الجازية الهلالية، حفر على خشب، 40*50صم، 1973
الجازية الهلالية، حفر على خشب، 40*50صم، 1973

 

الجازية الهلالية، حفر على خشب، 40*50صم، 1973

 

الجازية الهلالية، حفر على خشب، 40*50صم، 1973

 

الجازية الهلالية، حفر على خشب، 40*50صم، 1973

 

عادل مقديش، هلاليات، حبر صيني على ورق

 

لوحة لقاء٬ 65*50صم٬ حبر صيني على قماشة

 

رسم تمثيلي للأشكال البيضوية في لوحة مبارزة، 65*50صم٬ حبر صيني على قماش

 

لوحة خالص، 165*50، حبر صيني على قماشة

 

هلاليات، حبر صيني على ورق

 

 

  •  
  •  

  • مقدمة:
    "إبراهيم الضحّاك" و "عادل مقديش" فنانان تونسيان أصيلي الجنوب التونسي اهتما في تناولاتهما بالسيرة الهلالية .ولد إبراهيم الضحاك سنة 1931 بمدينة "قفصة" درس بأكاديمية الفنون الجميلة بروما فيما ما بين (1957- 1961) وتتلمذ على يد عدد من كبار الفنانين الإيطاليين، وخاصة منهم الرسّام "أميريقو بارطولي" نال جائزة( كارلوسفيارز) سنة 1961 و في نفس السنة تحصل على جائزة الطالب الروماني من أكاديمية روما،كما نال جائزة مدينة تونس سنة 1992 و الجائزة التقديرية القومية في الفنون التشكيلية سنة 1993 وفي عام 1994 فاز بالجائزة الوطنية للفنون التشكيلية. و قد أقام العديد من المعارض الفردية و الجماعية.
    أما "عادل مقديش" فقد ولد بمدينة صفاقص سنة 1949 تحصّل على شهادة الأستاذية من معهد التّكنولوجيا للفنون بتونس. و هو عضو في اتّحاد الفنّانين التّشكيليين أقام العديد من المعارض داخل تونس و خارجها. ارتبط كليهما بالأقاصيص و الحكايات من خلال ما يتجلى من اجتثاثهما للنص الحكائي و متابعة أساليبه و التخفي و راء تماته لا سيّما ما يتبدى ضمن الاستناد إلى بعض الأقاصيص و السير كالسيرة الهلالية نسبة إلى قبائل "بني هلال" الذين أتوا مرتحلين إلى تونس بحثا عن الكلئ و المرعى تعاد صياغة الحكاية في لوحات "ليليّة". فقد اهتم كل من "الضحاك" و "مقديش" بالسيرة الهلالية لكن بطرائق تبدو على نحو من الاختلاف تتراوح بين البساطة و التعقيد.


الهلاليات تتحمّم بعطر السواد مع "الضحاك" و" مقديش"
لقد استند كل من "إبراهيم الضحاك "و "عادل مقديش" في تناولاتهما التشكيلية للسيرة الهلالية على الاستعمال المكثف للتباين القائم بين الفاتح و الداكن و المتمثل في القيمة اللونية الأبيض و الأسود ضمن استعمال تقنية الحفر عبر "الضحاّك " أو من خلال الاستناد إلى تقنية المائيات المتمثلة في الحبر الصيني و الأكرليك. إن هذا الاستعمال إذا ما أرجعناه إلى مصدره الإيحائي ( السيرة الهلالية ) هذا ما سيحيلنا إلى الأبعاد الثقافية و الاجتماعية التي صنعت إثرها كمآثر تاريخية اجتماعية ضاربة بجذورها في مبدأ الزمن. كتاريخية استعمال اللون الأسود.
و بالتالي فإن "إبراهيم الضحاك" و "عادل مقديش" قد وظفا الأسود ليس من قبيل الاعتباطية - بل - لما تكتسيه هذه القيمة اللونية من أبعاد روحية و وجدانية، و من ترسبات ثقافية اجتماعية، تاريخية يلاعبان فيها الذاكرة فيحييها و يحيّنها و يلبس شخوصها و فضاءاتها حلة القيمة اللونية في اصطباغ مع مادة الحبر ذاك ان مقديش نجده "استبطن في مسارات التاريخ بعض الرموز و الأطياف التي وفرتها الذاكرة الشعبية.... تنفذ إلى ذهن الرسام و تنفذ عبر أنامله إلى فضاءات اللّوحة بعد أن تتحمم بعطر الحبر الأسود" ناهيك الضحاك الذي تواشجت لديه جملة من الرؤى و الاطياف تنسم خلالها أريج الموروث الشعبي .و بالتالي لقد حاول كل منهما المحافظة على نقاء اللّون عبر احتفاظهما على القيمة اللّونية الأسود مع نظيرتها الأبيض. لكن ذلك ساعد في أن يقرّب إلى النّفس جميع الذّبذبات التي تكمن وراء ألوان الطّبيعة، فيتكثف الحساسية و تخفف لتغدو ألوانا لا متناهية... هي عالمهما الذي تتمازج فيه الأشكال كافة لتذوب من ثمّ في الأبيض و الأسود كما أسلفت بالذّكر آنفا.غير أنّ "مقديش" لئن استعمل التّباين بين الأبيض و الأسود إلّا أنّه لم يستخدم التدرّج اللّوني فيها، بل حافظ على التّناسق اللّوني الموجود بين الفاتح و الدّاكن في تناغم فهي ليست ألوان اللّيل و لا النّهار. هي ألوان تشتهي فيها النّفس أن يعدم فيها المكان و الزّمان و ينتفي الوجود إلا من الوجود (الذّات) لتصبح الذات ذات متأمّلة...حالمة...فتنفصل حتى عن ذاتها. و إن هذا التناول و الالتزام في الاعتماد على التباين حدا بهما غلى التسطيح ذاك أنّنا " لا نكاد نسدل الرّحال على رسم للظّلال ليصبح اللّون قد بنى جسدا لونيا مبتكرا ضمن ما أوجده من بنية و مفردات تشكيلية قد أجهضت الفضاء لينبئ بمرام و قراءات مختلفة. ذلك أن استعمال القيم اللّونية الأبيض و الأسود، إنّما يرتبط بالنص الأدبي المشفوه أو المكتوب ضمن طابعه القصصي الرّوائي الذي يروى عادة في اللّيل. فلئن كان الأبيض نهاريا فاضحا لمعالم الوجود و الحياة، فإن السّواد ينبس عن عالم الظّلمة و السّكينة، عالم اللّيل الذي هو بطبعه عالم الحكايات و الأقاصيص لتعلن بالتّالي ثنائية (الأبيض و الأسود) عن ثنائية اللّيل و النّهار ضد العتمة ليرتهنان بالحكاية و الخرافة " ذلك أنّ الخرافة تروى في اللّيل" فأغدق بالتالي "إبراهيم الضحاك" و "عادل مقديش" تشكيلاتهماز مستعملين تقنية الحفرو الحبر الصّيني و الأكريليك صانعين بذلك مؤالفة غزلية بين الابيض و الاسود.

 
إبراهيم الضحّاك بين بساطة التناول و سردية الاحداث:
بساطة التناول

استطاع "إبراهيم الضحاك" عن طريق خياله ان يطوّر جملة مفرداته التشكيلية مطوعا إياها لتتماهى مع التراث في صيغه الحكائية و ذلك ما تبدّى من خلاله تقصيه للسيرة الهلالية و تقفيه لأثر الجازية ، صاغ ذلك من خلال اعتماده على الحفر كتقنية جامعا في ذلك مؤالفة غزلية بين الأبيض و الأسود محاولا بذلك ان يتجاوز المفهوم المتداول و يعيد استئصالها من ترسبات المخيال عبر ما ترسبت به و حفرت فيه من أحداث ليعيد حفرها من جديد تشكيليا على محامل متنوعة، وفي مقاربات لونيّة فريدة، فيستدعي الضحّاك الصورة الذهنية التي أمدها به الموروث الشفوي و أعاد تشكيلها عبر السمع و الانصات، و أيضا عن طريق البصر و التبصر و حفظتها له المصورة ذاك أن " المصورة هي القوة التي تحفظ المحسوسات التي يدركها الحس المشترك و تبقيها فيها بعد غيبة المحسوسات و ليس لهذه القوة حكم على ما تحفظه، يقول ابن سينا " فالصورة المحسوسة تحفظها القوة المحسوسة التي تسمى المصورة و الخيال" ليعيد بناءها من جديد معلنا تجلّيها في صورة مادية تستكن إلى الفعل التشكيلي ، فلم يعد تلك المادة المخزنة بطريقة صرفة بل حاول إعادة تحويل و تحوير ذلك الموروث عبر دعائم داخلية أتت جامعة بين ثناياها الجانب الحسي و الروحي.

القص و سردية الاحداث
لئن أتى الضحاك محاولا إعادة بناء صورة تشكيلية جديدة إلا أنه بقي محافظا على نمط السرد و تتالي و تتابع الاحداث فتأتي الاعمال ذات نمط متسلسل تتابع فيها الاحداث و في هذا السياق يمكن ان نلتمس التصاقه بالحكاية ضمن طابعها السردي ليأتي كحكواتي تشكيلي و في هذا السياق يقول الضحاك " أنا حكواتي بالأساس " ذاك ما تمظهر من خلال جملة محفوراته حول الجازية التي أتت في شكل تتابعي متسلسل، قد أجهض فيها فضاءه مقسما إياه إلى جملة من الخانات اتت كل خانة من تلك الأخيرة قاصية لحدث من الاحداث محدثا بذلك ديناميكية داخل فضاء العمل ودالا على الحركية و الاختلاف و التنوع في الأحداث و الشخوص و المواقف و المواقع و التي من شأنها أن توحي بتحول الإطار الزماني و المكاني .

و بالتالي إن عملية التكرار لهذه المفردات التشكيلية إنما تستدعي استحضار البعد اللامادي أي الزمن و ذلك انطلاقا مما يثيره الأثر من هوامش في المتقبل تستدعي فيه تفعيل إرهاصات الذهن و إن كان يتعدى ذلك البعد المادي ليتصل بما يؤسس من معاني و إدراك و تواصل بين الإنسان و الأشياء المدركة و بين المبدع و المتلقي عبر ما تفرزه الآثار الفنية من تمثّلات للأشياء و علاقات رمزية بين الأشكال و العلامات و الإيقاعات الحسية. فيكون بذلك مدركا كقيمة أو مجموع قيم جمالية تنهل من الأحاسيس و الرموز و الوعي و اللاوعي يأتي فيها العمل بسيطا في طرحه و في معانيه و شكلاني بالأساس. إنّه فعل إنشائي المبدأ يغازل فيه التراث ضمن فضاءه يملأ من خلالها المحمل بأشكال يؤسسها فيكون النسيج و الحبكة لديه شاذة على صيرورتها و تدعوك الحيثيات إلى التأمل في مراحل العمل و تماته و إرهاصاته. ذاك أن أفعاله بسيطة قائمة على التجلي و الانكشاف، فالبحث، و التقصي. لتبقى شواهد خاضعة للمتابعة و وجودها براهين على التمشي إنها حقيقة إنشائية و وصفات يتجلى فيها الفعل بكل وضوح، فيها لذة الحركة و التوليد الشكلي و فيها الانسيابية و بساطة الأشكال مقترنة بين جدلية الفعل المقام بين مسار الحركة و حبكة الموضوع و جدلية الخارج و الداخل، المتأتية احيانا من الواضح جدا إلى الخفي و التخميني،
ومن هنا فإن انعكاس الأشياء بهذه الطريقة يشكل الإشارة التي استدعيت من خلال تجربة الفنان الحياتية و التي تمنحنا نحن الاهمية التي نملكها دائما في الوانه ...إن بناء الحبكة في الاعمال الفنية التشكيلية يعتمد على الانسجام ما بين الشخصيات في اللوحة و محيطها بحيث يهيمن التناسق و التنظيم مهما كثر عدد هذه الشخصيات "
لقد استندت التوظيفات التشكيلية التي أتى على صياغتها "الضحاك" مستلهمة و متأثرة من بيئة الجنوب التي كان يعيشها و ما تكتنزه من محفوظات و اثار شعبية فكانت عفوية بسيطة تتماهى مع راهن الواقع المعيش فتنتفي إذّاك المسافة بين اللوحة و الواقع ذاك "أن المسافة بين اللوحة و المعيش اليومي تكاد تكون معدومة، إذ ان الفنان يتشضى أفكاره من البيئة و يستلهم ابداعاته من منابعها، لذلك جاء أسلوبه التشكيلي يتجلى بكثير من العفوية و البساطة،و هذا ما يتماشى مع حياة البادية الخالية من أي تكلّف.و يلبس الشكل الفني لدى "الضحاك" أحيانا، حلية السذاجة "

" و الحقيقة في العمل الفني ليست الألوان، أو الأفكار...إنها التصورات التي لا حدودها لها، و التي يشكل الوهم او الخيال ضفافا لها و التعامل مع العمل الفني ليس لها أوّل أو آخر فهو كل متكامل ليس في الخط ولا في اللون وحده، و العمل يهدف إلى محاولة إبهار المشاهد، و الكل يتألق ليبهر الشعور، و يعبر عن رؤية خاصة بالفنان، فليس للوحة أجزاء مفردة، إنها كل واحد و فضاء واحد "
حاول الضحاك ان يدمج المشهد التمثيلي بالفكر التشكيلي، بحيث نجد ان هذا المشهد قد اخترق الصورة المشهدية، ليجعلها مجرّد علامة شكلية، تسرد مسار إنشائيتها، دون ان تتنكر للشحنة التعبيرية، فلم يتنكر "الضحاك" لتعبيرية المادة و الأداة. و في المقابل لم ينفي أهمية الشحنة الحكائية، التي احتوتها و التي تجعلها تحاكي "الواقع" بيد ان هذه المحاكاة لم تكن سلبية كما عبر عن ذلك "بول ريكور" في كتابه " الوجود و الزمان و السرد" بحيث " أعاد "ريكور" صياغة مفهوم المحاكاة لكي يبين مدى
فاعلية الخطاب المسبوك بصيغة السرد، على البعد الرمزي و الواقعي ، في الوقت نفسه... وهنا يجب أن نفرق بين المحاكاة بوصفها تقليد للفعل، في خطاب ما، و بين الحكي بوصفه وصفا للأحداث. إذن فإن الخطاب السردي على حسب تعبير "ريكور " لا يعكس فقط أو يدون تدوينا و حسب، عالما مصنوعا سلفا بل ينشئ المادة المعطاة في الإدراك و يطوعها و يخلق منها شيئا جديدا"

عادل مقديش بين الخيال و عسر القراءة
"سعى عادل مقديش إلى و ضعنا أمام مشاهد تراثية مرتكزاتها القيم الإجتماعية و الأخلاقية التي قامت عليها السيرة الهلالية ألا وهي : الفروسية المجسمة في الحضور الدائم للفرس و الحرب و الشجاعة مجسمة في السيفو الحب و الدهاء و الحكمة مجسمة في شخصية الجازية و الاقدار مجسمة في رقعة الشطرنج التي تمثل لعبة الحياة و الموت " صاغ جميع هذه التناولات التشكيلية عبر مفردات مغربة في الخيال مستدعيا الذهن إلى التقفي لفك طلاسمها، فتستدعينا جميع المفردات إلى تحسس حيثيات سيرة السيرة في الماثور عبر الأثر و يتجلى ذلك مثلا في:
 

الشخوص و الجنوح إلى الغرابة
من الملاحظ أن "عادل مقديش" لم يستند إلى وحدة الشخصية المحورية ولم يرتبط بالسردية إلا فيما يخص الجانب الإبداعي فالمرأة تأتي ملتصقة بذاكرة الفنان متمظهرة في مستواها اللاواقعي فتأتي متجاوزة لحدود مراسم الصورة الواقعية ذاك أنه لا شيء في عالم "مقديش" الفني غير امرأة، امرأة ذات وجه، امرأة ذات قفا، امرأة لا وجه لها ولا قفا. امرأة مبتورة النهد، امرأة منتفخة النهد، امرأة قناع إمرأة تعرت أوصالها بلقيس كشفت عن الساق امرأة دمية ذات خيوط، في يدي محركها"
يحركها "مقديش" فتتغير هذه المرأة وتتلون (كالحرباء) تتخذ لنفسها تشكلات عدة فتتجاوز بالتالي وحدة الشخصية المحورية المتكررة في الطابع الحكائي ليتجلى عن صورتها أشكال جديدة، تتغير وتتحور في كل مرة، لتؤثث كل مرة فضاءا مبتكرا يوحي بغرائبية الصورة المرسومة لهذه الأخيرة. ذاك هو الشأن بالنسبة لرسم صورة (أبطال الحكاية) الذين تأتي صورهم متغيرة أيضا غرائبية في أغلب الأحيان متجاوزة بالتالي لرسم صورة البطل في الحكاية القصصية. لتأتي هذه الشخصيات التشكيلية تتغير وتغير المشهد والحدث المرسوم الذي يأتي جامعا لازدواجية الحركة والسكون في مشاهد تحافظ على صورة (المرأة/الشهوة)، صورة المرأة المبتغاة من الفحول، لتأتي (المرأة/الأنثى) في لوحات مقديش محاصرة وقد طوقت بالعناصر الفحولية الذكرية (الرجال، الأحصنة، السيوف، الرماح...)

لتتبدى المشاهد جامعة بين الطابع الملحمي ضمن حركية الحدث : القتال، النزاع... وعبر آلياته : السيوف، الرماح، أو ضمن السكون ليناط بالمشهد هالة من الإيحائية التي تتواجد فيه أيضا نفس آليات المشهد الملحمي السيوف، الرماح، القواطع. وعلى هذا النحو يأتي التقابل في الهلاليات ليبرز سمات جديدة تنطلق من ذات (المرأة والرجل) لتكتسي طابعا جديدا بين المتضادات في تقابلها، بين الأشكال القضيبية السيوف والرماح وبين الأشكال المستديرة النهود والأرداف. بين الأشكال الحادة والقواطع وبين انعدامها.
فتصبح اللوحة عند "مقديش" واحدة من امكانات متعددة وينتج فضاءه التشكيلي عن نوع من اللعب المنظم، إذا يتغير الفضاء التشكيلي لدى "مقديش" من لوحة إلى أخرى بحسب تغير العلاقات التي تجمع بين العناصر المرسومة والمتداولة. أو بحسب هندسة العناصر في الفضاء.

توظيف الفراغ
لقد تمثل الفراغ في الأعمال التشكيلية كأحد العناصر التشكيلية المهيبة التي أتى على التفنن في إدراجها الفنانون كما استند إليه و أقحمه "مقديش" في أعماله فبات كأحد العناصر الجليّة التي تحاك به وحوله جملة العناصر و تصاغ ضمنها الأحداث و لقد حدّدت "أمل نصر " الفراغ في نوعين و المتمثل في :الاستجابة المنطقية و الاستجابة البديهية
الاستجابة المنطقيّة"هي التي نحاول من خلالها استنتاج الفراغ وفقا لتجارب مكتسبة أو التّقاليد المسلّم بها. و يأتي ذلك إلى توالد الشّعور بالتّزامن مع الحدث المصوّر و من هنا يحاول كلّ من الفنّان و المتلقّي التوصّل إلى تحديد منظّم و دقيق للفراغ و يطبّق ذلك بوضوح في نظام المنظور الهندسي" أما الاستجابة البديهية"هي الاستجابة للفراغ بشكل حدسي بديهي دون أن يستلزم ذكر مواجهة الحقائق و الأحداث و ذلك يقود الفنّان المتلقّي إلى الانغماس في الفراغ و استرجاع حالة الغموض و الأساطير التي تضفيه على اللامتناهي و اللّاشعور" . و إنّ ذلك ما نتبيّنه مثلا من خلال لوحة "لقاء".

ذلك أن اللّوحة قد صوّرت شخوصا يمتطون صهوة جياد في حالة نزاع و مبارزة يتحرّكون في فضاء مطلق أشبه بالحلم موح بالتّناقض بين الأشكال و الخلفيّة. إن المساحة اللانهائية خلقتها أوضاع الشّخوص أنفسهم حينما ظهروا كما لو كانوا معلّقين في الفضاء، و في هذه الحالة فإن الفراغ الذي يتّخذه "مقديش" لا يتمظهر في شكل طبيعي، حيث أن هدفه يصبح هدفا إدراكيا و ليس حسيّا، له صلة بالأفكار و الحالات أكثر من صلته بالمظاهر الماديّة الحقيقية حيث نتلمّس وجود الأشكال داخل (فراغ مثالي) بدلا من وجودهم داخل فراغ معالج بأسلوب واقعي. ذلك ما نتبيّنه ضمن خلفية تلك اللّوحة التي انبنت على خلائها من أي عنصر تشكيلي، حيث اكتفى فيها بالإبقاء على بياض الحامل الورقي و هذا ما يجعل اللّوحة سابحة في فضاء أعلن وجوده بالقوّة ضمن تشكيل العناصر فيه، بعد أن كان موجودا بالفعل، فهدف من ثمّة إلى تحويل الأشكال إلى مجموعة من العناصر التي تتحرّك في عالم مطلق. ذاك أن "مقديش" قد صوّر الأشكال بصورة يصعب معها تحديد المكان و الزمان الذي وجدت فيهما عناصرها فتقود الفراغ إلى عالم مجهول لا حدود له. من هنا كان الفراغ محمّلا بالمعاني و المشاعر و المدركات الحسيّة و الرّوحيّة على الرّغم من خلوّه من الأشياء فيتحوّل الفراغ المفتوح على مسطّح اللّوحة إلى فراغ موح بالمشاعر و المعاني و لكن الفراغ في اللّوحة قد يمثّل عائقا في بعض الأحيان، يعوق التّوازن بينه و بين باقي الأجزاء و العناصر التشكيلية. إلا أنّه مع "مقديش" قد اتسم بالاتّزان يقدّم فيه و من خلاله تعبيرا و مثالا للتوازن الحساس في استخدام الفراغ في كلّ من الأركان الأربعة لمسطّح اللّوحة و يرجع ذلك إلى قدرته على تحويل ذلك الفراغ إلى فراغ موح و يكمن ذلك في اتجاه
"مقديش" الهادئ المتّزن و قدرته على امتصاص مساحة اللّوحة كلّها في نظرة واحدة و إن ذلك ما نتلمّسه في التّوازن الكامل بين الأشكال المصوّرة و الفراغ المفتوح الذي يحتويها، سواء الذي يحيط بها أو الذي يتخلّلها فإن اللوحة وقع تصويرها داخل مساحة خياليّة، لا يظهر فيها خطّ الأرض أو الأفق بل تسبح العناصر في مكان و زمان خياليين. و يعتمد بناء التّكوين على العلاقة بين حركة العناصر و اتّجاهها، و بين العناصر التي تحتملها. كما تتحوّل الفراغات التي تتخلّل العناصر هي الأخرى إلى أشكال سالبة ضمن عناصر التّكوين و الفراغ المحيط بها. فإذا افترضنا إزالة العناصر المكوّنة للعمل و أبقينا على الأشكال التي أقامتها الفراغات لأحدث لنا ذلك عمل جديد ضمن مفردات هندسية تهندس اللّوحة بطريقة أخرى. و ما يشدّ الانتباه في تلك اللّوحة هو قيامها على هندسة الشّكل البيضوي، داخل مكوّنات العمل التّشكيلي. كما يتجلى ذلك أيضا في لوحة "مبارزة" ففي الوقت الذي يتّجه فيه جسد الرّجل و جسم الحصان إلى الجانب الأيسر من اللّوحة، فإن رأس الحصان الذي يتصدّر المقدّمة يعود لينظر إلى الاتّجاه المقابل متماهيا في الفعل مع الشّكل الذي يعتليه، هذا في مستوى التّركيبة العامة. كما يمكن أن نتكشّف على هذا الشّكل البيضوي ضمن أجزاء أخرى مثال ذلك ما نلحظه في أرجل الحصان سواء الأماميّة منها أو الخلفية كلّ على حده أو مجتمعة و ذلك ما توضّحه الصورة التالية للوحة "مبارزة":

كذلك الشأن بالنسبة لمعظم اللوحات و بالتّالي فإنّ الفراغ المهندس ذو الشكل البيضوي شبيه بسردية فعل الراوي أو الحكواتي الذي يقوم بسرد القصة أو الحكاية فيشد إليه الألباب من خلال التشويق عبر ما يحدثه من فواصل صمت و فراغ هامس موح يشد إليه الناضر المستمع فالحكاية الشفوية هي نسيج تفاعلي للنظرة المعبرة و الصمت الهامس بالمعنى و الكلام البليغ في تماه مع همهمات الراوي أو الحكواتي.

تجلّيات الكتابة
يبدو "مقديش" ضمن استعماله للكتابات عبر حيز فضاءاته في الهلاليات كأننا به إنما يذكرنا بشكل المخطوطات أو الرسائل التي كانت متداولة و التي تبعث مع الرسل . كما أن هذا الشكل الهندسي إنما يوحي أيضا بشكل اللوح الذي كان يستعمله المؤدبون في الجوامع و يستعمل لتعليم الصبية الكتابة و القراءة من اجل الحفظ و التعلم حتى تتحقق الإجادة، و هي نفس الطريقة التي كانت دارجة في بلاد المغرب. ويقول ابن خلدون " أما طريقة المغرب و الأندلس فيكفي أنها تعتمد محاكاة الخط في كتابة الكلمات و الجمل و يكفي ذلك من خلال التعلم و مطالعة المعلم له إلى أن تحصل الإجادة له فيسمى مجيدا " و إن ذلك ما نلحظه في بعض الصيغ التشكيلية ضمن إقحام الكتابة و الاهتمام بمستواها الشكلي في أعمال " مقديش" الذي لئن أتى محورا لشكل الحرف الكتابي تشكيليا إلا أنه لا يلغيه، أبدا . فيصبح النص المصاحب للصورة التشكيلية ينطلق من صيغته الغرافيكية ، لأنه يأتي في معظم الاحيان متجاوزا لمعنى العبارة أو الكلمة و يقول الفنان السوري محمود حماد في هذا السياق " إن استخدامي للكتابة العربية لا علاقة له بما تعنيه العبارة، او الكلمة، لأنني أريد من الكتابة الشكل التصويري و البناء التشكيلي لشكل الحرف و الكلمة " كما هو الشأن مع "عادل مقديش" فقد ركز على المستوى الشكلي للكتابة فجعل يتلاعب بطريقة الكتابة حيث يقلب شكل رسم الحرف و يأتي بنضائرها من حيث التجانس و التماهي في القولبة الهندسيّة، إضافة إلى عملية التكرار و ما تحتويه من نسيج، فكان التّكرار كأحد العناصر يتعدد و يتكرر في اختلاف "فالتكرار ليس تشابه الواحد كما انه ليس تشابه المتعدد" حاول بفضلها أن يخلق نسيجا زخرفيا و خلاف للتغييرات الهندسية فإن "مقديش" يعيد هندسة لون الكتابة، فالكتابة عادة تتحمم بلون صباغ القلم بيد أنها معه تحافظ على لون ونقاء مسطح اللوحة و بكارتها ضمن حفاظها غلى بياض حاملها و تلوين المساحة الخارجية له بالقيمة اللونية (الأسود) ضمن استعمال لنفس التقنية الحبر الصيني أو الأكرليك . إن "مقديش" نجدة يتلاعب بتوزيع القيم اللونية داخل المساحات المؤطرة مما يؤدي إلى أن تتحول هذه الكتابة إلى نسيج قد نسج بخطوط لا مقروءة مع تلاعبه بالقيم اللونية مما من شأنه أن يحدث ذبذبة بصرية حيث أن العين لا تستطيع التركيز على هذا النّسيج المكتوب على اعتبار قوّة الأسود و نصوعه لاسيّما إذا كان الأسود يمثل الحد الأقصى للدرجة عكس الأبيض الذي تساوي درجته الصفر. و بالتالي من خلال الاستناد إلى هذا الجانب التشكيلي يصبح متجاوزا لمستوى النص الحكائي لا سيما توظيفه أيضا لتوقيعه ضمن فضاءات " هلالياته" بل أنه يتجاوز ذلك ليزاوج في نفس الحين بين الكتابة العربية ضمن مقروء حروفها و الكتابة الأعجمية، كما انه يستعمل بعض الأرقام التي تدل على زمن الإنجاز و التاريخ، ليأتي في هذا السياق مجانسا لكتابات عدة ليصبح المقروء لا مقروءا لتغدو الأهمية في الجمالية التي تحدثها تلك الأخيرة عبر تطويعه لخصائصها عبر التكرار و التحوير لخلق نسيج زخرفي . كما يوظف التوقيع قي بعض الكتابات ليخلق بها عنصرا تشكيليا جديدا محوّرة في تراكيب مبطّنة على فضاء المحمل ليجهض فضاء المحمل بتواتر للعلامات و الرموز من ذلك رقعة الشطرنج التي تتوسدها المرأة و الحصان لتصبح المرأة أحد عناصر هده اللعبة ذاك انه كلما غيرت هذه المرأة موقعها إلا وحوّر شكلها و بنيته فضاءها ذاك هو الشأن بالنسبة للخيول التي أتت لتتشكل كأحد العناصر الإيحائية الدلالية و إن ذلك ما يتوضحه الصورتين التاليتين:

ليأتي بالتالي "مقديش" متلاعبا بالأشياء، يحملها معان تتجاوز صورها الظاهرة ليأتي الكلام متخضبا بين ثنايا التشكيل هامسا نابسا ليس بالمعنى فحسب بل بإيحائية الشكل في غنائية مطردة و بالتالي تبدو العلامات حاضرة الوجود في أعماله زاخرة بالدلالات والإيحاء ذاك أن "عادل مقديش"قد "انطلق من تجريد للعلامات و الرموز التقليدية فجمع منذ سنة 1985 هلسنة بصرية تتمظهر بين الحركة الشعبية و الحكايات كألف ليلة و ليلة فيها تشابك لحريم و شخوص في فضاء هندسي أسهب الأشياء فيها و المكونات معالجا إياها بطريقة تنفلت من الواقعية".
و على هذا الأساس حاولت في هذه المقاربة التعرض إلى بعض الجوانب العلائقية ضمن التناولات التشكيلية لكل من "إبراهيم الضحاك" و " عادل مقديش" من خلال بعض عناصر الوصل و الفصل من خلال المراوحة في أعمالهما بين البساطة و العفوية و الغرابة و التعقيد انطلاقا من تاثرهما بالسيرة الهلالية و إن هذه المقاربة لتحتاج إلى مزيد إسالة الحبر عبر البحث المستفيض حول العلامات و الرموز والشخوص و طرق توظيفها و العلاقات و تمات الوصل و الفصل بينها...

  •  

  •  

  • الــهلالـــيـات بـيـن الـعـفـويـة و الـبـسـاطـة و الـغـرابــة و الـــتــعــقـيــد
    من خلال التناول التشكيلي لإبراهيم الضحاك و عادل مقديش
    ريــاض بـنــالـحـاج أحـمــد

 المراجع:

الحبيب بيدة، الحياة الثقافية، العــ 100ــــدد، ديسمبر 1995
الناصر البقلوطي، مقولات في التّراث الشّعبي، تبر الزّمان، سنة 2005، ص 116
يوسف خياط، معجم المصطلحات العلمية و الفنية، دار الجيل، دار لسان العرب، ص736
ف.كوستين - ف.يوماتوف، لغة الفن التشكيلي، ترجمة برهان شاوي، دائرة الثقافة والإعلام، حكومة الشارقة، 1997، ص 20،21
جمال الشريف، مجلة الحياة الثقافية، مقال بعنوان التشخيص المحدث بتونس، السنة28- العدد154 - ماي2003 .
سامي أدهم، ما بعد الحداثة، دار التنويرالأدبية، 1996، ص33.
سعيد الغانمي في الترجمة و التقديم، الوجود و الزمن و السرد، فلسفة بول ريكور، المركز الثقافي العربي، 1999، ص 200
عمر الغدامسي، الحياة الثقافية، السنة21 - العدد 77 - سبتمبر 1996
وحيد السعفي، رحلة الجسد الجمال، تبر الزمان، 2002
أمل نصر، الفنون الشّرقية و أثرها على الفنون الغربية، مطبعة الهيأة المصرية العامة للثقافة، ص114-115
ابن خلدون، المقدمة
شربل داغر، الحروفية العربية ،بيروت، لبنان، ، ص 63

DELEUZE Gille, différence et répétition, paf, 1969, p164
LOUATI Ali, L’aventure de l’art moderne en Tunisie, éditions simpact, p 184
 

 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط