02/17/2013 Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


 
 
 

  رياض بنالحاج أحمد *

 
 
 

أجساد في نسيج، 1 * 2 م، ألوان زيتية على قماشة

 
 

مشهد من مسرحية "سيدة باريس" "Notre Dame de Paris"

 

مشهد من مسرحية "روميو و جولييت"

لوحة جرأة، 180*150 صم، ألوان الزيتية على قماشة

لوحة صدى، 130*110 صم، ألوان زيتية على قماشة

 
 

لوحة بعث، 65*50 صم، مواد مختلفة على ورق

المنجي معتوق، لوحة بعث

المنجي معتوق، لوحة تمجيد
 
 
  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • تقديم الفنان
    ولد "المنجي معتوق" سنة 1956 بسيدي علوان من ولاية المهدية بالجمهورية التونسية حيث نشأ و تربى. أحرز على شهادة الأستاذية سنة 1979 في مجال الاتصال السّمعي البصري و ذلك بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس.قام بتكوين في مجال الرسوم المتحركة كما أنجز العديد من الرسوم الخطية في مختلف القصص و المجلات على سبيل الذكر مجلة" قوس قزح" مع "الشادلي بن خامسة". " ثم اشتغل بعد ذلك كأستاذ في مدرسة إعدادية بسوسة ثم انتقل بعد ذلك بالتدريس بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس. شارك في عديد الملتقيات و المعارض الجماعية. و قد كان أول معرض شخصي له سنة 1996 بقاعة "كليستي" ثم تتالت بعد ذلك معارضه في إطار فردي و جماعي .
    إن التجربة التشكيلية للفنان "المنجي معتوق" تبرز اختياره الجلي في بعض جوانبها التعامل مع الجسد، حيث يجعله في بحثه تعلّة فيوظفه في محامله فيجعله كموضوع و كشغل شاغل له إذ لم يعد معه ذلك الأخير مجرد متمم من متممات اللوحة، بل أصبح عنصرها الرئيسي في مستوى المساحة والمعالجة بل أنه يتجاوز مفهوم الجسد في حد ذاته لأجل طرح جملة من القضايا الإنسانية والوجودية، أو المسائل التشكيلية بمفردات فيها من الطرافة و الحداثة الشيء الكثير قد تصل أحيانا إلى مستوى تخوم الإبداع حين يجانس معها مثلا إيحاءات لفنون أخرى فتنصهر معها و تتجاوزها كالفن المسرحي مثلا ليأتي الجسد دالا عن عنونة علاقة التواصل بينهما و متمسرحا أمامنا في تشكيلات عدة .


جدلية القوى الحركية: لوحة أجساد في نسيج
لقد اعتمد معتوق ضمن لوحته أجساد في نسيج على مجموعة من الأجساد ذات بنية مورفولوجية مفتولة العضلات قوية تتحدد في مستوى الهيأة و الشكل الخارجي لتعطي لنا إحساسات بالمقاربة بينها و بين الأجساد المسرحية، وهي تلك التي يقول فيها "حمادي الدليمي" " إن السؤال هنا لا يهتم فقط بالرسم أو الأثر بل بمسرحة الجسد و هي أعلى درجات الإبداع عند المبدع" . هذا من حيث المنظر الخارجي لكن نلاحظ أن هذه الأجساد هي أجساد مقطوعة الرؤوس تميح بنا نحو المطلق و يشير إلى ذلك الباحث المنصف نوار قائلا:"الأجساد غالبا عند معتوق بغيــــــــر رؤوس و ملامح واضحة، فهي أجساد نكرة مجهولة النسب و الهوية و هي بهذا ترقى إلى مستوى الإنسانية" فالأجساد ترقى إلى مستوى المطلق من منظور أنه قد غيبت أجهزتها التناسلية كما أنه لم تحدد هويتها في اللوحة انطلاقا من تغييب الخصوصية المعمارية أو الثقافية مثل اللّباس والوشم ولون الجسد مما حدا بالأجساد أن تتحول بالتالي من المطلق إلى الطلاقة و الإطلاق المتجسّم في فعل الحركة التي تتوافق من حيث البنية الجسدية و الفعل المجسم مع نضيره المسرحي
فإذا اعتبرنا قوس الإطار المسرحي و القوس الخاص بخشبة المسرح معادلا لإطار اللوحة الفنية في فن التصوير فإن نشر الشخصيات أو توزيعها داخل هذا الإطار المسرحي ينبغي أن يكون مدروسا أو مرضيا للجمهور، ويعني هذا أن كل الحركات ينبغي أن تتم الموازنة بينها بشكل أو بآخر.
ذلك هو الشأن بالنسبة لعلاقات التواصل في الحركة التي نجدها في هذه اللوحة التي تأتي لتتمظهر في الأيادي و الأصابع في المقام الأول التي أتت كدليل إشاري دالة على الانقباض و القيد و التي حدّدت و جهة حركة الأيادي التي باتت دالّة على النظام انطلاقا من الأيادي المقيدة، و من ثم الأجساد التي أتت متمظهرة في اتجاهات الحركة الغير منتظمة و من ثم المنتظمة .

الحركة المنتظمة و الغير منتظمة
الحركة المنتظمة

كما هو الشأن بالنسبة للصورة المسرحية فقد لعبت الأيادي في هذه اللوحة دورا أساسيا فأتت في المقام الأول بعد غياب الوجه فباتت كأبلغ أدوات التعبير إذ عبرها و من خلالها قد تحدّدت حركات معظم الأجساد المقيدة، إذ أن للأيادي دورا هاما تعبيريا سواء في الأعمال الفنية التشكيلية أو المسرحية إذ أنها تستخدم في تحقيق عدد كبير من الأفعال التي تلعب دورا هاما في الأحداث، فهي التي تقبض على الخنجر أو تشهر السيف كما ترفع الكؤوس و تتبادل الخطابات و تصافح الأيدي الأخرى و إلى جانب ذلك تتدخل الأيدي بشكل مباشر في الإفصاح عن مكنون النفس أو دلالات الموقف ذلك هو الشأن بالنسبة لهذه اللوحة التي أتت فيها الأيادي دالة على مأزق مثلها فعل التقييد و الذي حدا بها نحو الانقباض و انعكس على جميع الأجساد التي انحنت و تقوّست جذوعها إلى الخلف متأثرة بالخيط الذي شدّها و قشعها في المستوى العلوي فأتت الأيادي مرفوعة إلى الأعلى و مشدودة إلى الخلف ممّا دفع بمرافقها أن تظهر في مستواها العلويّ و على هذا الأساس أمكننا أن نتحدث عن النظام انطلاقا من هذا المستوى من التجسيد الذي تحول تنازليا لتتغير بالتالي من النظام إلى اللانظام..

الحركة الغير منتظمة
يبدو الخيط الذي يوجد في الأعلى و الذي به و من خلاله تحدّدت حركة الأيادي فجاءت منقبضة إلى الحلف محددا لنوعية الحركة التي انتهجتها الأجساد سبيلا ، ذاك أنه من خلال الانقباض الذي أتت عليه الأجساد المبتورة الرؤوس نجد محاولات للحراك من خلال الاستماتة للتحرر، و على هذا الأساس يأتي الجسد منقسما إلى طرفين متنازعين، طرف علوي هو مقيّد، و طرف سفلي تتغير حركته من أجل الانفلات و هذا ما تبينه من خلال صورة الأجساد التي أتى نصفها العلوي منقشعا إلى الخلف على غرار القسم السفلي الذي جاء مائحا إلى الأمام وعلى هذا النحو نلاحظ أن منتصف الجسد يمثل محور انطلاق و توالد الحركات و في هذا السياق يشير "جوليان هلتون" عن "لابان" في نظريته عن الحركة:"إن الحركة تنبثق من مركز في منتصف الجسد." ويضيف عنه جوليان هلتون "الحركة البشرية تنبثق أيضا و بنفس الدرجة من تلامس القدم مع الأرض. و تشكل علاقة التوتر الجدل بين هذين المركزين العملي و النظري أي بين الأقدام و شبكة الأعصاب السيمياتيوية خلف المعدة عنصرا جوهريا في تحقيق الاندماج و التوافق بين الجوانب الفسيولوجية و الجوانب الجمالية و تعتمد الحركة المسرحية بكافة أنواعها على هذا الاندماج و التوافق بين الطبيعة الفسيولوجية للجسد من ناحية و بين التشكيل الجمالي من ناحية أخرى"
ويمثل هذا التوافق بين التشكيل الجمالي و الطبيعة الفيزيولوجية للجسد جوهر التوافق ضمن الحركة في هذه اللوحة و الحركة المسرحية إذ جاءت الأرجل في هذه اللوحة ذات اتجهات مختلفة و على هذا النحو من الفعل الحركي الذي أتت به و عليه هذه الأجساد فإن الحركة تبدو غير منتظمة - بل- و مضطربة. و بالتالي من خلال هذا الجانب الجدلي من القوى الحركية المنتظمة و اللامنتظمة يتحدّد لنا بناءها العام المنبثق من الحركة الحرّة و الحركة المقيّدة.

الحركة الحرّة و الحركة المقيّدة
الحركة الحرّة

إن الحركة الحرّة هي تلك التي جاءت في الجانب السّفلي من الجسد و الذي من خلاله استطاعت الأجساد أن تتحرّك فاختلفت اتجاهات مساراتها أما الحركة المقيدة فقد تمحورت في الجانب العلوي منه و ذلك على مستوى تكبيل الأيادي.
و يمكن أن نلحظ جانبا آخرا في التوافق بين هذه اللوحة ضمن الحركة و الحركة الجسدية ضمن الحدث الذي تتوالد فيه الصراعات يقول "جوليان هلتون""تنبثق الأحداث في العرض المسرحي من الصراع مع الشر أو مع قوى معارضة و يولد الصراع قدرا من التوتر يزداد بازدياد القيود عن الحركة في المكان. فالحركة المقيدة تولد عادة درجة عالية من الانفعال و الإحساس المثير بالترقب أكثر من الحركة الحرة" و على هذا الأساس فإن الحركة المقيدة تلعب في المكان دورا هاما حيث تجعلك في هذه اللوحة تتخيّل السبب و تترقب النتيجة و تحاول تحريرها ذلك هو الشأن مثلا بالنسبة لحبكة فعل الحركة المقيّدة في مسرحية "الرجل الذي صمد" "لصلاح الدين البلهوان" و "المنصف شرف الدين" إذ يقول (ماتيو) للزعيم في المشهد الأول "بإمكانك أن تذهب و تجيء في أرجاء البرج كما تشاء و لك أيضا أن تخرج إلى البئر لتأتي بماء شرابك و غسيلك - لكن- يحجر عليك أن تبتعد أكثر " ومن ثم يزداد هنا الصراع بازدياد القيود الوضعية التي تعمل الشخصية على تحديها و تحاول أن تكسره ذاك هو الشأن مع هذه اللوحة إذ أن هذه الشخوص تحاول التحرر والانفلات من هذه القيود الموضوعة التي تعمل على تكبيلها في حيز بوتقة المكان، إن هذه الجدليات بين القوى الحركية تزداد عمقا بازدياد الفعل و عدمه إذا ما تحدثنا عن باقي الأجساد ذاك الذي يوجد في وضع استلقاء هذا ما سيحيلنا إلى الحديث عن:
الحركة و السكون
الحركة
لقد مثلت هذه الأجساد محور تجاذب مجموعة من القوى الحركية لعبت فيها الأيادي و الأرجل في اتجاهات مساراتها و الجذوع في انحناءاتها و انقشاعها دورا رئيسيا في إظهار هذه القوى الحركية –لكن- رغم هذه الحركات و تواترها الهام في إذكاء روح القوة و الفاعلية فإنه يمكن أن نقف عند مناص جديد في الفعل ألا و هو الاستسلام و الاسترخاء و هذا ما يتمظهر في السكون.
السكون
على خلاف الأجساد الخمس التي جاءت في فعل حركي في المكان يأتي جسد سادس متخذا من الاستلقاء سبيلا، يتواجد في الجانب الأيسر من اللوحة يأتي طوله تقريبا مقاربا لعرض اللوحة، ممدّدا و مجسدا لخط مائل، و إذا اعتبرنا تقاطع خط الطول و العرض في الجانب الأيسر مقياسا للزوايا فإن هذا الجسد ينطلق منه ليحدّد زاوية تبلغ فتحتها 35 درجة و هذا الخط الوهمي يخترق جميع خطوط مسارات الحركة التي تحدثها هذه الأجساد ضمن حركتها و هذا ما يوضحه هذا الرسم البياني للصورة

و هكذا تتضاعف قوة الحبكة في هذه الصورة ضمن تواشج القوى الحركية و المتأسّسة على التقابل البصري بين حركة الأجساد الخمس من الجانب الأيمن و سكون الجسد السادس من جانب اليسار و بين أجسادهم المستقيمة و جسده المنحني فهذا التقاطع الخطي إضافة لتواتر الحركات ضمن تجاذب القوى فيها إنما يوحي بنوع من الإحساس بالتراجيدية و هذا ما يحيل إلى الجانب التراجيدي للحدث المشاهد يقول في ذلك "رشاد رشدي" "و بما أننا نتحدث عن الحوادث التي يتكون منها الحدث، فجدير بالذكر أن التراجيديا ليست فقط محاكاة حدث كامل و لكنّه أيضا حدث يثير الفزع و الشفقة" و إن هذه الحبكة التراجيدية ضمن الصورة في هذه اللوحة نجد نظيرتها في الفعل المسرحي مثال ذلك في مسرحية "سيدة باريس " "Notre Dame de Paris" فحين تستلقي "إزمرلدا" نجد التقابل البصري بين حركة الممثل و سكون "إزمرلدا" من ناحية و بين جسده المستقيم و جسدها المنحني من ناحية أخرى فالتقاطع الخطي للجسدين يشكّل صليبا كإشارة مجسّدة للحزن فقوّة الصورة هنا تنبثق من طبيعتها الجدلية

الانفصال و الاتصال
جدلية الخطوط

إن لوحة "أجساد في نسيج" أتت لتحمل لنا بين جنباتها نسيجا هاما من الخطوط ضمن البنية الداخلية، إذ أن أجساد الأشخاص الخمس تبدو وضعياتهم في شكل منحن مما يحدّد وضعية جملة من الخطوط المنحنية التي إذا ربطنا أواخرها تعطي لنا شكلا كرويّا يتفاقم بتواجد خطوط دائرية تحيط بمجموع الأيادي لكن على خلاف ذلك نجد الخطوط المستقيمة مثل الخط الأفقي الذي يربط الأيادي من جهة اليمين و اليسار، و نضيره الفاصل بين الخلفيتين، و خط أفقي مائل مستقيم هو خط الجسد المستلقي كل ذلك داخل تحديد هندسي شديد الصرامة في الاستقامة هو إطار اللوحة .

و إن هذا التحديد و التأطير ضمن البنية لمجموع جملة هذه الخطوط في هذه اللوحة نجد نضيره في الجانب المسرحي يقول "جوليان هلتون" يعكس المسرح في تصميمه الداخلي التقابل الجدلي بين التشكيل الإنساني للمساحات الذي يتميز بخطوطه المستقيمة وبين الأشكال الطبيعية التي تميل إلى الاستدارة و الخطوط المنحنية: وهكذا إذا تفرض جدلية الخطوط المستقيمة و المنحنية نفسها على الإنسان عادة حين يحاول أن يحدد موقعه في المكان عامة و قد رمز "ليوناردو دافنشي" إلى هذا المعنى في واحدة من رسوماته التي تصوّر إنسانا مسجونا داخل دائرة و مربع في آن. هكذا إذن فهؤلاء الأشخاص كأنهم يحاولون إثبات ذاتهم من خلال فعل التحدّي داخل المكان و من خلال محاولة التحرر من ذلك القيد الذي وقع تجسيده .فالخيط الأحمر أتى ممثلا للقيد و لعالم الظلمة و من ثم لا بد من مقاومته من أجل التحرر منه للوصول إلى عالم النور الذي وقع التعبير عنه بخيط عمودي أبيض يقسم اللوحة هكذا إذن فإن هذا الخط الأبيض الذي يربط مجموع هذه الأجساد هو واصل معظم هذه الأجساد و فاصل إياها عن عالم الحريّة، فهو واصل فاصل كذلك هو الشأن بالنسبة للحبكة ضمن بعض الأوضاع الدلاليّة في بعض المسرحيات مثال: مسرحية "روميو و جولييت" إذ تمثل الشرفة مساحة تفصل بين عالمين و تصلهما في نفس الوقت فجزء منها يتصل بالبيت و جزء منها يتعلق بالهواء و تلعب الشرفة بهذا المعنى دورا رئيسيا في توضيح العلاقة بين الحبيبين .

الإضاءة و التعليق على الأحداث: لوحتي "جرأة" و "صدى"


الألوان و الدرجات الضوئية في مستوى الخلفية
تنقسم الخلفية في لوحة "جرأة" إلى ثلاث فضاءات متراكبة الواحدة منها فوق الأخرى و ذلك بفعل عامل الإضاءة المسلطة عليها و يمكن بيانها من خلال توارد جملة المستطيلات 1و2و3و4و5 حيث تجسدت معظمها بفعل عامل الإضاءة التي ساهمت في بيان فوارق هامة في المساحات بين المضاء و المظلم كان لها شأن كبير فقد تم اعتماد اللون الترابي في الخلفية الأولى ذات المستطيل رقم 1 و 3 زادها ثراء إقحام الإضاءة المسلطة على الجسد الأيسر، مما أجهض الفضاء ليعلن عن ميلاد فضاءين جديدين هما فضاء الأجساد الذي تم فيه استعمال القيمة الضوئية السوداء فيها غابت أطراف الأجساد وفي احتذاء لها نجد اللون البرتقالي و هو لون الإضاءة المسلطة و التي خلقت تحديدا لمساحة جديدة في بنية هندسية .

و بالتالي فقد كان للإضاءة دور واضح و جليّ قد تجلى بنفس القيمة في لوحة "صدى" التي جاءت مقسمة بدورها إلى خلفيتين.
خلفية أولى هي تلك المتمثلة في المساحة الأفقية التي عليها يجلس ذلك الجسد الجاثم ، استعمل فيها الفنان القيمة الضوئية المتمثلة في (الأبيض) زادها ثراء من خلال استعمال نظيرا لها في التباين المتمثل في اللون (البنفسجي) الذي بدا على نحو من القتامة مما يحقق المراوحة في التباين بين المضاء و المظلم و لقد استعمل الإضاءة على الجسد التي أسهمت في خلق تحويرات عليه في مستوى اللون فتراوح بين الشفافية و القتامة ليصبح محملا لتجارب ضوئية و يتضح ذلك من منطلق الإضاءة التي تمت على مستويين مختلفين:
الأولى في ميمنة اللوحة في مستواها العلوي الجانبي تممن خلاله اعتماد اللون البنفسجي أما الثاني فكان من ميسرتها في نفس الجهة مما أثر في تجلّي الشفافية و ذلك في الأرجل و اليد اليمنى بمساحات متفاوتة أو في مساحات من الجانب الأيسر من الصدر ولقد أثر ذلك الأخير بالقتامة في ثلاث مستويات من الجسد بطرائق مختلفة:
أولا في مستوى الرأس الذي اعتلاه مزيج من لوني الإضاءة ظهرت في نحو من القتامة هذا ما يتوضح أيضا في مستوى الوسط انطلاقا من السواد الناجم عن ظل القدم اليسرى و الضوء المسلط فظهرت حمرة يعتليها سواد و أخيرا في مستوى القدم اليسرى من الجهة اليمنى جاءت مائحة إلى اللّون الأسود وقد أثرت هذه الإضاءة على الأجساد فباحت بسكون الظل الذي قام "معتوق" بالتصرف فيه تشكيليا ليأتي منبجسا في لونين و قيمة ضوئية.
في مستوى القيمة الضوئية جاءت متمحورة في الجانب الأيمن من اللوحة و متمثلة في ظل اليد من الجانب الأيمن و التي اعتمد فيها الأسود كقيمة ضوئية ذات رؤية دلالية مألوفة للظل - لكن - يزيد الأمر هجانة في مستوى لون الظلال حيث يصبح ظلّ الرجل اليسرى بنفسجي في المساحة من الجهة الجانبية اليسرى للوحة أو حمراء كظل طفيف للجسد في مستوى وسط اللوحة من جهتها السفلية.
فكانت للإضاءة على هذا النحو أثر جلي في مستوى التأثير بالقتامة أو الشفافية تمظهر أثرها جليّا أيضا في لوحة "جرأة" التي أتت فيها الإضاءة مركزة على جسد المرأة من الجهة الجانبية اليسرى للوحة فباح الضوء بأثره الواضح من خلال تأثيره على هذه الأجساد عبر القتامة و الشفافية في مستويات ومساحات مختلفة أو في خلق مفارقات لونية إضافة لذلك فقد أسهم الضوء في بلورة تواجد التباين اللوني المتمثل في الفاتح و الداكن ليطمس من ثم بقية أطراف هذه الأجساد وهي الأيادي و السيقان وإن هذا التعامل الناجم عن استخدام اللّون و الإضاءة المسلطة و إحداثيات علاقات التفاعل بينها قد أحالنا إلى فضائية الرسم.

فضائية الرسم
إن الاستعمال الجلي للضوء ضمن تسليطه على الشخوص في لوحتي (جرأة و صدى) قد ساهم في انبلاج فضائية الرسم المتعلقة بإدراك الفضاء و كيفية تمثله و تمثيله ليعتلي العمق بذلك صرح الوضوح و التجلي. ففي لوحة جرأة يأتي ذلك الأخير انطلاقا من تجاور المساحات والاختلافات اللونية الحاصلة بينها ذلك هو الشأن بالنسبة للوحة "صدى" التي تتوضّح فيها انطلاقا من البناء التركيبي للخلفية العمودية و الأفقية و التباين اللوني الحاصل بينهما المتمثل في( الأبيض والأسود) مما ينجرّ عنه غياب المساحات الأكثر قتامة في اللوحة و ذوبانها في ثناياها أطراف الأجساد ذلك هو الشأن بالنسبة لاستعمال الضوء في لوحة "صدى" التي تتوضح فيها الإضاءة المزدوجة المعلنة عن تشكيلها للفضاء انطلاقا من معالجة الفنان التشكيلية لها.

حيث يمكن أن نتبين الاستعمال المتجانس للجسد ضمن الفضاء و تفاعله مع الضوء الذي أتى معلنا عن رؤية للفنان عميقة أتت دلالاتها في فتح الرؤية حول ترائيات تواصلية مع فنون أخرى كالفن المسرحي ضمن مسرحة الضوء على الأجساد و الفضاءات فباحت بمكنون الحضور التشكيلي و الدلالي.

الضوء وعلاقات التواصل
لقد مثلت الصورة المسرحية منبعا لتوالد و انصهار علاقات حوارية بصرية عدة يلعب فيها الضوء ضمن مسرحته في الفضاء دورا أساسيا إذ أن الضوء يكوّن الصورة و يلغيها، ويغطي أزمنة ويخترقها و هذا الضوء المادي شأنه شأن الضوء الداخلي أي الضوء المتعلق بالمناطق المهمّة التي يود العرض أن يظهرها.فالضوء في المسرح شأنه شأن الضوء في فن التصوير. يصبح أحد المكونات الأساسية في بناء اللوحة لولاه لما رأينا لونا ولا تكوينا فلقد كانت المسارح تعتمد في ديكوراتها على المناظر في الخلفية تدعيما للفكرة و الحبكة القصصية، مما أدى إلى زيادة التوسّع في استخدام المنظور في رسم المناظر المسرحية على حساب المؤدي، فزاد بالتالي في التأثير البصري للصورة لكنه في نفس الوقت حدّد حركة المؤدي و جرّها في ممرّ ضيق في مقدمة المساحة المسرحية فكأن المؤدي لا يستطيع أن يتقدم إلى عمق المسرح و إلا تشوه منظور الصورة تشوها بالغا بسبب عدم تناسب حجمه الواقعي مع حجم الأشياء و المباني المرسومة و على هذا الأساس بات من الضروري العمل على إيجاد طريقة مجدية تحقق الحركة و تزيد في إذكاء الفاعلية و الحركة، إضافة لإقحام المشاهد بأكثر قوة داخل العرض و على هذا النحو أدرك كل من "أدولف أبيا" و "إدوارد جوردون كريج" أن العنصر الذي يفتقد المسرح... هو قابلية التجريد أي القدرة على خلق بيئة خيالية أو واقعية فالفتح الحقيقي الذي أتيا به يتمثل في فكرة أن المنظر لا ينبغي بالضرورة أن يقوم بوظيفة تحديد المكان بل يمكن توظيفه كمقابل مرئي للأحداث المسرحية أي كمكان درامي." و لقد كانت الإضاءة هي الوسيلة و الوسيط في تحقيق ذلك و على هذا الأساس أمكن للضوء أن يلعب دورا مهما و أن يصبح دليلا و وسلية أيقونية فيه و من خلاله، و على هذا النحو بدأ التركيز على علاقاته ضمن التباينات التي يحدثها انطلاقا من توظيف الضوء في إحداث مساحات مضاءة و أخرى مظلمة و بين المناطق التي تحدثها الإضاءة وتركز عليها و تحددها و المناطق التي تقوم بتسويدها و إن هذا المنحى في الفعل هو ما نجد نظيره في بنية اللوحة التشكيلية، إذ أن الضوء وسيط و سبيل لبيان الأشياء أو محوها و اختراقها بما يحتمل في جنباته من عامل الإظهار و الإخفاء و الشفافية و القتامة... وذلك عند تسليطه على الأشياء فبات الضوء على هذا النحو أداة لتشكيل المكان فأمكن بفضله أن تظهر الأشياء و تضمر فيتحول بهذا إلى مؤدّ مسرحي في عروض الضوء لينبس من ثم بحضوره الذي أتى بالقوة بعد أن تأكد بالفعل هذا ما يوضحه التحديد و التشكيل الفضائي ضمن الصور و حوارياتها في لوحتي جرأة و صدى التي تبرزها الإضاءة.

التحكم في الإضاءة و دورها في التعليق على الأحداث
التحكم في الإضاءة

تعتبر الإضاءة في الفن التشكيلي من أهم المقومات و الوشائج إذ بفضلها تظهر الأشياء و تختفي و تستبطن وتثار الدلائل . ولئن لعبت دورا رياديا في الفن التشكيلي فإن أهميتها تتوطّد في الفن المسرحي حين أصبح حضورها فاعلا و ذلك تحديدا منذ سنة 1880 حين حلّت الكهرباء محل الغاز و أصبحت الوسيلة الرئيسية للإضاءة المسرحية حتى الآن.و تمثل فكرة الضوء في حد ذاتها وفي تجلياتها المتنوعة عبر فصول السنة من المصادر الرئيسية الهامة للصور و الاستعارات المسرحيّة فهي أشبه ما تكون بمنطقة تماس و التقاء بين الذهن البشري وبين عالم المحسوسات ذلك ما مثّلته لوحة "جرأة و صدى" اللّتان جاءتا تحملان مقومات الفن المسرحي فعلى هذا الأساس يمكن أن نقف عند هذه الإضاءة في توظيفها التشكيلي في منحاه التواصلي مع الفن المسرحي.
ففي لوحة جرأة اعتمد "معتوق" على تركيز الإضاءة من الجهة الجانبية اليمنى مما أسهم في إبراز الثنائية التلازمية المتمثلة في الإظهار و التوليد.
الإظهار: المتمثل في كشف و بيان الجسد الأنثوي من الجهة اليسرى للوحة انطلاقا من اعتماد الإضاءة المتمثلة في اللون الأحمر لبيان الشبقيّة التي تعتلي ذلك الأخير،من منطلق أنه جسد أنثوي متعرّ يزيده عراء ضمن تسليط الإضاءة عليه المتمثلة في الأحمر، ليبرز بأكثر وضوح الحدّة و الشدّة البارزة في الأجساد يقول في ذلك "ابن الأثير" كني بالأحمر عن المشقّة و الشدّة" وهكذا فإنه يوظف الضوء ضمن منحاه الدلالي تماهيا مع الموضوع عبر وحدته المختارة، فيتلاعب في هذا المستوى من الفعل بالجوانب الشعورية انطلاقا من الفويرقات التي تحدثها الإضاءة مما يحدث تغيرا في النظرة و الشعور فيبدو الجسد المضاء أكثر حيوية بانت ملامح الأنوثة فيه فنبضت بالقوة وفاح فيها عبق الشبقيّة و الجانب الجنسي على عكس الجسدين من جهة اليمين اللذان لئن ظهرت ملامح الأنوثة فيهما إلا أنهما يبدوان أقل نبضا بالحياة و الحدّة و الفاعلية انطلاقا من اعتماده على التباين بين المضاء و المظلم ضمن جدلية الإظهار والإضمار و ما يعتليه من تسويد و تورية و طمس للمعالم و الجزئيات فيتجلى الجسدان في مستوى الرؤية الخشبية الجامدّة.
كما أننا لو ركزنا النظر فيما أفرزه اللون و أظهره لأدركنا تمظهرا للأنثى في عضلاتها المفتولة يظهر
جليّا في مستوى البطن المشدودة، و عضلات الفخذ، و على هذا النحو يبدو هذا الجسد جسدا أنثوياّ ذكرياّ
على غرار بقية الأجساد التي أتت أقل حدة في التجلي فكان بالتالي لتركيز الضوء و قوة التحكم فيه دور
أساسي أسهم في إبراز الأنثى الذكر و يقول في ذلك الحبيب بيده "هي أنثى تبحث عن أنوثتها في غرابة
الذكر." و إن هذا التحكم في الإضاءة الذي أسهم في الإظهار قد استعمله معتوق أيضا في لوحة "صدى"
حيث أنه قد استعمل أسلوب الإضاءة المسرحية المسماة "Spot light " وهي الإضاءة المركزية التي توجه إلى منطقة معينة على خشبة المسرح و إن هذا الأسلوب يتجاوزه حيث تصبح الإضاءة عنده إضاءة مزدوجة يمزج فيها بين لونين من الإضاءة هي اللون البنفسجي و اللون الأحمر التي تتجسّد في الجانب الأيمن من الجسد و ذلك في مستوى اليد اليسرى و الوجه و من ثم يمكن أن نتبين أن تركيز الإضاءة على ذلك المستوى بالذات جاء ليبين و ليثبت حالة الجسد الذي جاء شاردا أو أنه يخمن أو يتطلع إلى شيء ما .
و إن الاستعمال المحكم للإضاءة قد أسهم في التعليق على الأحداث

دور الإضاءة في التعليق على الأحداث
خلافا لما لعبته الإضاءة من إظهار عبر التحكم فيها فقد قامت بتوليد عوالم جديدة متمثلة في خلق فضاءات جديدة تميح بنا نحو الغرائزية و اللامألوف و يتجلى ذلك في لوحة "جرأة" ضمن المرأة التي سلّط عليها الضوء أتى "معتوق"ليزيد من التعرية تعرية، فتظهر بداية عارية و عراءها يتفاقم حيث أنه لا يقف عند مستوى الجلد بل أنه ينزع ذلك الجلد. ليحط بنا الرحال ضمن طبقة أخرى هي داخل غمار ذلك الجسد متمثلة في طبقة شحمية و إن هذا النزع و الانتزاع للجلد يبدو فيه نوع من القسوة إذ يغدو في شكل أشرطة ممزقة متمظهرة في مستوى الصّدر و إن هذا النوع من التوظيف قد كان كفعل تحضيري مسهم في توليد فضاء كانت بنيته قائمة على الفكرة الناجمة في التحكم في تسليط الضوء في تلك البقعة بالذات و على بقية الأجساد و إن هذا التوظيف زاد الموقف انفعالا في التذهين ضمن عملية خلق فضاء كانت سماته السواد القاتم الذي جاء ليعمّ معظم الأجساد و ليطمس بالتالي أطرافها المتمثلة في الأيدي و الأرجل كمصدر للحركة والأفعال الإشارية هذا في مستوى أول . أما في مستوى ثان فنرى تسليط الضوء على ذلك الجسد من الجانب الأيسر من اللوحة أسهم في طبع صورته التي جاءت لتبدو في شكل صورة طيفية (لهيكل عظمي) فكانت صورة الجسد الحاضرة أمامنا تجمع في ثناياها بوابات للتفكير في جملة من المتناقضات كالوجود و العدم و الحياة و الموت والولادة و الاندثار وفي هذا السياق يقول "محفوظ السالمي" "الفضاءات الممثلة تعلن بصريا عن دعوة للتفكير في الكائن ومستقبله و الوجود... و مدلولات مختلفة كالروح والوجود التراجيدي و تساؤلات وجودية أخرى" و على هذا المستوى من التحديد يمكن أن نلاحظ أن هذه الشخوص إنما تقف على رؤية تتراءى في الثنائية الدرامية للتركيبة الجسدية للجسد لتنقسم إلى مستوى جسدي وآخر نفسي.
في المستوى الجسدي : لاح الجسد تائقا للتحرر من جسده بما هو قشرة للبدن فالانخلاع من هذه القشرة إنما هو بوح بالتحرر و تغيير حال بحال فيقال في المثل المتداول"فلان خرج عن قشرته" أي تنكر لما هو دارج و مألوف و اعتنق ما يراه في عينيه منشودا وفي عيون الجماعة منكورا وإن ذلك ما يحيل إلى الجانب النفساني الداخلي.
الجانب النفسي: إن التصعيد الذي نلاحظه في مستوى الفعل الجسدي يحيل إلى حالة الصدام التي تعيشه هذه الأجساد المتمثلة في القلق و الضجّة النفسية الداخلية فالانزعاج النفسي الداخلي هو الذي يولد لبنة الحركة و الفعل و التوق إلى التحرر والبحث عن التجديد لتبيت الشخوص في نهاية المطاف في حالة من الثنائية يقول في ذلك "سامي بن عامر" " شخوصا تنقسم لتصبح ثنائية تفسح المجال لواقعية في التجلي لكي تتواجد بشكل متناقض تغلف الشكل الجسدي الظاهر يتركها في شفافية عمدا و الثانية نفسية داخلية حشائية" و إن قيام "معتوق" بتغييب الأطراف و تركيزه على البطن و الفخذين جعله يؤطر المشهد ضمن فعل (الحركة و الإقدام ) مما يزيد من فهم الجانب اللغوي للكلمة الموظفة "جرأة" كعنوان للوحة عنونة عدة معاني في الإقدام و البحث و التّوق إلى عالم جديد ضمن المضي في غياهب مصير مجهول جسد يقول فيه سامي بن عامر"جسد يخفق بغريزته الجنسية و بالحياة و الموت وباقتحام و تدمير كل ذلك يشكل صورة عنيفة موحاة بطريقة عميقة و حالة درامية للإنسان" و إن هذا التوظيف الدرامي للجسد الموحي به من خلال الإضاءة المركزة نجد نظيرتها (في الفعل لكن ضمن توظيف جديد ) و إن ذلك ما يتوضّح من خلال لوحة "صدى" التي جاءت الإضاءة فيها ثنائية من جانبي اللوحة تركزت في مستوى الوجه و اليد اليسرى ليأتي مهيكلا للجسد الدال على التأمل زاد تلك النقطة ثراء هيأة الجسد الذي جاء في وضعية جلوس فكان الرجل مستندا لليد في الاتكاء و اليد اليمنى في تلامسها مع الأرضية لتثبيت التوازن مما يحيل على أن هذه الجلسة ستطول نسبيا و من خلال وضعيّة الوجه في تعانقه مع اليد يتجسد لنا حدث مشخّص متمثل في التفكير و التأمل ، و لقد زاد الأمر ثراء من خلال الخلفية الناجمة عن انطباع لوجه فأتت بذلك نابعة عن تفعيل الإضاءة في مستواها الأيمن من اللوحة وهي ذات أسلوب مسرحي في التعبير من خلال الإضاءة المعروف بالهلوغرافي"holographie " أو أسلوب الصورة المجسّمة . من خلال هذه الطريقة يمكن لمصمم الإضاءة من خلق سلسلة من الصور الوهمية ثلاثية الأبعاد "hologrammes" عن طريق استخدام الضوء وحده.
هكذا إذن إذا ربطنا صورة الشخص المتأمل بالصورة في الخلفية فكأننا بها توليد للأولى أي كأننا بمعتوق يحاول أن يطبع جملة تلك الإحساسات التي تعيشها عوالم النفس الداخلية فأتى ليفضح سرها في صورة ثلاثية الأبعاد هي تجسيم لمدلولها الوجداني الداخلي، أو صدى لصداها الداخلي في تماه بين الكلمة المعنونة للوحة في مستواها اللغوي في تجانس وظيفي مع نضيرها البصري ،و على هذا النحو قد أبرز معتوق قدرته على التحكم في الإضاءة التي أسهمت في الإظهار من خلال التركيز على الجزئيات و كشفها و التعرية المتمثلة في فضح الجوانب الوجدانية النفسية ليأتي الجسد خلاف لما شهدناه مع لوحة "جرأة" متأرجحا بين ثنائيتين جسميّة و نفسية كل ذلك عبر الإضاءة و دورها الريادي في الإظهار و الكشف و التعرية و خلق و ابتكار لعوالم جديدة ضمن فضاء الظلال التي تسودها الخيالات و الأطياف يزيد الأمر هجانة و تذهينا حين استدراج إرهاصات الذهن وتفعيلها في البحث عن زئبقية الفعل القصدي في تشكله ضمن تشكيله مما يدفعنا أن نسبح في فضاءات الخلق عبر تعددية الصور ليصبح المشهد الممثل حاملا للوحات متعددة في خضم اللوحة الواحدة لتثار بذلك علاقات التواصل وطيدة بين الفن التشكيلي و المسرحي في مستويات عدة لعب فيها الضوء دورا أساسيا لتصبح اللوحة قطعة من حدث تحمل بين جنباتها مراسم و لوحات عدة وهي تلك التي تقول فيها "كاتريز نوغرات" :" القطعة المسرحية الجيدة هي تعدد للوحات هي قاعة عرض" و إن هذا التوليد الداخلي فيها يصبح مدلولات للضربة المسرحية التي لها دلالات و متمّمات تشكيلية وفي هذا السياق تضيف "كاتيز نوغرات":" أسمع حدث مفاجئ يمر بسرعة ويغير حالة الأشخاص هي الضربة المسرحية هي وضعية الأشخاص على المشهد تبدو واقعية وحقيقية ترجع بإخلاص إلى الرسام فتعجبني على القماشة هي لوحة"

فضاء الجسد و جسد الفضاء: لوحة "بعث "
يبرز في هذه اللوحة جسد احتل معظم المساحة لينتهج في ذلك الحركة سبيلا له ، انشق و انشطر في اختلاف متجانس و تماه بين شقيه على جهتي اليمين و اليسار حيث أنه يتخذ من الوقوف وضعية له متمثلا في السّاق اليمنى التي تمثل نقطة ارتكاز، أما اليد اليمنى من نفس الجهة فقد اتخذت وضعية الانبساط و الانفتاح عبر امتدادها للدفع أو للتصدي أما الجانب الأيسر فقد اتخذ الانعكاف وضعية له من خلال حركات الانثناء التي أتت عليها الرجل و اليد اليسرى من نفس الجانب و قد اعتمد في هذه اللوحة على دمج و تلاعب بتقنيات و أدوات مختلفة. تجلى ذلك من خلال الخلفية التي اعتمد فيها على اللون الأزرق كلون طاغ على معظم اللوحة تمظهر بأكثر جلاء في مستوى الخلفية لينبس عن جملة من التباينات التي أتت متخفية خلف ستار اللون تتمظهر في توالد مطّرد يفشي سرها تجانبها و تداخلها ليحيلنا على التباين بين المضاء و المظلم الذي يتّضح في البياض المتمثل في جهتيها اليمنى منها و السفلية الذي يتناقص مع الجهة اليسرى للوحة التي أتت مظلمة نسبيا لتحيل إلى تعدّد الطبقات اللونية و تمازجها و اختلافاتها التقنية

نسيج الجسد
يأتي هذا الجسد على غرار بقية الأجساد الأخرى في لوحاته متفسخا من براثم اللباس فأضحى أمامنا عاريا. ليأتي هذا الأخير متمرّدا على مفهومي اللباس و الجلد ليأخذ لنفسه لونا جديدا لجسد جديد يصبح من خلاله مسرحا لألوان عدة يطّرد بفضلها العري و تتحدّد من خلالها أجزاءه و يتضح ذلك عبر مزيج الألوان و تمفصلاتها التي تتّضح من خلال تلاعب بالألوان في سمفونية عزف فيها الأزرق ضمن فويرقاته مع الأحمر وومضات من الأبيض غنائية اللون في تشكيلية الجسد هذا ما حدا ببعض الألوان أن تندمج و تنصهر فيما بينها، مثّلها الحبر الصيني من خلال وضعه على بعض المناطق من ذلك الأخير رغم طلائها كما نجد تواجد الخطوط التي تأتي متسلّلة بين ثنايا اللون، متولدة من بين ركام آثار اللطخات لتأتي فارغة منتفضة آبت إلاّ أن تشارك في مسرح التشكيل يقول في ذلك "الحبيب بيده" "يأتي الخط ليخط هو الآخر ارتعاشته و يتسلل داخل المادة و ينسحب من تحتها ليبرز عبر ثناياها مصوّرا هو الآخر أجزاء من العري " و يتمثل ذلك من خلال حركات الخط ضمن مفصل الرجل اليمنى فكأننا بمعتوق يتنصّل من تحديد قياسات الجسد و لا يبحث عن إثارة تلاعب بالخط، بقدر ما يبحث عن مزيد توليد عراء جديد للجسد و كشفه لتفاصيل مفصله هذا ما يتضح في السّاق اليمنى، ليأتي ذلك في ثنائية بين المرئي و اللاّمرئي أو تزاوج بين الباطن في الرسم أو الظاهر منه عبر الإحاطات الخارجية التي تتضح في السّاق اليمنى و نظيرتها اليسرى و اليدان، ليأتي الجسد على هذا النحو جامعا لمزيج من النسيج جمع لجملة من المفردات التشكيلية التي أتت فيها المادة اللونية منسجمة مع اللطخة ضمن اختلاف في الاتجاهات أتت لتفيض نهايات أواخرها بدايات بواكير لتشكيل جديد هو الخط كانت بوادرها ضمن عناق اليد مع القلم في جر على الورقة لتنصهر و تصبح هندسة روحية ليبدو لنا الجسد ضمن بنيته اللونية و الخطية محكم التجانس أسهم في ذلك الاستخدام الذكي لتلك التقنيات و المواد يقول في ذلك "محفوظ السّالمي" " من خلال بعض الأدوات كالباستال و قلم الرصاص...يؤكد بوضوح أسلوبه كفنان متلاعب" و التلاعب هنا لا تقتصر حدوده على مستوى النسيج التشكيلي للجسد بل يتعدى إلى مستوى التلاعب بالأفكار فبنية الجسد وهيأته و وضعيته إنما تدعونا إلى استبصار مكامن الأشياء فوضعية الجسد التي جاءت منشطرة إلى نصفين ضمن الحركة في الشق الأيمن في ارتكاز على القدم وصدّ من خلال اليد اليمنى وفي انثناء لليد و السّاق من الجهة اليسرى للجسد لتأتي بذلك هذه الوضعية معلنة عن الفزع و الهلع قد يرى أو يتنبأ به فكأننا بهذه المعالجة هي رسم لذات الفنان في استفزاز و تحريك لذواتنا فالفنان إذ يرسم ذاته فإنما ليعبر عن مكامننا على إعتبار أنه مرآة تشكيلية لذواتنا يقول في ذلك "موريس مارلوبنتي" " الإنسان هو مرآة فأما من جهة المرآة فإنه أداة للشمول العجيب الذي يغير الأشياء إلى مشاهد و المشاهد إلى أشياء أنا في الآخر و الآخر فيّ أنا الرسامون كانوا دائما يحلمون بهذه المرآة لأنه تحت هذا الحذق الميكانيكي مثلما تحت ذلك المتطور يعلمون تحول المستبصر و المرئي الذي هو تعريف لقشرتنا و ندائها الباطني" ليأتي بذلك الجسد في تجانس تشكيلي يعلن تمسرحه أعلنت عنه مورفولوجيّة بنيته ضمن حركته ليأتي بالتالي مفعما بالدلالات الإيحائية.

الدلالات الإيحائية
لئن أتت الهيأة لهذا الجسد نابسة بدلائل الجسد المسرحي إلا أن تمسرحه ضمن حيزه الفضائي يأتي خارجا عن المألوف و العادة من خلال المنظر و الشكل الخارجي العام ليصبح متجاوزا للواقع في مستوى بناءه مما أمكننا أن نبوبه ضمن منظار السريالية كتيار فني ظهر في سنة 1924 يلعب على تجاوز كل ما هو واقعي و متداول فيه لتلعب الذاكرة خير مولّد للمعاني وإن هذا النمط من الفعل التشكيلي نجد نضيره في الفن المسرحي لمثّل فحواه ثورة و ارتداد و خروج عن المألوف و عن الواقع تتحايث فيه الحركة الفنية المسرحية مع نظيرتها التشكيلية التي من خلال فنانيها استمدت أسس بناءها إضافة للذاكرة و إن ذلك ما يحدده "ميشال بريني" عن الناقد الانجليزي المسرحي "اسلين" حيث يقول " و لقد أراد إسلين أن يضع بوضوح الطريقة التي يعمل بها كتاب المسرح حيث أنهم يضعون ذاكرتهم في خدمة الزمن و يحس كل واحد بطريقته، معلنين عن صعوبات الإنسان المعاصر في العيش في عالم أين الثقة و العقائد الدينية قد مسحت" و بالتالي فقد أتت هذه اللوحة تميح في بناءها العام إلى الشكل المسرحي السريالي الذي يميح إلى العنف و الشدة و الرفض الذي فيه يلعب اللاوعي الباطن المتأصل لدى الفنان دورا أساسيا في بلورة مشاعر نفسية دفينة أو جماعية ليسمى بالقسوة الذي نجد "أنطوان أرتو" يستخدمه في كتاباته و مسارحه. تقول في ذلك "نهاد صليحة" "نجد أرتو في تجاربه المسرحية و كتاباته النقدية يدعو إلى مسرح يستخدم الشعر و الأسطورة في التعرية الفلسفية العنيفة للصراعات المتأصلة في اللاوعي الإنساني الجماعي وهو ما أسماه (بمسرح القسوة) أي المسرح الذي يقوم على الشكل و الحركة و الإضاءة ..." وهكذا إذن فلئن كان هذا الشكل التشكيلي المسرحي في هذه اللوحة قد حددت أطرها جوانب نفسية تحددها البنية العامة قد تزيدها تعرية بعض الجزئيات التي تبدو كدلائل و إشارات أيقونية إيحائية، متمثلة في مستوى هيأة الجسد التي جاءت في مستوى الجانب العلوي حيث ماحت الأيادي فيها إلى الانثناء و الاندفاع أو الصدّ ذلك ما تمثله اليد اليمنى و إن هذا التحديد في بنية اليدين التي تنبئ بالرفض أو المقاومة نجد نضيرا لها في بعض اللوحات الأخرى مثال ذلك لوحة "تمجيد"

و على هذا الأساس يتأكد البناء المتسلسل للعمل التشكيلي و الذي لئن دلّ على شيء فهو يدل على نفسية الفنان معبرة عن رفض جسّمته حركات الأيادي. أما في مستوى الخلفية نلحظ وجود أشرطة على يمين و يسار اللوحة تذكرنا بتلك الأشرطة التي تشكّلت بعد تفسّخ النساء في لوحة "جرأة" لتصبح تلك الأشرطة دالة على جسد قد أتم انفساخه ليصبح متّخذا للتسطيح التام شكلا له و بالتالي يصبح خلفية للجسد الأول وهكذا تبدو هذه الأجساد في شكل انفساخ و توالد تبنى على أنقاض نظائرها ليصبح بهذا المنحى الجسد هو الفضاء و الفضاء هو الجسد متمسرحا في شكل يوحي بكثير من القسوة و العنف.

و بالتالي من خلال هذه المقاربة حاولت أن أحط الرحال على بعض من الجوانب التشكيلية للفنان المنجي معتوق و التكشف على الجوانب العلائقية بينها و بين صنوف أخرى من الفنون من ذلك الفن المسرحي و الذي تم الاستناد فيه على الجسد بتوظيفات مختلفة. فللجسد حضور فاعل و مطرد في أعماله يستغله كتعلة ومطية لأجل توظيف إرهاصاته و لقد سألته ذات مرة لماذا تختار الجسد في رسمك؟ فأجابني إن الجسد هو أنا هو الآخر هو الواقع وإني أرى أن هذا الجسد يحمل في كل جنباته عوالم غريبة فكلما تمسك واحدة إلا وتفيض بك الأخرى داعية إياك للبحث فيها و صبر أغوارها فهو عالم غريب أتلاعب ضمنه و اعتبر به و من خلاله بأساليب تشكيلية و مضامين إنسانية.


 

 

المراجع:

 

1/ DLIMI Hamadi, La presse, le 25-03-1997

 

 2/ جريدة الصحافة، مقال بتاريخ 31 -03-2005
3/ جوليان هلتون، نظرية العرض المسرحي، ترجمة نهاد صليحة، طبعة مركز الشارقة للإبداع الفكري، ص 198
4/ نفس المصدر
5/ الرجل الذي صمد، نص صلاح الدين بلهوان و المنصف نوار، مسرح مدينة تونس، دار ابن شرف للنشر، صفحة 14
6/ رشاد رشدي، نظرية الدراما من أرسطو إلى الآن، طبعة مركز الشارقة للإبداع الفكري، ص 33
7/جوليان هلتون، نفس المصدر السابق، ص 134
8/ ابن منظور، لسان العرب
9/ مجلة الحياة الثقافية، مقال للحبيب بيده، العدد 100، ص126
 

 
10/ SELMI Mahfoudh, La presse, le 24- 04- 2002
11/ BEN AMEUR Sami, La presse, le 02-03-1997
12/ Ibid.
13/ NAUGRETTE Catherine, L'Esthétique théâtrale, Edition Nathan, page 155
14/ Ibid.,
 

15/  الحبيب بيده، نفس المصدر السابق

 
16/ SELMI Mahfoudh, Ibid.
17/ MERLEAU PONTY Maurice, L’Œil et L’esprit, Edition Gallimard, page 34
18/ PRINUER Michel, Les théâtres de l’absurde, Éditons Nathan, page 5
 

19/  نهاد صليحة، التيارات المسرحية المعاصرة، هلا للنشر و التوزيع، ص 60

 
   

 
   
 

* باحث وفنان تشكيلي

   
     
 

هذا الإعلان لدعم مشروع مجلة التشكيلي