•  

  •  

  • أقامت "سوليدير" في مركز بيروت للمعارض, معرضاً للفنان اللبناني الراحل شفيق عبود (1926-2004), بتنظيم من نادين بكداش وصالح بركات, ومبادرة كلود لوبان, حيث عرضت أكثر من مئة لوحة ومنحوتة فنية متنوعة تعرض غالبيتها لأول مرة, وتظهر مكونات تجربة "عبود" وتطوراتها بين باريس وبيروت التي أصبح من رموز مدرستها الشهيرة, وقد اشتهر عبود بوصفه أحد رواد الفن اللبناني والعربي المعاصر, تأثر منذ طفولته, بالصور والحكايا والثقافة الشعبية, وبالأيقونات والطقوس البيزنطية قبل أن تعكس أعماله لاحقاً إرهاصات النهضة العربية في الفن التشكيلي الناهض.


ما ابتدعه شفيق في لوحاته الكبيرة والصغيرة, هو التجديد والتجريب ومحاورة الألوان هو من الرعيل الذي حاكى الانطباعية اللبنانية الطليعية, وانطباعية قيصر الجميل وفرناندو مانيتي ومدرسة باريس, تجاوز تيارات الفن المعروفة في محاولة منه الاعتماد على النفس, حيث تبدت المساحات أكبر من الألوان وصار اللون سمة ونافذة للسطوع. أخذ الضوء, بالإشعاع من اللون نفسه, أدخل المنحى التعبيري على حساب الخط الذي لم يعد إطاراً للشكل بل جاء ليوجد حركة, وهنا بدأ التجريد عند شفيق عبود واللاموضوع مع عودته من باريس. هنا ابتعد بأسلوبه التلويني التجريدي عن التفاصيل وأوحى بمظهر تعبيري عام في تدرجات اللون الواحد وتركيب الألوان وتوزيعها بين دافئ وبارد, متآلف ومتمم, كثيف وشفاف, وذلك بأسلوب التصوير الزيتي حيث استوى اللون بوحاً وفوحاًً وعشقاً, وصار أزراراً في كم الحياة والكون, أصبح الفنان ملك لوحته, وألوانه شهوات الغيم والنجم ومقام القلب.


لوحة شفيق عبود توغل في مراحلها في حفريات المكان, كما توغل في تربة النفس وفي ردمياتها وجيولوجيا أعماقها, والتشكيل فن الحيز كما يقال لكنه تعبير عن رؤى الإنسان لنفسه ومحيطه وللكون أيضاً, وهذا ما حفر فيه الفنان من خلال تشجير الألوان واحترابه معها ومحاورتها والتساؤل عن ملكة الكشف فيها حين تبوح وترقص وتغني وحين تتجلى بالأضواء والأنوار.


كان شفيق عبود صديقاً لوالدتي, جانين ربيز, ومن أصدقائها المقربين جداً, ورغم أنه عاش في بلاد الاغتراب, إلا أنه كان دائم الحضور في حياتي. أعرفه منذ صغري, وكنا كلما زرنا باريس, نلتقي به, لنتناول الغداء في ركنه المفضل Parc Chalet du، إليه لجأت عند وفاة والدتي, فاستشرته وطلبت دعمه أثناء تحضيري لمشروع "غاليري جانين ربيز". في العام 1993, فاجأني باثني عشر عملاً فنياً, يجسد كل منها ذكرى من ذكرياته مع "جانين": من دار الفن, إلى قطعتها الزجاجية التي كسرها وغيرها.
تخليداً لذكرى جانين أقمنا حفل إطلاق خاصاً للغاليري بعنوان "من أجل جانين", وذلك بدعمٍ من شفيق عبود وأصدقاء آخرين أذكر منهم إيفيت أشقر, أمين الباشان جميل ملاعب وعارف ريس. كلنا أردنا أن نكرمها ونخلد ذكراها. وجاء الوقت ليتصالح شفيق عبود مع بيروت بعد أن كان يردد طوال سنوات: "بالنسبة لي, كل شيء انتهى في بيروت, حتى المعارض... كل ذلك لم يعد له وجود". ولكن سرعان ما تغلب عبود على مخاوفه, وانطلق في رحلة العودة إلى بيروت في العام 1994, بعد 17 عاماً من الغياب.


عودته كانت بمثابة ولادة جديدة له. كان يتنقل بين الشمال والجنوب ومن الساحل إلى الجبل, يستقل الباصات الشعبية, فرحاً لأنه يستطيع أن يجول لبنان ب¯3000 ليرة لبنانية. بهذه الروح الطفولية أنجز آخر لوحاته اللبنانية, مطبوعة بأجواء الأماكن الساحرة التي تركت أثرها في داخله, فكان معرضه العام 1999 مزيجاً من الفن والفرح والألوان.
كان شفيق فرحاً جداً بعودته إلى الوطن, ولقائه الأصدقاء, كما كان سعيداً أيضاً بحياته في فرنسا, ذلك البلد التي تبناه فأصبح بلده الثاني.


وبينما كنا نحضر لمعرضٍ ثالث, بدأت صحته بالتدهور, وللأسف, فارقنا سريعاً. اليوم, وبعد ثمانية أعوام على رحيله, يأتي هذا المعرض لنسترجع معاً أعماله, تكريماً منا للفنان الكبير والصديق الرائع. أما صالح بركات صاحب غاليري أجيال فقال في المناسبة: بعد أعوام من الحديث والنقاش الإعلامي عن الفن المعاصر, نرى الآن وعياً حول أهمية الحفاظ وإعادة إنتاج والتذكير بالعصر الحديث للفن اللبناني (1880-1980). ويأتي المعرض الاستيعادي لشفيق عبود ضمن مجموعة من الأحداث الفنية التي تسلط الضوء على فنانين معروفين في لبنان والعالم العربي لكن لسوء الحظ لم تنل أعمالهم الشهرة اللازمة في أوساط الجمهور وفي المعارض العالمية بسبب افتقار لبنان للمتاحف والصالات الفنية الوطنية. هذه المعارض الاستيعادية مهمة لتعريف الجماهير المحلية والإقليمية والعالمية بجودة وغنى الأعمال اللبنانية على أمل تثبيتها والاعتراف بها بشكلٍ نهائي في تاريخ الفن العالمي. لفهم تفكير شفيق عبود يجب التمعن بمفاهيمه والتشبع بنوره ولطفه.

  •  

  •  

  • ألوان شفيق عبود... بوح وعشق وتساؤلات
    بيروت - ليندا عثمان
    السياسة

 
قراءات
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط