02/17/2013 Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


 
 
 

  د. محسن عطيه (*)

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • تستوجب الثورة السياسية ثورة فى الثقافة وفى الفن وعلى الفنان الثورى أن يشارك فى تطوير أدوات التعبير لتشكيل الوعى الجديد.إذ ان الفنان الذى يرسم لوحة أو ينحت تمثالاً يرغب فى أن يمتد نطاق أثر إبداعاته الفنية ليصل إلى المجتمع من أجل أن يحرك خياله ويهز وجدانه ويبعث ويجدد فيه الروح النقدية المتحررة والتسامح فى مواجهة أساليب قمع حرية التعبير وحرية الإبداع , والتهميش من قبل القلة المترفة المسيطرة التى تنظر إلى الفن على أساس أنه مجرد سلعة , هدفها الربح من خلال تسويق المستوى الضحل والمبتذل من الفن الذى لا يزيد عن كونه مجرد ديكور يفتقر إلى العمق الإنسانى . وتطلب الثورة من الفنان أن يعبر من خلال فنه عن تمرده فى مواجهة الأوضاع السلبية, بالرسم بحماسة,وبإسلوب أكثر تمسكاً بالحياة, وتناسباً مع الدعوة للتحرر من القيود الرجعية من أجل الديمقراطية, حتى ولو اتخذ أسلوب التعبير أبعادا رمزية, كطريقة للتمرد والتواصل بين الجماهير دون شعارات جوفاء.


أما الفنان"يوسف كامل"(1891-1971) الذى يمثل أحد رواد الحركة الفنية المصرية الحديثة فى مطلع القرن العشرين ,فإن فنه يجمع بين أسلوبين متناقضين( الأكاديمية والانطباعية ) وترجع أكاديميته إلى كونه قد تتلمذ على يد الفنان الإيطالى"باولو فورشيلا"Paulo Forchila الذى كان يحبذ إخضاع الرسم للنماذج الكلاسيكية القديمة المتزمتة وللمبادئ التقليدية التى تعكس الذوق المتحفظ .

غير ان الفنان المصرى الثائر الحالم بطيبعته المتمردة , ناهض القيود الأكاديمية البالية فى لوحته يعنوان "همسات" (1950) التى تعد رمزا ً لمعنى الحرية بتصويرها لمشهد من الحياة فى الطبيعة المصرية الحقيقية, وفى قرية من ريفها تعكس شخصيتها ,حيث الشمس الساطعة والناس البسطاء بانفعالاتهم المتحمسة وعواطفهم النبيلة,وبمستوى من الإبداع غير مسبوق .

إذ غادر الفنان جدران مرسمه واستنشق الهواء بحثاً عما يحقق لفنه التغيير بجرأة وثورية ,وعما يعبرعلى المستوى الإنسانى عن رؤيته الذاتية, المتمثلة فى الإبتهاج بالطبيعة الريفية وتصويرها بحميمية وبرابطة مقدسة. تلك الحميمية التى صور بها الفنان المصرى فى الماضى " وجوه الفيوم " بعمقها العاطفى والروحى , وبتعبيرها عن الإحساس بالرضا وعن حالة الفرح الأبدى . وهنا يصور الفنان الفتيات الريفيات يتسامرن بتفاؤل أمام دارهن الصغير ,وفى الهواء الطلق وسط الطيور الداجنة فى جو مطمئن.ويمكن العثور على ما يوحى فى أفق الصورة بإشارات ثورية . فقد قدم الفنان الطليعى بفنه رؤية نقدية تتناقض مع الذوق ألأرستقراطى ومع فكرة الإستعلاء الطبقى, حينما رسم موضوعاً استقاه من الحياة العادية لسكان الريف الفقراء بواقعية ,دون الإستناد إلى القوالب المثالية الجامدة للنزعة الكلاسيكية, ودون الإغراق فى االمبالغات الإيهامية للنزعة الرومانسية.

ومع ذلك فإن الصورة بموضوعها البسيط وبأجوائها المتواضعة لم يكتف فى رسمها "يوسف كامل " بجمال الألوان وبحركة الشخوص, بل أراد أن ينقل من خلال منظر الفتيات الصغار وهن يحظين برعاية الأسرة (ست الدار) بحيوية متفجرة ,تعبيراً عن معنى الحرية, و إشارة إلى حرية الفنان ذاته , والمتمثلة فى توسيع آفاق خياله فى مواجهة قيود الإبداع,التى تحول دون التعاطف بعمق مع حياة المهمشين من فئات المجتمع ,ويستدعى المشهد الشق الغائب عن البصر المتشبع بالأفكار التقليدية التى تحد من تنمية مكانة المرأة أو من رعاية الطفولة فى المجتمع , وتقيد طاقات الأجيال, وتعمق التمييز بين الأجناس وتناهض فكرة التسامح. هكذا تتضمن اللوحة أبعادا نقدية لأوضاع اجتماعية نابعة من واقع الحياة الحقيقية .
 

 

 
       
   
Share |
 
 

هذا الاعلان لدعم مشروع مجلة التشكيلي