Gerome-carpetm
 
محمد البحيري
 
رافع الناصري
عبداللطيف الصمودي
  •  

  •  

  • أصبح التوجه إلى البيئة والموروث الشعبي المتمثل في عدة مظاهر معمارية وفنية تطبيقية وحكايا وأساطير وعادات وتقاليد، والمزاوجة بين معطيات هذا التراث، وبين المعطيات التشكيلية الحديثة، لتحقيق أثر فني تشكيلي عربي معاصر، له خصوصيته المتفردة، أصبح هذا التوجه، يستقطب المزيد من الفنانين التشكيليين العرب المسكونين برغبة عارمة، لتأكيد وجود فن متميز، وذلك من خلال تحقيق المعادلة ـ الهم: التراث والمعاصرة.


مع أواخر القرن العشرين، اجتاحت شعوب العالم، موجة البحث عن الهوية المحلية وتأكيدها في الثقافة والأدب والفنون، ومن بين هذه الأمم، أمتنا العربية التي عانت من الاستعمار القديم والحديث، ولاتزال تعاني من مخلفاته وتحدياته وأشكاله الجديدة الأشد خبثاً وخطراً.

أمام هذه التحديات، وفي إطار التوجه القومي، وجد المثقفون العرب أنفسهم أمام تحد آخر هو: البحث عن الهوية القومية للثقافة العربية المعاصرة التي يجب أن تتمثل البيئة المحلية، وأن تنهض على المقومات التراثية الفنية والأصيلة لأمتنا، وأن تحمل في نفس الوقت ألوان عصرها وكشوفاته.

ولتأكيد هذه الهوية في الأثر الفني التشكيلي، وجد الفنان العربي نفسه أمام خيارين رئيسيين: فإما أن يحقق الهوية هذه، عبر الموضوعات والمضامين والملامح الإنسانية العربية الخاصة، أي من خلال البنية الشعبية المكونة للإنسان العربي وعمارته وهمومه وقضاياه وتطلعاته ورموزه الخاصة، أو عبر معطيات تراثية عربية وإسلامية محددة، تجلت في أكثر من منحى لعل أبرزها وأهمها القدرات التشكيلية والتعبيرية المتميزة، للحرف العربي، إضافة إلى المعطيات الزخرفية التي طالما اقترنت به وتكاملت وإياه.

وهكذا وجد بعض التشكيليين العرب، أن المضمون المعاصر، والقضية الملحة المقدمة من خلال صياغة تشيكيلية مستمدة المفردات والرموز من البيئة المحلية، قد يكون كافياً لتأكيد هذه الهوية، بينما رأى البعض الآخر، أن الحرف العربي، والزخرفة الإسلامية، أكثر ملاءمة لتحقيق المراد، وما أرق التشكيليين العرب، ودفعهم إلى هذا التوجه سطوة التيارات والاتجاهات الفنية التشكيلية الأوروبية التي سادت الفن العالمي المعاصر، وانتقلت إليهم بكثافة وسرعة قياسية، صابغة حياتهم الثقافية بصبغتها، وملونة فنونهم المعاصرة بألوانها، وهذا ما دفع العديد منهم للتململ والبحث عن الصوت المميز الخاص الذي يؤكد أصالة أمتهم، وغنى التراث الذي تنهض عليه، هذا التراث الذي نبههم إليه، الفنان الأوروبي دون قصد، عندما وجدوه ينكب على تراثهم، وينهل منه، موضوعات وأفكار ورؤى لأعماله الفنية التي كانت قد راوحت عند موضوعات محددة، تدور حول الأفكار الدينية، واستلهام القديم من التراث الإغريقي والروماني.

فقد تشكلت ظاهرة الاستشراق التي نشطت بعد ترجمة كتاب (ألف ليلة وليلة) إلى اللغات الأوروبية، وما رافق هذه الترجمات من رسوم توضيحية وتزيينية، ساهم فيها مئات الرسامين والمصورين الحفارين، ثم انتقل تأثير هذا الكتاب، ليشمل بقية الفنون المرئية من أفلام كرتون وسينما وتلفاز وفنون تطبيقية، حيث وصلت الرسوم التزيينية المستلهمة من ألف ليلة وليلة، إلى أعمال الخزف والبورسلان وغيرها.

إن اهتمام الفنان الأوروبي بكتاب ألف ليلة وليلة، حرض بدوره، الفنان التشكيلي العربي، على الالتفات إليه أيضاً، خصوصاً بعد أن رأى ما تمخض عن هذا الاهتمام، من أعمال فنية استشراقية، اتسم بعضها بالموضوعية الإبداعية، والرصانة التخيلية، بينما حمل بعضها الآخر، صوراً سلبية وغير صحيحة عن الشرق ونشأته وأساطيره وحريمه وسلاطينه.

لقد ألهب كتاب ألف ليلة وليلة «وهو موروث شعبي عربي» خيالات الأدباء والفنانين في الغرب والشرق على حد سواء، مشكلاً بذلك عنصراً فاعلاً في الإبداع الفني، كما ساهم احتكاك الفنانين التشكيليين العرب الرواد، بالفنانين الأوروبيين، أثناء دراستهم للفن في الأكاديمية الغربية، على توجههم إلى الموضوعات المحلية، وذلك عندما رأوا الفنان الأوروبي يلح في أعماله، على مثل هذه الموضوعات المستوحاة من التاريخ القريب والبعيد لبلاده، ما دفعهم إلى تقليده.

كما أن قيام الفنان المستشرق، بتصوير المعالم الأثرية والشعبية العربية، واعتمادها موضوعاً رئيساً لأعماله، شكل هو الآخر، عامل تحريض للفنان العربي، للاهتمام بهذه الموضوعات التي ما كانت لتلفت انتباهه قبل أن يراها في لوحات المستشرقين.

وبوصول الحيوات التشكيلية العربية المعاصرة، المدارس والاتجاهات والأساليب والصيغ الفنية الأوروبية الحديثة كافة، أخذها البعض من فنانينا العرب، بكامل مقوماتها، دون ترو أو تمحيص ما جعل أثرهم الفني يعيش حالة من الاغتراب، وأصبح بالتالي، لكل فنان عربي قرين في الغرب، ينسخ عنه ويقلده، ما أفقد عمله الفني، خصوصيته المحلية، وجعله صدى باهتاً للآخر، فقد استعار هؤلاء، لغة الآخر، ومفرداته، وتقاناته... وحتى مواضيعه.

ونتيجة للعوامل التي أشرنا إليها سابقاً، وبالتدريج أخذ الفنان يبحث عن التمايز المطلوب، فاتجه في البداية للمزاوجة بين التقنية الأوروبية والمضمون المحلي، سواء المأخوذ من الحياة حوله، أو المستوحى من التراث الذي اختلفت النظرة إليه، فالبعض من الفنانين ضرب في التاريخ القديم لمنطقته، محاولاً استلهامه والتأكيد على الجذور الأولى للأمة، والبعض الآخر، وجد في التاريخ الأقرب ضالته، فصور المحطات المضيئة فيه، والبعض الثالث، اتجه للحياة الأقرب... الحياة الشعبية بموروثها الغني الأصيل والحي، فصور إنسانها وبيئته ومظاهر حياته المختلفة. هذه الأيام، تحاول تجارب فنية تشكيلية عربية عديدة، إعلان انتماء واضحاً وجلياً للبيئة المحلية والموروث الشعبي، على اختلاف أشكاله ومعطياته، عبر أكثر من وسيلة منها الحروفية التي شكلت أحد الخيارات أمام الفنان العربي المعاصر، لتأكيد الهوية المحلية في فنه الحديث، خصوصاً بعد أن وجد في الحرف العربي والكتابة العربية، قدرات تشكيلية وتعبيرية مطواعة، طالما كانت مجالاً رحباً لإبداعات من سبقوه من الفنانين والخطاطين والنقاشين والوراقين العرب والمسلمين، خلال عصورهم المختلفة، وهذا ما يطمح إليه الفنان العربي المعاصر المشتغل على هذا الاتجاه الفني الذي تعددت وتنوعت طرائقه وصيغه لدى التشكيليين العرب الذين خاضوا غمار الحروفية ولايزالون يشتغلون عليها حتى اليوم.

كما شكل المنظر الطبيعي الخلوي، والمنظر الطبيعي مع الإنسان، ميداناً آخر أمام التشكيلي العربي، ليعكس من خلال خصائص بيته، بصيغ وأساليب فنية تأرجحت بين التسجيلية التوثيقية، والانطباعية، والتعبيرية، والرمزية، والشاعرية والزخرفية الإعلانية.

كما استأثرت العمارة العربية القديمة، خصوصاً الشعبية باهتمام التشكيلي العربي، فتناولها بشغف ومحبة وخوف.

والحقيقة لم يقتصر الاهتمام بالعمارة القديمة على التشكيليين، بل تعداهم إلى المصورين الضوئيين ومهندسي العمارة وحتى الشعراء، بحيث تحول هذا النسيج العمراني الفريد، ودلالاته الإنسانية الحنونة، إلى رمز وهمّ وقضية، خاصة بعد الخطر الداهم الذي أزال قسماً منه.. ويتوعد ما تبقى بالزوال، بين يوم وآخر!.

بالمقابل، حاولت تجارب تشكيلية عربية عديدة، تجسيد المحلية والانتماء القومي، عبر التأكيد على المحطات المضيئة في تاريخنا القريب والبعيد، كتصوير المعارك الفاصلة في تاريخ الأمة (اليرموك، القادسية، حطين، تشرين... إلخ) أو تصوير مجالس العلم والعلماء، ومجالس الخلفاء والأمراء، في عصور أزهار الحضارة العربية وانتشارها، والبعض منهم استلهم الأسطورة (كجلجامش، وعشتار) والحكاية الشعبية (كعنترة وعبلة والزير سالم وأبوزيد الهلالي) وغيرها.

  •  

  •  

  • التشگيلي العربي المعاصر وهمّ البحث عن الهوية
    د. محمود شاهين
    مجلة الكويت – وزارة الإعلام - الكويت

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط