•  

  •  

  • يأتي معرض (قاعة موزاييك) الذي كان ثمرة تعاون مشترك بين ثلاثة فنانين تشكيليين لانتاج اعمال تتناول غزو العراق بشكل نقدي... في محاولة لخلق حوار فريد حول غزو العراق واحتلاله، بعد ان "تداعت الاحلام الخيالية لعراق مابعد الحرب التي كان يتم ترويجها قبل الغزو".. وربما شكّل هذا المعرض لي شخصيا صدمةً كونه رجرج قناعاتي (الراسخة) في فن الرسم؛ فقد كنت اعتقد ان العمل الفني لا يمكن ان يكون لوحة ما لم يتوفر على درجة من (الرسم) التي اعني بها توفر تقنية (متيريالية) عالية تحقق هيمنة على (مادة الرسم) وهي: اللون، والملصقات، و(الفعل) بمعنى الاثر الانساني الذي يماثل فعل الزمن من: خروق، او حروق، اوشخبطات، او اية آثار تتركها أدوات الرسم على سطح اللوحة، وتلعب فيها عناصر الرسم المادية ووسائله التقليدية دورا في انتشال العمل الفني من ما كان الناقد فاروق يوسف يسميه (موت الرسم) اي الافتقار الى: وسائله، ومواده، وآلياته التقليدية في مزج الالوان ووضعها على سطح مستو، بينما انتصرَتْ في هذا المعرض قناعاتُ الرسامة الدكتورة هناء مال الله بشأن: عِظَم تأثير مآسي الحروب التي تعرض اليها العراق، واعتقادها ان تلك الحروب كانت اكثر من كافية لنسف وتغيير كل اليات الرسم العراقي ووسائله التقليدية التي مازالت تأخذ بخنّاقه فلا يجد منها خلاصا، وفي ذلك كنت وهناء مال الله لسنا فقط متفقيَن وانما كنا مستغربين، ومازلنا نعمل فكرنا في اختلاق الاسباب المقنعة التي لم تجعل الفن، والادب العراقيَّ كذلك، يقدم اعمالا تتناول: الحروب التي تعرض لها العراق، والحصار والمآسي الكارثية التي نتجت عنها.. فكانت الاعمال التي تتناول الحرب تصدر من غير العراقيين الذين لم يعيشوا صفحات الحرب الا عبر الصور والفضائيات والميديا...


يشارك في (معرض قاعة موزاييك) رسامان بريطانيان هما: الرسامة كات فيلبس، والرسام بيتر كينارد، بأعمال موحدة وبتوقيع واحد هو (كينارد فيلبس)، ومن العراق الرسامة والاكاديمية العراقية الدكتورة هناء مال الله التي تعيش الان في بريطانيا، ومن هنا تاتي مفارقة المعرض الكبيرة في مشاركة فنانَين بريطانيَّين من البلد الغازي مع فنانة من العراق البلد المعرّض للاحتلال وتعيش الان في بريطانيا، في معرض يدين الحرب وجرائمها.. ولكن هؤلاء الثلاثة خبروا الحرب بطريقتين مختلفتين فبينما تلقاها البريطانيَّان عبر وسائل الاتصال المختلفة: الصورة، الشاشة الضوئية، الصحف واخبار المواقع الالكترونية، والاشرطة المصورة، فلم يكونا قد عايشاها سوى عبر وسائط الاتصال اي عايشا الحرب كصورة واعلام ليس الا، بينما اكتوت هناء مال الله بنار الحرب بشكل يومي حياتي عبر: الخوف، والقصف، والميليشيات المسلحة، والحرب الطائفية، والتخريب الثقافي الممنهج ورأت الفواجع التي تولدت في العراق في الميدان الثقافي خاصة كنهب التاريخ الثقافي وتدميره فخرجت من العراق عام 2006، وبدأ منجزها يتطور ببطء نحو ما اسمته (تقنية الخراب) التي كتبتُ عنها سابقا..
قدّم الكاتب البريطاني (الان انغرام) المختص بالجغرافيا السياسية (الجيو_بوليتيك) في كتيب المعرض المعنون (العراق، كيف، اين، لمن؟) رؤية عن المعرض فاعتبره نمطا من الفن اسماه الرسم (الجيو- بوليتيـكـ)ـــي وهو مفهوم كبير بدأ بالظهور بشكل مختلف منذ سنوات رغم ان جذوره غائرة في القدم ولكن الانعماس العالمي بالحروب المنظمة في مختلف انحاء العالم بدأ يثير نمطا من الفن الذي يتناول الحرب من خلال الاحتجاج بوسائل غير محدودة بسقف او حد معيّن، فهو يوظف كل ما يتمكن من نتاجات التكنولوجيا الحديثة، بينما مازال الرسامون العراقيون في العراق يستخدمون موادهم والياتهم القديمة وكأن الامر لا يعنيهم في شيء، ويحلل (الان انغرام) في هذا المعرض ويحاول اثبات حقائق متعددة اهمها بقاء امكانية ارتباط الفن بالوقائع السياسية دون ان يسقط ذلك الفن بالمباشرة وهيمنة الايديولوجيا عليه، فيحلل اللون ودلالاته،
والتقنيات الكثيرة وغير المتوقعة احيانا المطروقة فيه؛ فهناء مال الله تستخدم في أعمالها: اقمشة وملابس محترقة، وأسلاكاً، وأدوات جاهزة، لخلق قطع تجريدية لا تنقل فقط الاحساس بفعل العنف الذي شهده العراق بل وانها نعيد انتاج العنف موجها لديها ضد العمل الفني ذاته بشكل يشكل نموذجا متفردا لفن الحدث الذي يستثمر القدرة الخلاقة الكامنة في عملية التدمير، ولكن هناء رغم ذلك لم تتخل عن حسيتها العالية، واحيانا تنطوي لوحتها على تلميحات .. من خلال ايقونات بصرية (أعلام، اجزاء أعلام، احذية، هدهد محنط...)، وكانت تجربة الثنائي (كينارد فيلبس) خطابا فاضحا لجنايات السياسة وجرائمها وآلياتها الاخضاعية الدموية؛ فتطرح على بساط الفضائح اليات الهيمنة التي تطبقها السلطة السياسية.. انهما يستخدمان اليات المونتاج لجمع صور من اماكن وازمان مختلفة؛ تماما مثلما كان ماكس ارنست يفعل بالرسوم الكرافيكية التي يقتطعها من المجلات القديمة ليقوم باعادة تقطيعها وتلصيقها؛ اي بالمجمل اعادة منتجتها لينتج تشاكلات صورية ذات مديات تعبيرية بالغة الاتساع، وكما يقول الكاتب (الان انغرام) فإن "اعمال مونتاج كينارد فيلبس تقدم قراءة مختلفة للجغرافية السياسية"، واليات تحول السلطة السياسية الى واقعة بصَرية..
لقد شكلت حرب العراق علامة على التحول الجديد للحروب بتحولها الى: واقعة اعلامية، وشاشات مرئية، وصور؛ بينما يحول معرض (هناء مال الله – كينارد فيلبس) الى واقعة مرئية ومعيشة معا..
يضم المعرض أعمال كولاج بمقاييس ضخمة، وأعمالاً تركيبية، وأعمال مونتاج فوتوغرافية ومنحوتات، فيقوم كيناردفيليبس في أعمالهما بالتلاعب بالمواد الإعلامية والصحافية حول حرب العراق وتفكيكها لإنتاج صور وسرديات مغايرة. وتتراوح أعمالهما بين تلك التي تعيد إنتاج الصور الإعلامية لإحداث تأثير مباشر مثل المونتاج الفوتوغرافي.
كانت مهمة هناء مال الله منذ زمان ان تحول الخراب الذي حل بالعراق، وعلى الاخص منه الخراب الثقافي، الى رسم؛ بينما هي الان تحاول، مع زميليها (كينارد-فيلبس) تحويل العنف الجسدي الذي كثيرا ما تحدث عنه فوكو واسماه نظام المعاقبة، الذي كانت اشكال سائدة منه في القرون الوسطى، تحويلة الى لوحة، اي الى (نظام رسم) من خلال نقل العنف المسلط على الجسد الى عنف موجه نحو جسد اللوحة وبذلك تؤسس هناء مال الله بعد تجربتها الماضية في (تقنية الخراب) الى نظام للرسم تسميه الرسم (الجيو- بوليتيـكـ)ـــي الذي يتعاضد في تأسيسه معها الثنائي كات فيلبس وبيتر كنارد حيث "تُستخدم كل من الصور، والمواد، ولاثار، وتجارب السلطة والدمار، لتشكل صياغة بديلة للممارسات الجيوسياسية، مقحمة الاخرين في إعادة انتاج ما يقوم الفنان بمساءلته"، ويجري كل ذلك لدفع الاخرين الى اتخاذ موقف مضاد للحرب ولذلك يتم التاسيس لسستم من (الرسم الجيو-سياسي) الذي لا يفرط بالرسم كتقنية ويقحم عناصر العنف ذاتها التي تتعامل بها السياسة مع العالم اليوم.. لتشكل هذه الاعمال تمثيلا للفوضى ذاتها التي يقاد بها العالم والتي يوجه فيها العنف بقسوة لا حدود لها..

 

  •  

  •  

  • (معرض قاعة موزاييك) في لندن:
    الرسامة العراقية هناء مال الله والثنائي البريطاني:
    الرسامة كات فيلبس، والرسام بيتر كينارد
    الرسم (الجيو- بوليتيـكـ)ـــي الحرب موضوعا للرسم عبر الاحتجاج
    خالد خضير الصالحي

 
قراءات
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط