• نستخلص ماهية الأمور التي تخصنا أو تخص من وما يتقاطع معنا من المسرح الحياتي.. هذه الخشبة التي فوقها وخارجها تتبلور الأحداث التي تغمر المسافة الوقتية المسماة بالعمر.. والعنوان الأساسي المدوَّن والمدوِّن بامتياز في بلدية الحياة هو الوجه الآدمي.. هذا الذي هو في الآن نفسه نحن وعلى مَرآنا ( تياترو) على صغر رقعته بمقاياساتنا.. إلا أنه ملكوت جبار.. متحرك بثرثرة وثابت ليس فقط لثبوتية وجوده.. بل لأنه لب اللعبة علما وفكرا سواء بالعمق البحثي أو ببساطة التلقي البصري.. جامد منصهر مرتب بفوضى.. بارد ملتهب.. صحن فضائي آية في الالتقاط والبث.. فيه الهويناء التي تؤسس لفكر مبطن صلب.. غربال يعمل على التصفية طولا وعرضا نزولاً وصعوداً.. طبق ملئ بكل شيء وباللاشيء.. سلة تسوقٍ لا محدودة عناصر محتواها.. مختبر تتزاوج فيه تضاريس الكيمياء بغيرها.. كتاب مستعصي في صورة وليّن بحسب اليقين المكتوب في صورة أخرى.. هو أكبر من مسرح ومن مسارح ومن النصوص هو نجم نجوم التكوين الآدمي.. إنه خزان المادة والمعنى والمباشر والأبعاد.. هو بكل ما في البساطة من العمق.


الوجه الآدمي.. هذا المجبول على أقصى درجات الملاحة في التعبير.. المتمرد المتلاقح مع الواقع ومع غيره.. الوجه الآدمي هذا العبقر العجيب الضامر البائح الفارح الحزين الصامت القائل الصارخ الهامس الأخرس الثرثار المفيد المغبئ المستسلم المتنمر القاسي الحاني.. إنه الوجه الآدمي العابق بورائيات من عيار (السحيق) ومن مخاضات السطح. وحده هذا الوجه يمتلك الرقم ( الجينيسي) الأقصر عمراً بين الفرح والغضب.. هذه القاعدة البيانية اللا منتهية المساحة تجيد الرصد والتمثيل والعبث والترف تحيك مخزونها وتحوله إلى ملامح.. فما عليك إلا ملء خانات هذه الملامح بما يناظرها في التعبير.. الوجه الآدمي خزان من الشفرات والمحولات والمماثلات والمباشرة والتجرد والرمزية.. آلة من عمق الذكاء (في حدود مفهومنا).. يُقرئك الفرح وصاحبه في الكمد مغرق.. الوجه مسرح طوفاني الاستيعاب عبقري التعبير سريع الترجمة طيب، شرير صادق، كاذب، صريح، خبيث قاسي، رحيم...

فلا هذه المقدمة ولا أعمال الفنانة التشكيلية السعودية حنان باحمدان _ التي أصنف قرائتي هذه مع أعمالها من المبيتات عندي _ يُعَدان نقطة فيما قد لا يكون له نهاية إذا ما أردنا حصر ماهية الوجه البشري ترجمة وتشريحا.. وأنا أقف قبالة اقتباسات عنيفة لحنان وهي تستنهض مستنطقة من الوجه اللحمي العظمي القاسي والسريع بقياسية في تحوله والذي يعجز المرء بعينه المجردة وعقله المعقول ملاحقة ملامحه.. هذه الملامح التي لا قرار لها في فرح أو كمد وكأني بالوجه هذا الذي يستطيع رسم  المأساة أو الفرح ليس ذي المهمة الواحدة.. وقد ارتأت حنان أن تستأجر وجوها وفضاءات عذراء لتزرع فوقها بعض الأدوار الملامحية التي استقطبتها نفسها من هنا وهناك في تجوالها عبر تضاريس الواقع.. وترجمة الفعل على الإنسان وبه من خلال نقلٍ حذٍر لما تفرزه الدواخل كخطاب عبر الوجه الإنساني بعضه مباشر وغيره مشفر.. هذا الكشكول من التعبيرات التي أرادت الفنانة باحمدان أن لا يكون خارج الشق المعاناتي بمفهومه الشعبي البسيط.. لا شك أنها ارتأت ذلك ليس من زاوية إسقاط فكري.. بل على شاكلة حوار وبوح بين الملامح والتعبيرات التي أسقطتها على كل الوجوه وليس بين الوجوه نفسها.. لأنه رغم أن عدوى جل سحنات حنان هي حملها لفيروس التعاسة إلا أنها في الأول وفي الأخر وجوه وبالتالي قابلة للتحول إلى شيء لنقُل أنه الفرح وهذا مالا تتضمنه رسالة حنان. فهذه الرسالة أقرب للشفوية منها إلى أي ترجمة تجسيد آخر.. وكأني بحنان لو طالت أفضل من الوجه الآدمي وعاءً ناقلاً لَما ترددت في تسخيره لهكذا مهمة تعبيرية.. أقول ناقلا للتأكيد بأن هذه الفنانة لم تعطنا فرصة التعب في سبر أغوار أبطال إبداعها.. قد تكون اختصرت في ذلك أن رحمت معدة الفكر عندنا لتعطينا خطابا مباشرا للألم.. مدركة بحرفية المتمكن أن الجرح _ جرحنا _ هاهنا حيت تضع هي الأصبع وحيث نحن لا نمتلك أمام الضعف غير الضعف وهذا ليس قياسا على أن الحديد لا يفله إلا الحديد بل على صيغة أخاك مجبر لا بطل.. وهذا _ مني _ ليس أكثر من شطحة اقتفاءِ ُبعد إصرار حنان على نقل ما نقلته وهي تدرك ونحن معها بأن اصطفاءها للوجه الإنساني هو الكتاب الأمثل لقراءة بواطن الأوجاع.. وأن الوجود بكامل عناصره المخلوقة ومهما كان التصاقها بنا فهي أكثر من عاجزة عن القيام مقام ما يستطيعه الوجه البشري مما جبل عليه من كم الشيفرات بما فيها التي حقنت بها حنان باحمدان وباقتدار وجوهها والتي استفزت وأفاقت من خلالها انكساراتنا.. ولأني مدرك بأن من يريد نقل فكر عبر تزويجه بالتشكيل لن يجد تيمة أكثر عمقا وألح تجاوبا وأكثر استيعابا من الوجه البشري.. ولهذا أتمنى على الفنانة حنان أن تستشف من تجاربها السابقة ما استطاعت بشرط واحد هو أن تدرك أنها _ كفنانة _ هي نفسها هذه الوجوه التي أعتبر أنها بداية جديدة لها فعلاً كما أنني وبإصرار مسؤول أحرضها على أن تستوعب أنها تورطت في منحى جميل له طاقة استيعابية لا نهائية وأنها نهلت من اليسير كملامح لوجوهها.. وأن استنطاق هذه الوجوه لإخراج ملامحها منبع خصب بل شديد الخصوبة خاصة وأن الرصيف الإنساني الممتد لمسافة الوجود تنام على ضفتيه وفي استمرارية قاتلة تلك الملامح الدونية قياسا بشعار الإنسانية.. ملامح تجهض عند أغلبنا تلك المثالية التي نتبناها بكاريكاتورية محرجة.. هذا الرصيف
الغارق في أصناف من المآسي التي تغرف منها الفنانة حنان باحمدان لتلقننا إياها في غير استعصاء وبشكل تأخذ فيه المباشرة _ على غير العادة _ دور الجمال والأمانة
في تصوير ما تريد إبلاغنا به على وجه التحديد.. واعتمادها على الحركة داخل الوجه دون المغالاة في توظيف اللون زادت من قوة رسالتها لتكون بذلك قد أدركت القمة في تبليغ طرحها.
أشد على يد هذه الفنانة بقوة التي تعتمد سبر أغوار الحياة والمجتمع وكل المرجعيات الإنسانية من خلال الوجه الآدمي.. ولا ضير في أن تدعم ذلك بين الفينة والأخرى مستعينة بالجسد وفيزيائه التي قد يكون لها اليد غير القصيرة في إتمام رسالة للوحة ما داخل البوتقة الخلاقة.. فبكل العمق أريد أن تذرك الفنانة حنان باحمدان أنني أعتبر ما قبل وجوهها كان على شاكلة مخاض طويل.. وأن سفينة الوجوه التي امتطتها هي المُبلِّغ الصديق لرسالتها كإنسانة أعطت لحياتها معنى من خلال الفن.. كما أخذت على عاتقها _ تجاوزاً لكل الاعتبارات _ أن تكون هاهنا داخل المجتمع بسبب ما تسقطه من أبعاد مساءلاتية على فضائها الإبداعي.

  • وجوه حنان با حمدان.. إسقاطات حوارية
    قراءة / محمد الشهدي
    (شاعر وروائي وناقد تشكيلي مغربي)

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط