله: «أدركت لشدّة ذهولي حجم المأساة التي كان يشعر بها هذا الرّجل والتي أودعها في هذه الورقة الصغيرة».

حقوق الإنسان
ما يتفق عليه المتابعون والنقاد وما نستنتجه من لوحات غويا المعروضة في «فيلا عودة» في بيروت أن الفنان الإسباني شهد احتلال نابليون لإسبانيا، ورأى أن هذا الجيش المحوط بهالةٍ من المثل العليا التنويرية، والمُبارك من بعض أصدقائه «المُستنيرين»، قد جلب الحرب والقمع والعنف. و{اكتشف أنه من السّهل جداً القتل باسم حقوق الإنسان سهولة القتل باسم الله! وقد توصّل إلى هذه الحقيقة في وقت قياسي، بينما استغرق الأمر الفرنسيين 30 أو 40 سنة كي يصابوا بخيبة الأمل تلك»، قال تزفيتان تودوروف. لقد رافقت غزو جيوش نابليون إسبانيا، عمليات إعدام جماعية ووحشية للمواطنين الإسبان الذين ثاروا احتجاجاً على الغزو. كان غويا آنذاك قد أكمل عامه الثاني والستّين، وكان قد أصبح أصمَّ بسبب إصابته بمرض غامض. كان ينظر حوله ويرى في الإيماءات الصامتة أشياء بشعة ومؤرّقة.


كان موقف غويا من الغزو الفرنسي لإسبانيا مختلطاً. كان يحبّ إسبانيا وشعبها كما تبرهن على ذلك أعماله الكثيرة، لكنّه أيضاً كان مؤمناً بالأفكار التقدّمية ومعجباً بحركة التنوير الفرنسية وبكتابات مونتسكيو وفولتير وجان جاك روسّو. ومثل كثيرين غيره، كان يرى أن الحكم الفرنسي قد يكون متفوّقاً على حكم المَلِكَين الإسبانيين شارل الرابع وفرديناند السابع. ولأنه عاش جزءاً من حياته في البلاط الملكي، فقد كان على بيّنة من الآثار السيئة للحكم الاستبداديّ المطلق. وقد شهد غويا آنذاك ما أسماه «تقطيع أوصال إسبانيا»، وسجّل ذلك في سلسلة لوحاته المزعجة بعنوان «ويلات الحرب». لقد فرضت الحرب نفسها على غويا. كان متأثّراً عاطفياً، بسبب ما كان يراه. وهو يذكّر الآخرين بالواقع الرهيب الذي تنتجه الحروب. وشهادته العيانية تُظهر أن الحرب كارثة لا ينتج منها سوى الدمار والمعاناة.

نبذة
وُلِد غويا عام 1746 وتوفي عام 1828. عاش حياة صاخبة متقلبة مملوءة بالبؤس، ثم المجد، الفراق والجنون، ذلك بعد طفولة غامضة، أمضى بدايتها في مسقط رأسه آراغون، ثم التحق بمحترف للفن، فشل بعده، وهو في العشرين، في دخول أكاديمية الفنون في مدريد. فكانت إيطاليا أحنّ عليه، إذ التحق لاحقًا بأكاديميتها… وسجّل غويا في لوحاته فترة حالكة في تاريخ أوروبا، وهي فترة محاكم التفتيش والغزو الفرنسي لإسبانيا وإعادة الملكية في مدريد على يد البريطانيين.
في شيخوخته، بدأ يعاني أمراضاً مزمنة تسبّبت له بالشلل والصمم، فتحوّل إلى انعزالي وأنتج تلك «الرسوم السوداء المرعبة»، التي مات بعد إنجازها متسائلاً عن الجنون البشري الذي يدفع الإنسان إلى قتل أخيه الإنسان.

  • الجريدة
    غويا في بيروت… مؤرخ الويلات
  • بيروت – محمد الحجيري

 

يستمر المعرض الى 31 يوليو من العاشرة صباحاً وحتى الخامسة بعد الظهر.

قراءات
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط