02/17/2013 Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


 
 
 

  د. مليحة مسلماني (*)

 
 
 
 
 
 
 
 
 
  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • إن أردنا تعريفَ هويّةٍ لأحمد كنعان الفنان، فليس تعبيراً أفضل من القول أنه فنان التفكيك والتركيب بامتياز، وتلك هويّةٌ موضوعها وهمّها الهوية ذاتها. ومنذ ما يزيد
    إن أردنا تعريفَ هويّةٍ لأحمد كنعان الفنان، فليس تعبيراً أفضل من القول أنه فنان التفكيك والتركيب بامتياز، وتلك هويّةٌ موضوعها وهمّها الهوية ذاتها. ومنذ ما يزيد على عشرين عاماً على مسيرته الفنية، يظلّ كنعان يفكّك الهوية ليعيد تركيبها، مستمداً المعنى والشكل من الحاضر والماضي، مستنداً بما هو سياسي على الإرث الثقافي، مازجاً الخاص بالعام، ومنطلقاً من الذاتي ـ الحميمي والخاص ـ إلى الجمعي. هذا الأخير ـ وعياً وذاكرة ـ يظل حاضراً في أعمال كنعان التي تطلّ حجر زاوية في فسيفساء التشكيل الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، والذي بدوره يشكل حجر زاوية في الهوية الثقافية الفلسطينية المعاصرة.


وللانطلاق إلى الحديث عن مرحلة الفارس الأخيرة التي يعمل عليها كنعان، في رسومات وتراكيب وتماثيل تستمد جمالياتها وقيمتها من التقنية المستخدمة والمضمون المرجو على السواء، لا بد أولا من رصد الخط العام الذي يسير عليه كنعان، وهو ما أطلقنا عليه التركيب والتفكيك الذي يستهدف الهوية وتستهدفه في ذات الوقت. تلك الهوية في أعمال كنعان تستمد شكلها ومضامينها من محاور عدة، عامة وخاصة، سياسية وثقافية وتراثية وإنسانية.
إن أي تعمق في أعمال كنعان ـ بداية من تلك الكنعانية التي أنتج فيها أعمالا أسطورية ـ معاصرة ـ مستمدة من التراث الكنعاني الفلسطيني ، كأعمال عنات وعشتار والبراق وصلاة الاستسقاء وغيرها، ومرورا بمرحلة الفن السياسي المتمثلة في أعمال تستمد معناها ووظيفتها من قضية الشعب الفلسطيني بشكل عام وقضية الفلسطينيين في الداخل بشكل خاص، وانتهاءً بمرحلة الفن البيئي حيث الأعمال التي تستهدف تفاعل الجمهور معها واستخدامه لها، وأخيرا مرحلة الفارس التي تؤرقه منذ ثلاث سنوات ـ يكشف أي تعمق في نتاجات تلك المراحل المختلفة أن موضوع الهوية، مضموناً وشكلا في أعمال كنعان، غايةً ووسيلة، لهو أكثر تعقيداً من محاولة رسم خطوط مفصّلة وواضحة المعالم والمسافات بين الهويات التي يعمل عليها الفنان؛ إن كنعان يقوم بالمزج بين الهويات، يدمج الذاتي بالجمعي، والسياسي بالثقافي، وكأنه يسعى نحو وحدة هوية أو هوية واحدة، لذا كان التركيب والتفكيك هو إزميل الفنان وريشته التي سعت إلى الاكتمال، وتلك غاية الفن منذ أقدم العصور.


لذا، لا نرى أن كنعان قد أعلن يوما نهاية مرحلة تماما والبدء بأخرى، ما زال كنعان يعود إلى كنعانية أعماله في تلك التي تكون سياسية، أو العكس، كما في عمله جدار في الرأس وأعمال أخرى. وهو أيضا يُدخل ما هو سياسي في فنون الزخرفة والمشربيّة، حيث يرى كنعان في الفن الإسلامي فنّاً غنيا وساحرا، مفتوحا على اللانهاية في الإبداع المتجدد.
ذكرنا، تؤرقه فكرة الفارس، ولعها ليست مجرد فكرة، الفارس عند كنعان، حلم وواقع، وهو حلم طفولي على المستوى الذاتي. إن الفارس رُسم أول ما رُسم في خيال الأطفال وفي أحلامهم اليقِظة، كـ السوبرمان على سبيل المثال، الفكرة التي جنت الأموال الطائلة للسينما العالمية. قد يكون الفارس أيضا هو المخلِّص ـ كأساس تستند عليه الديانات الثلاث. هذا على المستوى العالمي، الإنساني والديني. لكن الفارس أيضا، بالنسبة لكنعان العربي الفلسطيني، هو أيضا، وربما أولا، الحلم العربي ـ القومي ـ مطلب الشعوب العربية، الذي وإن أصبح حلما لا يُصرّح به، إلا أن ما زال يصرخ داخل الذات العربية، وإن على استحياء.


فكرة الفارس ـ المخلص أو القائد ـ وكما يصرح أحيانا أحمد كنعان في عناوين بعض اللوحات التي تشكل جزءاً من تلك المرحلة، تصبح جزءا من تراث لا مطلبا مستقبليا، حيث يرسم كنعان الفارس كزخرفة ، كتزيين، الفارس هنا لوحة جميلة، زخرفة متوترة معلقة على الجدار، نكتفي بالنظر إليها والاستمتاع بجمالية التكرار والعلاقات التي يخلقها. ينتقد كنعان ويسخر ويتمرد، ويرفض حبس الفارس في خانة الماضي والتراث فيقوم ببعثه، تمردا على واقعه من ناحية، وعلى الحلم الذي أصبح للماضي ويريده هو للمستقبل، فيعلن في ثلاثة أعمال معنونة بـ انبعاث، عن انبعاث الفارس وخروجه من خانة الماضي والتراث، حيث يترك الفارس في أحد تلك الأعمال المصفوفة الزخرفية التي تكرر شكله، ويحتل النصف الثاني من اللوحة فارساً واضحاً واحداً لا مكرّرا. لكن الشكل هنا يشير إلى دلالات عدة، كلنا فرسان، إن أردنا، وكلنا في وحدة الصف نشكّل فارسا، كما في لوحة انبعاث الزيتية أيضا. تشير حركة وشكل الحصان والطريقة الضبابية التي رسمت بها اللوحة إلى فارس يختزل الثورة في داخله، يحاول التشكّل من فرسان صغيرة ـ يحاول الانبعاث. يكرر هنا أحمد كنعان ما عمل عليها سابقا في تماثيل مثل السمكة الكبيرة التي تشكّلها أسماك صغيرة، وتمثال داود وجليات حيث يتشكّل المقاوم الفلسطيني الكبير من مقاومين أصغر حجما. يعيدنا هذا إلى فكرة التركيب والتفكيك، كوسيلة وغاية عند كنعان، التي تحدثتا عنها بداية.


لا تقف حدود الفكرة ـ أو المزج بين الهويات ـ عند كنعان في مزج الذاتي بالسياسي، والسياسي بالثقافي، إذ يتحول الفارس في أعمال أخرى إلى فارس الأحلام. الفارس مذكر، فاعل، قائد، وهو فارس أحلام البنت المنتظرة من خلف المشربيّة، حيث سيأخذها إلى دنيا جديدة، أجمل وأكثر حياة، وهناك ستتحقق هويّتها المنتَظرة، كحبيبة وأم. في هذا المزج بين الهويات، الجندرية بالسياسية، دلالة على فارس أحلام شعب ـ شعوب ـ تنتظر وتنظر من خلال فتحات الحصار.
الفارس في أعمال كنعان يخرج عن كونه الحلم والتراث والماضي العربي أو الفلسطيني الجميل، هو ليس فقط هذا الحنين إلى المجد العربي القديم، بل إن كنعان يسخر من تلك الفكرة حدّ التمرد عليها، فأعماله تُخرج الفارس من كونه ماضياً أو تراثاً جميلا، لجعلة فاعلا، ذا علاقة بالمستقبل لا بالماضي، منبعثاً في اللحظة؛ في كلّ لحظة ينبعث فارس، حين ثبتت ريشة كنعان انبعاث الفارس.

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • التشكيلي

 

 
   
 

  (*)   مليحة مسلماني كاتبة وباحثة فلسطينية حاصلة على درجة الدكتوراة في العلوم السياسية وكان موضوع رسالتها "تمثلات الهوية في الفن الفلسطيني المعاصر في المناطق المحتلة عام 1948.

   
     
 

هذا الإعلان لدعم مشروع مجلة التشكيلي