هرمان نيتش في مرسمه ببرنزندورف

هرمان نيتش كموضوع للفعل الفني (العرض القياسي الأول سنة 1961)

صورة من العرض القياسي عدد 100 المنجز سنة 1998 بقصر برنزندورف بفينا

صورة لأحد المشاركين في العرض القياسي 122 المنجز في المسرح الوطني بفيانا في 19 نوفمبر 2005

صورة من العرض القياسي 122 المنجز في المسرح الوطني بفيانا في 19 نوفمبر 2005

صورة من العرض القياسي 122 المنجز في المسرح الوطني بفيانا في 19 نوفمبر 2005

الرسام تيبو دلفاريار أثناء مشاركته في العرض القياسي 122 الذي أقيم بالمسرح الوطني بفينا في 19 نوفمبر سنة 2005

اللوحات والصور المنجزة إضافة لمجموعة من الأدوات المستعملة في أحد العروض القياسيةو هي معروضة في شكل تنصيبة في إحدى قاعات متحف هرمان نيتش للفن المعاصر بمدينة مستلباخ المتاخمة لفيانا.

 
  •  

  •  

  • "لماذا فضّل نابوليون بونبرت أن يتوّج نفسه بنفسه؟ 1"بهذا السؤال أجابني مبتسما عندما سألته عن دوافع اختياره للمسرح الوطني بفيانا كمكان يعرض فيه عمله سنة 2005.
    لم أتخيّل يوما أن هرمان نيتش الذي لطالما نعت بدراكولا و بالسفّاح سيكون هو نفسه العجوز ذي الاثنين و سبعين عاما الجالس قبالتي في هدوء وانتباه شديدين وقد أوشكت لحيته البيضاء أن تلامس سطح الطاولة. إنه فعلا هو, هرمان نيتش مؤسّس مجموعة النّاشطين الفيانيّين "اكسيونيست فينّوا" في بداية الستينات, حينما عرض لأول مرة تصوره الأول ل"مسرح الألغاز والعربدة" والذي يندرج ضمن نمط العروض القياسية.


لقد ولد "هرمان نيتش" في 29 أوت 1938 في فيانا و هو فنان معاصر زاول دراسته في معهد الفنون الغرافيكية و التطبيقية بفيانّا.ثم توجه اهتمامه إلى فعل الرسم في إطار عروض قياسية أطلق عليها تسمية "الأحداث"(actions). وتعتبر هذه الرّؤية تفعيلا لنظريّة 'ريشار فاغنير' (Gesamtkunstwerk) والتي تعني في اللغة الألمانية "الإنتاج الفني المكتمل" (l’oeuvre d’art totale). إن القراءة الواضحة لأعمال هرمان نيتش توجب في البداية التطرّق إلى السياق التاريخي و الفني و السياسي و الاجتماعي الذي نشأ فيه هذا الفعل الفني و الإبداعي.
بدأ نيتش التنظير لمشروعه "مسرح الألغاز والعربدة" في أواخر الخمسينات. هذا التاريخ كان حاسما في إبراز الرسام الشاب على الساحة الفنية بالنمسا, البلد الذي خرج لتوه من فترة الحرب الصعبة ليجد نفسه حبيس ماض مؤلم وحاضر يائس.
وتأتي أعماله في شكل رؤية مسرحية معاصرة يقطع فيها الفنان مع المسرح التقليدي ويقدم لنا في الآن ذاته من خلالها الفن كحلم طوباوي يربطنا بذلك الماضي الأليم. تسعى هذه الرؤية إلى أن تكون مرآة تعكس التجربة الإنسانية ككل. ويعتبر نيتش "مسرح الألغاز والعربدة" بمثابة الحدث الطّقوسي الذي يستند في بنائه على الأسطورة الرمزية والنموذجية التي تعتبر بمثابة حجر الأساس في الثقافة الأورمتوسّطية. وفي نفس هذا السياق يؤكد الفنان قائلا : "بفضل مسرحي تتخذ كل الأساطير والأديان بعدا دراميا. فالعديد من الشخصيات الأسطورية والدينية تتحول إلى شخصيات درامية. إن رؤيتي المسرحية تقدم صورة جديدة لأساطير متعاقبة و آلهة مختلفة عرفتها الإنسانية على مر العصور و بذلك يتحول مسرح الألغاز و العربدة إلى رؤية فنية تنطلق من مسألة الموت والبعث التي تعتبر نقاطا مشتركة في عدة أساطير" 2
إن الصّيغة الجديدة التي يقدمها هرمان نيتش للمسرح تقطع مع العملية السردية الكلاسيكية لتندرج ضمن توجه العروض القياسية المعاصرة وتتنزّل في شكل تراجيديا ميثولوجية . فهي تختزل الحقبات الهامة في الموروث الميثولوجي في نقاط رمزية تحيلنا مباشرة إليه.و يتنزل هذا النوع من المسرح في شكل عمل فني ضخم يمتد في الزمن ليتواصل طيلة ستة أيام متتالية دون انقطاع (مثال العرض القياسي عدد 100 المنجز سنة 1998 بقصر برنزندورف بفينّا) ويقوم على رؤية شمولية لأساطير مختلفة.

إن الأساطير المنتمية إلى حقبات تاريخية متباعدة تتحول في إطار مسرح نيتش إلى عمل فني واحد ومتكامل. ويحضر البعد النصّي في هذه الصيغة في شكل صرخات و إنشاد مما من شأنه أن يعمق البعد الدرامي للعمل. ومن جهة أخرى لا يمكن اعتبار كثرة العناصر المكوّنة "لمسرح الألغاز والعربدة" الدافع الأساسي الذي جعل نيتش يسعى لتمديد زمن العرض إلى ستة أيام بل نزوعه إلى تجاوز كل الحدود التقليدية للبناء التراجيدي. فجعل الفنان بذلك مسرحه بمثابة الاحتفال الطقوسي الذي يؤثر مباشرة في حياة من يشارك فيه من خلال زجّه في تجربة نفسية وجسدية فريدة ترتقي به إلى مستوى النشوة الجماعية.
يتحدث نيتش عن هذه التجربة قائلا : " يرسّخ مسرح الألغاز و العربدة لغة خاصة به من خلال علاقة تكاملية بين جميع الحواس وذلك بهدف تعميق التجربة الحسية و دفعها لتبلغ درجة النشوة."3
إن "مسرح الألغاز و العربدة " يمثّل محور اجتماع تجارب حسية متعددة تخلق في التقائها صورة فريدة متكونة من مواد عضوية مختلفة. و تجدر الإشارة الى أن نيتش ينفرد باستعمال مجموعة من المواد العضوية كأحشاء و أجساد الحيوانات و البيض و بعض الخضر و الغلال مثل الطماطم و البرتقال و العنب إضافة إلى مواد سائلة مثل الدماء و النبيذ و الماء و الحليب و العسل...
كانت العروض الأولى لنيتش تقتصر على الوجود الفاعل لهذا الأخير صحبة بقية أعضاء مجموعة النّاشطين الفيانييّن "اكسيونيست فينّوا" (أوتو مويال و غنتر بروس و رودولف شوارزكوغلر). لكن سرعان ما أصبحت هذه العروض تستقطب جمهورا يسوقه حب الإطلاع. وفي السنوات الأخيرة أصبحت أعمال نيتش تضمّ عددا هائلا من المشاركين من الجنسين.
إن كل مشارك في "مسرح الألغاز والعربدة" له دور واضح يقوم به ويحدّده نيتش مسبقا. في هذا السياق يتحدث 'تيبو دلفاريار' وهو فنان تشكيلي بلجيكي رافق نيتش في عرضين إثنين, فيفيد:
"يقوم نيتش صحبة معاونيه بإسداء الأدوار للمشاركين. أول سؤال يطرح على المشارك هل يريد أن ن يكون عنصرا ناشطا أم جامدا. فإذا كان يريد أن يكون جامدا فعليه تعرية نصفه العلوي حتى يتسنّى رؤية ما إذا كان جسده ملائما لوضعية الصلب".4

انطلاقا من هذه الشهادة يمكننا فصل المشاركين في "مسرح اللألغاز والعربدة" إلى نوعين: "ممثلين ناشطين" و آخرين "جامدين". أمّا الناشطون فيقومون بأعمال متعددة كحمل جثث الحيوانات المسلوخة, سكب الدماء و سوائل أخرى أو تحريك و خلط الأمعاء و أحشاء الحيوانات فوق أجساد الممثلين الذين وقع صلبهم على شاكلة المسيح. في حين أن الممثلين الجامدين يصبحون بمثابة المفعول بهم أو موضوع الفعل و يقع صلبهم أو وضعهم فوق أو تحت جثث الحيوانات المعلّقة كالخنازير أو الخرفان أو الثيران. ويركّز نيتش في أعماله على إعادة إنتاج أيقونات لها دلالات خاصة و ذات مرجعية دينية أو أسطورية وذلك مثلا من خلال تجسيد عملية صلب المسيح أو فتح جرح على مستوى الجانب الأيسر من أجساد الحيوانات المستعملة في إشارة واضحة لإصابة يسوع وهو مثبت على صليبه أو كذلك من خلال تضميد أعين الممثلين الجامدين كناية بالشخصية الأسطورية أوديب الذي تفيد الأسطورة أنه فقأ عينيه.
لعلّ هذا ما يجعل التجربة النّيتشيّة تكتسي طابعا فريدا و متميزا يضعها موضع الاستثناء مقارنة بكل التجارب الحديثة في مستوى العرض القياسي. إذ أنها تتخذ من القسوة مفهوما تأسيسيا لتلتقي في بعدها التطبيقي مع ما نظّر إليه أنطوان أرتو في كتابه ″المسرح و مثيله″ أو مع ما عبّرعنه 'فريديريك نيتشه' في فلسفته "بالقسوة الخالصة و البريئة".
و يمكن اعتبار مسرح نيتش بمثابة القطع مع مسرح الكلمة والتأسيس إلى مسرح الجسد و الحركة وأن الفنان يسعى جاهدا من خلال ذلك إلى إبراز عدم جدوى الكلمة مقارنة بالتجربة الحسية التي تفرض نفسها كلغة خاصة ب"مسرح الألغاز و العربدة". إضافة إلى لغة الموسيقى التي ترافق الحركة فتعمق الفعل الدرامي. فالمقطوعات الموسيقية التي يقوم نيتش بكتابتها بنفسه تقطع بدورها مع كل القواعد الكلاسيكية و تؤسس إلى مفهوم القسوة والعنف. تسعى الموسيقى في المسرح النّيتشيّ إلى تجاوز درجة احتمال المتلقي بشدة إيقاعها لتبلغ مرتبة النّشاز و تصبح مقلقة تصمّ الأذان. فتتناغم حين إذن مع قسوة الحركة و الفعل التراجيدي ليتجلى "مسرح الألغاز و العربدة" بمثابة رحلة في أعماق اللاوعي الإنساني. فيتحول بذلك مسرح نيتش إلى أداة تنفيس و تنقية لعواطف مكبوتة و دفينة في أعماق الذاكرة.
كما أن للرّسم ثنائي الأبعاد حضورًا هامًّا و محوريًا في الفضاء المسرحي النّيتشيّ حيث أنه يعد بمثابة المحمل الذي يحتضن الحركة الدرامية. فيمتصّ هذا المحمل كل المواد المستعملة التي تتحول بدورها إلى مواد ملونة تسودها الصّبغة الحمراء. بعد انقضاء العروض القياسيّة الزائلة تصبح الوحات الشاهد الوحيد الملموس عن فعل دامي متسم بالقسوة والعنف. إثر انتهاء زمن العرض القياسي يقوم نيتش بعرض لوحاته مع الكثير من الأدوات و العناصر التي كانت جزءا من الحركة في متاحف و معارض فنية لننتقل بذلك للحديث عن استمراريّة العمل الفني في شكل آخر ألا و هو التّنصيبة.
و من هنا يمكننا أن نستنتج أن نيتش جمع في عمله عديد الأشكال الفنية فمنها العرض القياسي و المسرح و الرسم و الموسيقى و التّنصيبة إضافة إلى الصور الفوتوغرافية و مقاطع الفيديو التي في الكثير من الأحيان أصبحت لا تعتبر تسجيلات تسعى إلى حفظ لحظة العرض فحسب بل أثارا فنية مستقلة بذاتها.

المراجع :
1- حوار في إطار لقاء خاص مع الفنان هرمان نيتش في قصره ببرنزندورف بفينا في 17 أوغسطس 2010 .
- 2Hermann Nitsch, La composition textuelle du théâtre des orgies et des mystères, Naples, édition Morra, 1994, p. 10.
- 3POULAIN Alexandra, Passions du corps dans les dramaturgies contemporaines, presse universitaires du Septentrion, France, 2011, p.98.
4- حوار خاص مع الفنان تيبو دلفاريار في 10 إبريل 2013 .

 


  •  

  •  

  • هرمان نيتش,الرجل ذو الفرشاة الحمراء
    شاكرة السالمي, باحثة بمرحلة الدكتوراه بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس وأستاذة بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان/ تونس.

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

09/05/2013

أجراس