kandinsky
klee
Alexander Calder
Naji Al-hai
islamic metal theincenseburner lion
Kandinsky
The persian calligraphy
The aviator - Malevich, Kasimir
TOM BENNETT
Zaman Jassim
عبد الملك عاشور
محمد البحيري
Salman Almalik
Ali Hassan
Roll Royce Collapse
 
  •  

  •  

  • هذه لوامع إشارية خاطفة تنير بعض الجوانب الظلية من فن القرن العشرين، وتحديدا ما أفلق عليه اصطلاحا بـ( الفن التجريدي) الذي استأثر بالسيادة الكاملة على ساحة الفن العالمي منذ مطالع القرن العشرين حتى اليوم، في وقت خضعت فيه حاسة الرؤية لدى الفنان الى تحولات عميقة فتحت أمامه آفاقا جديدة تميزت بروح الاستغوار الخلاق، مثلما تميزت بالحرية المطلقة في الكشف والتناول والانجاز.


وهكذا أصبح الفن التجريدي بهذا القياس، تمثيلا للجانب الدينامي الحي من تيارات الفن الحديث، وهو الجانب الذي أثار تطلعات المتلقين، مثلما استأثر باهتمام مؤرخي لفن ونقاده ومنظريه، الأمر الذي أحكم ارتباط أجناسه بمثارات الصراع الفكري في العالم، وبوتائر التطور السريع الذي ظل يغالب سرعة التغير في الحياة.

من منظور شديد العمق، سيكون أدعى بنا الاقتراب من بؤرة الاشعاع النظري لهذا الموضوع أن نشير الى تلك الملاحظات الأولية التي تتعلق بلغة التشكيل ذاتها، وهي لغة تحمل مداليلها ورموزنا الظاهرة والمستترة، مثلما تحمل طاقاتها المتفجرة في التشكيل الحر، والاستنارات المتبادلة بين الذاتي والكوني، وبين الفكري الخالص والروحي الهامس لتصبح قدرات هذه اللغة ملحميات شعرية. لونية تجاري هندسة العصر وتتسق مع تنغيمات إيقاعه وروح قوانينه.

تأسيس الفكر الخالص في الفن التجريدي
إن التطورات الحداثية التي طرأت على (الفن التجريدي) بعد أن ابتعد كثيرا عن منابعه الأولى، قد جاءت بولادات جديدة أخرى غريبة ومثيرة، يمكن أن تعد حصرا بحساب أساليب مبدعيها، وهكذا بات من الصعب على الباحث أن يضع عبارة (تطور) بدلا من عبارتي (انشطار أو تبرعم) اللتين أصبحتا تعبران بدقة قد تكون رياضية، عن تفرع تلك العمليات التي تناعت في الصغر حتى أصبحت كنجيمات ضوئية صغيرة فقدت الارتباط بمدارات منظوماتها الكونية التي انطلقت هنها.

إن هذه التجارب الشخصية قد تؤسس الى جانب فكرها الخاص، بل الشديد الخصوصية، مقتربات للبحث عن مونلوجاتها الداخلية أيضا، وهي بذلك، تمنح الفنان مدى لا يحد من الشعور بالحرية، وقد تفتح أمامه أبواب الاحساس بارفضاض حالة الاغتراب التي باتت تحاصره وتمارس ضغطها النفسي عليه كلما توغل في البحث عن سواكن آمنة تتيح له الخلاص من غوامض ما ستأتي به آلة العصر يوها ما من كوارث إنسانية شاملة غير محسوبة.

العالم البديل
لقد بقي الفنان الحديث، زمنا طويلا، وهو في حالة من الاندهاش في هذا العالم الغريب الذي لابد له في اختياره، مثلما ظل يحمل خوفه

الغامض من المجهول والمحتجب والآتي من الغيب دون تحديد لبواعثه ومأتيه ودونما جواب لما سيؤول اليه، وهكذا، عمد في مقابل هذه الحالة الى البحث عن "العالم البديل " ضمن اشتراطات حسية - شكلية - فكرية - رمزية، شعرية، تجري وفق مناهجها وقيمها التي تعتمد بالدرجة الأولى على الانطباعات البصرية الدائمة التردد، مثلما تعتمد على رواسب اللاوعي والذاكرة الملغزة. وهكذا تحولت الرؤية الفنية الى ما يمكن أن يوصف بـ(الرمزية التجريدية) التي تتميز عادة بقوة حدس عالية تتصل أساسا بالبواعث الغريزية العميقة لحفظ النوع، وهذا الاتجاه الرؤيون في مجمله، يؤلف ما يشبه الحصانة إزاء القلق والعذاب اللذين يعانيهما الفنان في عصر مضطرب، كما يؤدي الى احتياز الصور الذهنية الثابتة والمتغيرة عن العالم، بما في ذلك، المدركات الحسية له.

لعل ما واجهه الفنان الرافديني، عبر حضاراته القديمة المتعاقبة، قد عزز هذا النظرة وأبرز آثارها في مجمل أساليبه الفنية التي اتسمت بحرية التشكيل وبالاختزال وتبسيط السطوح او الاقتصاد في التفاصيل الشكلية الى الحد الأدنى، من أجل اشباع حس جمالي غير مرتو، أو استجابة لشعور بالامتثال لمعتقد غيبي ديني غامض، وهي في مجملها تشير الى مستويات فنية عمد الفنان فيها الى (تجريد) العنصر الحسي للأشكال تلبية لحاجة نفسية دفينة لم يستطع علم (دراسة الأشكال) أي علم (المورفولوجيا) تفسيرها، إلا بردها الى منابعها الاصيلة، ودراسة ظواهرها المتعلقة بالأثر الفني نفسه، ومن ثم تحليل الآثار الزمنية والنفسية التي تحدثها العلاقات المتبادلة بين السطح المنظور، والعمق الذي تشغله الاشكال المجسمة. وهي علاقات لم تستنفد امكاناتها الايهامية خلال آلاف السنين، نظرا لارتباطها المعقد بعدد من الحالات العقلية والنفسية التي تتداخل وتتبلور لتكوين الاحساس بالفن والانتشاء بإبداعاتها. وبهذا يصبح (التجريد التشكيلي) وبأية نسبة يكون - نوعا من أنوا ع الاضافة الابتكأرية الى العمل الفني، وهي اضافة تحمل قدرا كبيرا من طاقات (التأين الابداعي) وقدرا أخر من سكنات (الجمالمية الفنية) التي تحرك وجدان المشاهد وتستفزه ليستجيب لها وينفعل بها سلبا أو ايجابا.

بوعي قليل ولا وعي أكثر، احكم الفنان الرافديني صياغة عمله الفني، وهو واقع تحت ردود فعل كثيرة مختلفة منها الغيبي - السحري، ومنها الروحي الديني، ومنها الانفعالي الذاتي، غير أن حصة الفنان في هذه العملية، لم تكن مجزوءة ولا منقوصة، بل هي الغالبة في جميع الأحوال، لأنها (أفكاره الخاصة) قبل أي شىء آخر، ولأنه يتمتع دوما بعقل راجح إن لم يكن بحساسية فنية عالية مفتوحة على كل ما يراه ويتصوره، اضافة الى ما تقدمه له الحياة سن خبرات حيوية في مختلف ميادينها لذلك كله، تيسرت له قدرات التعبير عنها بالترميز الاستعاري، أو الايحاء بمعانيها ضمن آلاف التجارب والحلول التشكيلية المعروفة أو المكتشفة في ذلك الزمان.

ما من أحد منا ينثر العناء الذي واجهته الشعوب الشرقية في هضم (الثقافة الغربية) و(تمثيل) جانب الفنون فيها خاصة، ولكننا يجب أن نعرف بأن في مقابل تلك الثقافة تراكما حضاريا يمتد في عمت الزمن الى سبعة آلاف عام. فالتماثيل السومرية، على سبيل المثال، لا تحاكي المخلوقات البشرية السوية تماما، وإنما (تفسرها) أو تومن لها، وهي بذلك، إنما تنتمي لعالم (النحت) الذي هو في نظر العراقي القديم، العالم الالهي المقدس، وربما تجمع النظرتين معا، ويقينا، بأننا لن نستطيع أن نهب الحياة لهذه التماثيل اذا نظرنا اليها بعين (اغريقية) لأنها انتقلت من عالم (التشخيص) والمحاكاة الى عالم (الفن). إن النحت السومري في نظر الدراسات الحديثة، هو شكل من أشكال (النحت الحديث) وإن يكن زمنيا ليس كذلك مادامت العصور هي المختلفة، ذلك لأن العراقيين القدامى كانوا ينظرون الى الجمال بأنه الجوهر الحي الذي لا ينتمي الى الموت، وهذا ما يجعله أقرب الى الافهام وأدنى الى خصائص النحت الحديث من سواه.

لقد عقلنت العملية الفنية تجريدات العصر الحديث، وأبعدتها عن أصولها الميثولوجية الموغلة في القدم، وجعلت منها ما يمكن أن نطلق عليه اليوم بـ(ميثولوجيا العقل الحديث) بعد أن تأثرت بالعلم الذي فجرها وشظاها، فلم يعد لانشطاراتها المتداركة من حد، وهكذا وصلت الينا موجاتها المتلاحقة فغمرت ساحة الفن العربي منذ الأربعينات، حتى ازدهرت، ردات فعلها خلال سني الستينات وما بعدها، إلا أن سني التجريب والبحث والمحاولات التي اتسمت بالقلق واللوعة والعذاب، قد ثلمت أطراف تلك الموجة التجريدية الهائلة، وشرذمتها الى اتجاهات وأساليب شخصية قد تكون بعدد ممارسيها من الفنانين.

التشكيل الجديد
حينما حبلت أم التجريد في مقتبلات هذا العصر، ولدت (طفل الصدفة) العجائبي في ليلة من ليالي عام (1908) من سحر لوحة فنية مقلوبة على حامل الرسم في محترف الفنان الروسي (كاندنيسكي). ولعل الدهشة التي قوبلت بها تلك الولادة، ما كانت لتفعل فعلها العجيب في انعطافة الفن الحديث، لولا أنها فجرت ينابيع تلك الألوان السحرية وأطلقت موسيقاها، كما حركت في نفس الوقت، تلك التأليفات الشكلانية الحرة في اللوحة. وهكذا تحولت العين البريئة منذئذ الى عين خبيرة قادت العمليات الفنية فيما بعد فبلغت بها مرتبة الحقائق الكلية، في الوقت الذي لم يكن أحد ليصدق آنذاك بأن مثل هذا التيار الابداعي الحر، سيدخل في إطار الامكان، ويغدو في النهاية هو اللغة العالمية للفن.

وفيما كان سيل الانتاج يتدفق على ساحلة الفن الأوروبي، كان الفنان (موندريان) يتوجه بعقله الرياضي الغربي الى مطلق الفن بحثا عن التجريد الخالص في التسامت المقطوع أفقيا بدلالة السطح الأرضي في امتداده اللانهائي، وبهذا الانجاز، توصل الى لب القانون الكوني، ولامس بوعي أو بدون وعي قوانين الرياضة وتكافؤ المساحات وتوازن الفراغات التي ينطوي عليها جوهر الفن الاسلامي. وكمعلم للفكرة بالدليل المحقق، وكمكتشف لأحد قوانين الطبيعة الباهرة. أصبح (موندريان) مبدع نظرية (التشكيل الجديد)، استاذ العمارة الحديثة في القرن العشرين، رغم انه لم يضع طيلة حياته تخطيطا بسيطا واحدا في تاريخ العمارة، ولكن تطبيق نظرياته في ألفن والحياة، أصبح بلا حدود بدءا بالحلية البسيطة وانتهاء بناطحات السحاب.

من خلال وعي مبكر بجماليات العصر الصناعي، نجد أن الفنان الروسي (ماليفيتش) يربط الهامه الفني بالمثل الوظيفية لحضارة الآلة، ويتوصل الى ابتداع (السوبرماتية) التي حققت تجريدية مستقلة، غير أنها لم تفقد ارتباطها بما حولها من تيارات فنية حين تشاكلت مع الانماط التجريدية الأخرى.

من هذه الخلاصة، نستطيع أن نتوصل الى أن (الحالة التأملية) كانت خارج حدود هذه الأنماط التجريدية - عدا ما أكده (كاندينسكي) في كتابه المشهور (الروحي في الفن) وهي الحالة الأقرب الى توصلات الفنانين العرب اليوم والتي تميزت بابعادها الروحية وبموحياتها الوجدانية، فيما قفزت تجارب وانجازات الفن الغربي الى أفاق التكنولوجيا، حيث تبدت تطبيقاتها في الفضائيات الحركية، وترسيمات الاشعاع السحور، والتلوين الالكتروني، وتوجيه حزم الأشعة الليزرية، والرسم الكومبيوتري وغير ذلك من التقنيات العلمية الحديثة التي تضاف الى قائمة المبتدعات المدهشة كل يوم.

ولكن، ما الذي يجري على ساحة التشكيل العربي في مقابل كل ذلك؟
في دراسة شاملة للمشهد البانورامي هذا، سنتوصل الى نتيجة مقنعة تشير الى أن الفن العربي اليوم _ رغم تفاوت مستوياته _ يشكل المعادل الحقيقي للمرحلة التاريخية التي تمر بها الثقافة العربية ذاتها، مع التذكر بأن هناك تجارب فنية حداثية تحاول بشكل أو بآخر أن تتجاوز هذه المرحلة، وهي بذلك، إنما تمثل شرعية التجربة الاقتحامية الشابة التي تناهض ركود الحركة واستهلاك الأساليب.

جينات الحداثة
الفن التشكيلي لغة عالمية التعبير، وهي تحمل مفردأتها الزمنية الخاصة، كما تتوازن ايقاعيا مع الحركة الدينامية لذلك الزمان. والفن التجريدي، يشكل حلقة مهمة من حلقات تطور هذا اللغة التي ما فتنت صيغها ومفرداتها وأساليبها وأشكالها وألوانها تزداد ثراء وسعة وامتدادا. كلما تقدمت الحياة الانسانية في طريقها الصاعد الى المستقبل. أما الفنان في هذه الحالة، فهو الذي يخضع لقانون التدرج في التنويع، حين يصبح بامكانه تمييز مغايراته للصور المتراكمة في ذاكر ته. وتتسع شقة الاختلاف في تجارب الفنانين الشباب بصورة خاصة. وقد تزداد سرعة الانحراف في الدرجة كما اقترب أسلوب فني ما من استنفاد كامل أغراضه. أما إذا خبت، لأي سبب من الأسباب، إمكاناته في المراحل المبكرة من تاريخه، فإن طاقاته المضمونة التي لم تستغل بعد، ستصبح في متناول أنصار الأساليب الأخرى الذين يستطيعون توهيج دواخلها بالحث والتكييف والابتكار وفق افكارهم الجديدة.

إن الركون الى ما يملكه الانسان من نزعة للتنويع والابتداع - كحالة مضادة للرتابة والتكرار _ يمكن اشباعها بطريق السلوك الابداعي الذي يقود الفنان الى حالات التوتر ومن ثم الى مواطن الكشف والتوهج والخلق لقيم فنية جديدة. وهكذا تصبح حالة (التأين) التي يصل اليها أي أسلوب فني، هي النقطة الحرجة التي تنقلب فيها الى نمط آخر يحمل في متغيراته (جينات) الحداثة، بينما تظل عجلة الابداع الفني في دورانها اللانهائي.

الجانب التأملي في الفن الاسلامي
هل يستقيم الأمر معنا إذا قلنا بأن تجريديات الزخرفة في الفن الاسلامي، هي طريق الوصول الى حلم اللانهاية؟ أم أنها الأبدي وصداه؟

لعل الجواب على ذلك سيتم في سلوك واحد من طريقين، إما بطريق التأمل والاستشفاف الروحي، وإما بطريق الدراسة العلمية والبحث المنهجي الذي سيقودنا الى رصد حركة اليد الماهرة التي تخط وترسم وتصمم وتوازن وتستحدث مساحات لا يمكن النفاذ من احكامها إلا بواسطة جهاز (السيسموكراف) الذي يترجم أدق خلجات النفس وأخفافا، وهو بذلك، انما ينقل ما هو مرتهن من مشاعر وأحلام في المناطق المظلمة من النفس الانسانية _ تلك المناطق التي لا سلطان لنا عليها _ الى ساحة النظر والدراسة، وعندئذ، سيتاح للعلم استقصاء أبعادها الفنية، والوصول الى قوانين إيقاعها التشكيلي.

وعلى أساس من هذه النظرة، يجوز لنا أن ننشيء على آثارها الوجدية، ذات الترميزات الباطنية ما يمكن أن يؤسس علما جديدا للعقل الشعري ينبني أساسا على هواتف التخاطر الروحي.

حين عمد الفن الاسلامي الى التأليف التشكيلي الخالص، جمع ما بين الخط والزخرفة، فوحد انظمتها الداخلية ليخرج منها بصيغة جديدة هي رسالة التأمل والوجد التي تتوجه الى المطلق، عابرة الينا مع الخط الذي يعلو ويهبط كالشهيق والزفير، ومع الرقش الذي ينطق عن هوى مكتوم، ويمتد كما الانقاس في الصدور، وتنطلق سيمفونية ألوانه وتشكيلاته، نايات ودفوف، وصنوج ومزدهر، متجهة في معارجها الروحية الى الأعالي وهي تحمل توق الانسان المثلي الى مباهج الوصول. غير أن الفكر العربي لم يستطع التوصل الى جوهر الفن الاسلامي مثلما لم يفهم غاياته السامية، بل وقع في خطأ التذكير بالقيم الجمالية الشكلية، والأبعاد الرياضية والتصميمية التي يتسم بها هذا الفن ويتميز.

نظرية علمية جديدة تقلب الموازين
يتساءل (الدكتور يوسف محمود غلام) الباحث العراقي الكبير الذي اكتشف أحد الأسرار الكبرى لما ورائيات الفن الاسلامي قائلا:

"هناك من يتحدث عن موسيقية الخط العربي أو الزخرفة الاسلامية لكن، ما هي عناصر هذه الموسيقى!.. ما هو المخطط الأولي الذي تستند عليه هذه القطعة الزخرفية أو تلك؟ وكيف نتعلم أن نقرأ ما نعتقد أنه مجرد نقوش تزيينية؟..

وكيف نتعلم أن نرى الزخرفة بالخطوط والخطوط بالزخرفة؟ وعلى الجملة، كيف نملك منهجا فنيا وعلميا في الدخول الى الفن الاسلامي؟...".

لقد توصل هذا الباحث الكبير الى "أن عالم المعاني يستدير دورة تاريخية كاملة ليستحيل الى عالم أشكال، ولكن إذا كان المنظر الخارجي يمنحنا رؤية فرقة موسيقية باطار تزييني، فثمة (منظر)داخلي (ميكروسكوبي) بإطار من الكلمات والمعاني والألفاظ.".

"من يطلع على القطع الفنية الاسلامية المعروضة في متاحف العالم، لا يعرف عنها أكثر مما كتب في أسفلها بسطر أو سطرين لبيان عائديتها، علما بأنها تتضمن رموزا ومعاني وابتكارات تخطيطية نادرة. ولكي أضرب لكم مثلا على ما أقول، اليكم هذه الصورة التي تمثل كأسا سلجوقية صنعت في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي.. انكم سترون تخطيطات ومناظر مختلفة لأشخاص وحيوانات ومشاهد رقص وحرب ومبارزة وصيد لكن كل شيء هنا غامض أشبه بأسطورة قديمة.

إن هذه الرموز، ظلت غير معروفة لدى العالم طيلة قرون عديدة، لكنني، بعد دراسة دقيقة اعتمدت فيها على التصوير الفوتوغرافي، وفصل المجموعات بعضها عن البعض الأخر، استطعت أن أكتشف كل الأسرار.. كانت أشكالا غريبة تمثل رجالا في حالة حرب، أفاعي أو تماسيح تعض أقدامهما، هناك من يرقص وثمة من يعزف على آلات مختلفة، حركات وزخارف وأوراق وأغصان وتفرعات كثيرة: لقد كان المشهد كله عبارة من كتابة.

حينما أصبح فن التجسيم والنحت والرسم أداة لتشبيه الانسان، اتجه الفن الاسلامي الى الخط العربي ليعبر به عن حياته الداخلية وذلك بسبب مرونته وقيمه التشكيلية العالية.

إن الخط العربي مكون من حروف أفقية وحروف عمودية، وبينما تفعلي الأولى الجزء الأسفل من القطعة، تترك الثانية فراغات واسعة فيما بينها، وكان أن أخذ تطور الفن في الخط، بملء تلك الفراغات لموازنة القطعة الخطية، ثم تزويق أعلى الخطوط وملء الفراغات بزخارف متنوعة، وبعد ذلك، بدأ الفنان يتلاعب بنفس الخطوط، فصنع منها هيكلا زخرفيا حيث أصبحت معقدة وصعبة القراءة، لقد أدخل بعض الفنانين وجوه أشخاص وحيوانات في صميم الزخرفة، وانتهى بهم المطاف الى تعويض الحروف بالأشخاص والحيوانات، علما بأن هذه العملية ليست نظير الكتابة الهيروغليفية، ذلك لأن الشخص هنا لا يمثل شيئا، وكذلك الحيوان، غير أنهما يتحركان هنا كحروف عربية تفصح عن معنى.

إن طريقتي التحليلية تستهدف الوصول الى المخطط الذهني والتشكيلي الذي يستند عليه الفنان المسلم في صنع هذه الأشكال المعقدة، وهو مخطط مسبق وخاص بالفنان نفسه. وهكذا فإن دراستي لا تتناول مطلقا حرفيات الخط العربي التي تستند على قواعد ومذاهب حرفية معروفة، بل تسعي الى اكتشاف أصول الحركة والتصميم البحت لذلك المخطط، فالأساسي هنا هو أن نفهم دقائق العمل الفني ونتعلم كيف نتذوق عملا فنيا في غاية التعقيد بعد فك رموزه. (فالأسرار في الداخل، ذلك لأن "اسم الجلالة " مودع في الزخرفة) ولكي تقرأه، عليك أن تعرف الطريقة التي كتب بها الفنان كلمته، فهي قد تشكل أسدا أو طيرا أو قاربا، غير أنها في الحقيقة ليست إلا اشكالا كتابية ومعاني.

لقد حاولت أن أحلل كل قطعة زخرفية أو كتابية شاهدتها.. زرت عشرات المتاحف في أوروبا والولايات المتحدة، بما في ذلك، بلدان العالم العربي في المغرب، وبعض البلدان العربية وصورت مئات القطع الفنية بكل تفاصيلها فوتوغرافيا، فتوصلت الى حلول مؤكدة بشأن قراءة تلك التأليفات الزخرفية، وهكذا تحصل لي من هذا الجهد المضني والبحث الطويل موسوعة كبيرة تتألف من اثني عشر مجلدا باللغة الانجليزية تتضمن روائع الفن الاسلامي.. غير أن هذه الموسوعة الضخمة لم يكتب لها التحقيق طباعيا، رغم اني عرضتها كمشروع علمي فني كبير على عدد من الجامعات الكبرى في أوروبا وأمريكا، مثلما قدمتها الى عدد من الدول العربية، ولكني لم أتلق أي جواب لهذا العرض الذي يهم العرب أولا والدول الاسلامية والثقافة الانسانية بشكل عام *".

إنها إذن رسالة الصمت واصواته الخفية الموحدة التي يتوجه بها الفنان المسلم ابتهاليا الى فضاء المطلق، وهو حين ينغمر في مخاضات الابداع، ويواجه درجات المعرفة واحدة بعد أخرى، انما يحقق صلته بالنبض الحي للوجود المأنوس، ويمارس طقسا دينيا تصبح فيه العملية الفنية سبيلا لابداع ما يمكن أن يمثل النقيض للمنظور الغربي الذي يجري وفق منهجية العقل (الكانتي).

إن هذه النتائج، ستقودنا الى التذكير بتركيبة العقل الغربي الذي لا يمنح الفنان قدرا من التعلق الروحي، بقدر ما يمنحه من حرية تسليم بحثه الى معالجة الشكل المنظور معالجة رياضية، وبالتالي الى تحليل جميع العناصر التي يتألف منها، وهو أمر يتيح للفنان حرية التجاسد مع الأشياء، وصولا الى ذروة الهناء الدنيوية.

دعوة تذكير الى المؤسسة العربية للثقافة والعلوم
حين نجد بأن الوقت المناسب قد حان لازالة غبار الزمن عن صفحات هذا التراث الحي، نكون قد أفلحنا في تأشير نقطة البداية للسعي في إحياء تقاليد تلك الفنون الرفيعة وتطويعها لموجبات العصر وأغراضه، وهي قضية كبرى نرجو الا يغفلها الدارسون، وإلا يجعلوا منها تاريخا مكتوبا فحسب، بل أن يفتحوا الطريق _ على مستوى البحث التحويلي العلمي المستنير - أمام الأفكار والنظريات والتقنيات الحديثة، لتأخذ مكانها الحقيقي في هذا الوسط الجديد الذي سيغدو، في النهاية مختبرا للبحوث الجمالية وليس متحفا للنصوص الساكنة.

ونحن، حينما نقف عند هذه النقطة الحيوية، سنجد بأن الاحاطة بأبعادها يستدعي عقد مؤتمر عربي من قبل المؤسسة الثقافية المختصة في جامعة الدول العربية، يقوم على تقديم الدراسات الحديثة في هذا الميدان، اعتمادا على الاستلهام الفكري والروحي لمأتي هذه الكنوز، والاستجابة بكامل اللطف لجمالياتها، ثم تناول آثارها الباقية بالتنظير والتحليل، وصولا الى حل رموزها وتفسير معانيها والكشف عما ورائيات نظمها الرياضية المحكمة، وقيمها الجمالية والمعمارية وأبعادها الروحية من دلالات ومعان. إن التصدي لمثل هذه المهمة العلمية - الفنية - التاريخية الخطيرة يستدعي بالضرورة التمهيد الاعلامي الذي يشمل العالمين العربي والاسلامي، وهي مهمة نعلم مسبقا أنها عصية على التحقيق في الزمن المنظور، مادمنا حتى الأن، لم نستخدم المختبر العلمي ولا الدراسة المنهجية، كما لم نستخدم التنظير ولا التطبيق الميداني المبرمج، بل ظل اعتمادنا _ عربيا _ متصورا على حدوس الخبرات الشخصية، وهكذا بقيت جميع تلك الدراسات والبحوث المتناثرة، مرهونة بتقاليد البحث التاريخي الجامد، ولم تستطع أن تخلق تيارا فنيا يساهم في الحضور في حركة الفن العالمي الحديث.

الاسقاط الشعوري في التجريد الحديث
في الفن كثيرا ما تحيلنا الرؤية المباشرة لنظام جمالي معين الى تأجيج حدة الرؤية في الصور المتعاقبة التي تؤلفه، ولعل هذا العصر، من أكثر العصور إثارة لتلك النماذج وإحياء لها على نحو خيال مثير قد يرتقي في الأحيان، الى مرتبة (ما بعد الادراكية) لذلك، نجد بأن (السلطة الرمزية) للأشكال، قد أخذت دورا متميزا في الأعمال الفنية الحديثة، فاللوحة الفنية في نظر (آرب) "تظل (حسية) مهما خضعت لعمليات التجريد" وهي في رأي (تيوفان ديزبورج) منظورة بشكل يؤكد "أن هناك الحسي لا التجريدي، لأنه ليس هناك في الحقيقة، ما هو أكثر حسية من الخط واللون والمساحة، وهي بمجموعها تمثل (التشيؤ) الحسي للروح الخلاقة ". ومع ذلك فإن الاحتفاظ بجوهريات الأشياء بعد تجريدها من النوافل، لا يمكننا من اضفاء شرعيات الأسماء عليها بشكل يمنحها الحد الأقصى من دقة الوصف. إلا أن الجميع تعارفوا على انفراد (الأورفيزم) بالاتجاه الغنائي، وذلك، حين تغدو الألوان الزاهية الصافية في لوحة (هواء وحديد وماء؛ على سبيل المثال، مثارا للانفعال البصري. وحين تصور لوحة (أزرق وأحمر في مسطحات عمودية) لكوبكا، ما يشبه الذبذبات الصوتية التي تصدر من آلة موسيقية وهكذا..

غير أن الاختلاف، يصدر من تعدد أساليب التعبير عن (الخيالي) أو (الجواني _ الداخلي) الذي يمثل اسقاطا شعوريا لما انطبع في النفس وما ترسب من صور وماج من أحاسيس. وهنا يصبح مصطلح (التجريد البلاستيكي) مثلا، ليس هو القالب اللغوي الذي انسكب الحنى فيه وأفرغ، بل هو الانطباع الذي انعكس فيزياويا على الشاشة البصرية، ثم اتفق فيما بعد، على منحه عنوانا قد يكون فضفاضا وليس على مقاساته، ذلك لأن العمل الفني في هذه الحالة، لا يمثل إلا ذاته.

عود الى شجرة موندريان
إيقاع الأشكال في الطبيعة، أويمكن أن يتحول الى معادله الرياضي الهندسي البحت، دون أن يفقد شيئا من بدائيته أو عفويته الفطرية؟. وماذا كان على الفنان الحديث أن يفعل، ليرد الى شجرة (موندريان) عذريتها الطبيعية بعد أن حولها وفق منظوره التحليلي الى مراحل شكلية ثلاث، بدت في الأخيرة منها أقواس إيقاعية منتظمة تنبيء عن نسخ الخصيصة الحقيقية للشجرة، لتتحول في النهاية الى اسقاط شكلي محض لخطوط هندسية انتظمت وفق قوانين مبتدعها الفنان.

أبدا لا يمكن فصل جذور التجريدية الهندسية من أرض (التكعيبية) ولا حتى من امتداداتها العميقة في أرض الفنون لحضارات غابرة كثيرة. غير أن قوامها الهندسي الخالص، قد استقر على يد (موندريان) ومن شايع حركته من فنانين.

غير أن ( موندريان) كان قد مر بأزمة روحية دعته الى إقامة الصلة مع (الثيوصوفيين)(1) وشاطرهم مثل (كاندنيسكي) الاهتمام بالديانات الشرقية، واعتقادهم بأن هذا هو المنبع الوحيد الذي يكفل تجديد الانبعاث الروحي العظيم في الغرب، حيث يسلط الفنان الضوء على أسباب هذا الاختيار في دفتر ملاحظاته عام 1914قائلا:

"الاقتراب الى الروحانية في الفن... هناك طريقان يؤديان الى الروحانية: طريق التعليم العقائدي بالممارسة المباشرة: (التأمل)، والطريق البطيء، ولكنه الاسلم في التطور.

في الفن يشهد المرء نموا بطيئا للروحانية قد لا يفطن الفنانون أنفسهم اليه " ثم يقول: "ينبغي على النظرة الجديدة في الرؤية، أن تقودنا الى مجتمع جديد، كما قادتنا الى فن جديد. مجتمع يجمع بين عنصرين بقيمتين معادلتين: مادية وروحية. مجتمع بنسب متناغمة ".

إضاءات.
*يقول كاندنيسكي: "كنت عائدا الى (الاستوديو) بعد أن أنهيت تخطيطا، مستغرقا في التفكير عندما واجهتني، وأنا افتح الباب، صورة متوهجة بسحر لا يوصف، انتابتني الحيرة، توقفت ورحت أحدق فيها. الرسم ينقصه الموضوع كليا. انه لا يبطن (شيئا) يمكن ادراكه. كان مؤلفا كله من رقع براقة من اللون. أخيرا خطوت مقتربا منه وعند ذلك فقط، أدركت ما هو عليه في الحقيقة: إنه رسمي أنا، موضوع على جانبه لا على قاعدته على المسند شيء واحد صار عندي مفهوما، إن "الشيئية " أو تصور الأشياء، لا مكان له في رسومي.. إنها ضارة في الواقع ".

* يعزو الدكتور يوسف محمود غلام قصور المستشرقين عن بلوغ غايات مهمة تؤدي الى اكتشاف أسرار الفن الاسلامي وتحليل دقائقه، الى أن هذا الموضوع المترامي الأطراف، يتطلب الاستشهاد بالقرآن الكريم وبالأحاديث النبوية الشريفة، ومعرفة الحكم والأقوال المأثورة والشعر ودخول المساجد والتكايا والبيوت التراثية وغير ذلك مما يتعلق بالمجتمع الاسلامي، ومع ذلك فقد برعوا في كتابة (تاريخ) الفن الاسلامي، وساهموا مساهمة فعالة في نشره وتدريسه.

* كان أول فنان عراقي مارس فن التجريد متأثرا بطريقة الفنان الأمريكي (بولوك) هو الفنان الراحل (أكرم شكري)، أول مبعوث عراقي لدراسة الرسم في بريطانيا عام 1930- 1931. وذلك بعد عودته من المكسيك والولايات المتحدة الامريكية بدعوة من منظمة اليونيسكو عام 4 195.

فقد قدم هذا الفنان في معرضا الشخصي الذي أقامته (جمعية الفنانين العراقيين) ضمن برنامج مهرجان الفن العراقي عام 56 19. في قاعة (معهد الفنون الجميلة) مجموعة من اللوحات الفنية المنفذة بمادة (البيروكسلين) على طريقة بولوك، حيث مارس في انجازها ذات التكنيك الدرامي بجرأة أدهشت الفنانين في وقت لم يكن للفن التجريدي حضور واضح على ساحة الفن العراقي يومذاك، فيوا عدا الأعمال المبكرة للفنان شاكر حسن سعيد في عام 1954.

لقد عمد الفنان (جاكسون بولوك) الى رش ألوان البيروكسلين على قماش اللوحة المفروش على الأرض، واستطاع أن يؤلف نسيجا لونيا متشابكا يحمل في تضاعيفه شهوة التعاشق وحركة الانشطار والالتحام، ليحصل في النهاية على رؤية لونية متضاربة، مثلما هي الحياة بكل توازياتها ونقائضها.

وهكذا توالت التجارب والأعمال الحداثية في السنين التالية حتى أصبحت ظاهرة تهيأت لها من الأسباب ما أوصلها الى ترافقات عربية وعالمية، واذا استطعت أن أشير هنا بصورة لمخية الى بعض النماذج الفنية المتفردة، بدلالة أعمالهم المجلية وتاريخهم الفني المشهود، فيمكن أن يكون حضورهم كالآتي:

شاكر حسن سعيد، ضياء العزاوي، رافع الناصري، علي طالب، سالم الدباغ، راكان دبدوب، صالح الجميعي، غازي السعودي، فائق حسين، مهدي مطشر، خفير شكرجي، خضر جرجيس، هاشم سموجي، كريم رسن، بالاضافة الى عدد كبير من الفنانين الشباب الذين لمعت أسماؤهم منذ سني السبعينات ومازا لوا على درب الابداع يسيرون .

الهوامش
* نظرا لاهمية ما تضمنه الحوار من معلومات تلقى الضوء على هذا الموضوع الخطير، فقد رأيت عدم الاجتزاء منه، علما بأن الحوار المطول قد جرت به الباحث وناقد الفن سهيل سامي نادر على صفحات جريدة الجمهورية العراقية بتاريخ 20/2/1973.

وقد انقطعت عنا أخباره منذ زيارتي له في عام 1978 بمدينة (ساز فرانسسكو) بالولايات المتحدة واطلاعي على جانب من مشروعه الضخم.

1- الثيوصوفية: معرفة الخالق بطريق (إلكشف) الصوفي أو التأمل الفلسفي أو كليهما.
نزوى

  •  

  •  

  •  

  • تجديد اللغة الشعرية في الفن الحديث
    "اقترابات من شواطيء التجريد"
    نوري الراوي (ناقد وفنان تشكيلي من العراق)

 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط