•  

  •  

  • يعتبر المؤرخون تونس من المدن العربية القليلة التي ما زالت تحافظ على إرثها الثقافي والمعماري من الشمال إلى الجنوب، فالحضارات التي تعاقبت عليها تركت إرثاً معمارياً وثقافياً مهماً وأعطاها قيمة تراثية عالمية.


وتعتز تونس العتيقة التي تحتل قلب العاصمة أن الصروح التي عمرتها الحضارات المتعاقبة من بيزنطية ورومانية وحفصية وإسلامية وغيرها مازالت شامخة حيث عجز العمران الحديث عن إلغاء قيمة وجمال المنازل التي توارثتها الأجيال وحافظت على رونقها التراثي بعمليات ترميم دورية تحرص عليها بلدية تونس العاصمة.


تتميز تونس بمنازلها المربعة التصميم ذات الأبواب المقوسة والمزخرفة برسومات محددة كرسم سمكة صغيرة أو أصابع اليد الخمسة بغرض إبعاد العين والحسد، وقد ظل هذا الاعتقاد سائداً إلى اليوم فمعظم الأبواب التقليدية المستحدثة لا تكاد تخلو من تلك الرسومات ويغلب عليها اللون الأزرق فيما يغلب اللون الأسود على باقي الزخارف والنقوش.


أما ضاحية تونس الشمالية «سيدي بوسعيد» فهي مبنية على طراز المدينة العتيقة ومازالت منازلها تحافظ على رونقها الخاص حيث تحولت قبلة للسياح الأجانب وللفنانين من تونس ومن خارجها الذين عملوا على تصوير أعمالهم الفنية بين أزقتها وحواريها، ومن هنا جاء القول المأثور بأن في «سيدي بو سعيد» تقف عجلة الزمن ويسترجع الزائر تاريخ تونس العابق بالحضارات المختلفة .


تأثر العمران التونسي بالحضارتين الأندلسية والمصرية اللتين كونتا معاً عمارة مبتكرة لم يسبق لها مثيل في تاريخ إفريقيا وليس لها شبيه في المغرب أو المشرق، وهي وإن كانت تتفق مع الحضارات الأخرى في خطوطها العريضة إلا أن تفاصيلها الدقيقة بقيت لليوم محور اهتمام العلماء والمؤرخين.


يحتوي البيت التونسي على ميزات مشتركة بين مختلف المناطق التونسية أبرزها تلك الساحة الكبيرة التي تتحلق حولها الغرف بتناسق كبير، وتعتبر الساحة الوسطى الخلية الأساسية للمسكن الحضري كما هو الحال في المنازل الأغريقية والرومانية وكذلك في منازل سامراء والفسطاط، وتقوم الساحة تقوم بدور المزود بالماء والهواء للغرف الموزعة على جوانبها الأربعة التي لا تملك في الغالب نوافذ تفتح على الشارع، ولذا فأن الضرورات المناخية حملت تونس على قبول هذا النوع من المساكن التي يطلق عليها اسم «الهيلنية». وتتزين الساحة ببئر أو نافورة تساعد على تلطيف الجو وتمنح العائلة التونسية روحا معنوية لجهة كونها المكان الذي يجتمع فيه كل أفرادها يومياً للحديث والسمر، كما تقام فيها حفلات الأعراس والأعياد كونها تتميز باتساعها وجمالها. أما باب البيت فهو لا يفتح على الساحة الداخلية مباشرةً بل يفتح على ممر مقوس يطلق عليه اسم «السقيفة»، والتي نجد فيها عادة البناء على شكل مقاعد وأسرة يطلق عليها اسم «السدة» وهي مخصصة لاستضافة الزوار الذين لا ينتمون للعائلة، وغالبا ما يتحد الرخام الأبيض مع المرمر لتزيين سقيفة المنزل ونافورته وأبواب الغرف التي تحيط بالساحة. وتتسم المنازل التونسية بوجود طابق سفلي واحد، وتعتبر إقامة ذكور العائلة في بيت والدهم بعد الزواج تقليدا حرصت عليه العائلات التونسية المحافظة إلا أنه شارف على الاندثار حالياً. تتميز غرف النوم بجمال منقطع النظير إذ أن السرير عادةً ما يكون مبني بالأسمنت والآجر في إحدى زوايا الغرفة ويتميز بارتفاع يزيد عن 50 سنتيمترا عن الأرض، وعادةً ما تتوسط الغرفة نافذة صغيرة مغطاة بالستائر الحريرية المزخرفةكما هو الحال مع الواجهة، أما أرضية الغرفة فتفرش بـ «الكليم» وهو شبيه بالسجادة المتعارف عليها إلا أنه يصنع من عدة أنواع من القماش ويتميز بألوانه المتعددة والزاهية، وتوضع فوق «الكليم» وسائد صوفية تساعد على تدفئة السدة أو السرير.وفي بيوت العائلات الميسورة تبنى السدة بالخشب تميزا لأنه غالي الثمن ونادر جداً في تونس، ويزين سقف السدة بالفسيفساء والجص المزخرف وتغلب على الزينة الألوان الزاهية ويبرز فيها اللون الأخضر مع الأزرق كعنصر أساسي في التلوين. وتتسم غرف النوم بوجود نوافذ منخفضة بحيث تمكن الجالس في الغرفة من رؤية الساحة الوسطى للبيت، وعادةً ما يوضع مقعد كبير مصنوع من الخشب تحت السدة ليسهل عملية العبور إليها.


يحتوى المنزل التونسي غالبا على دهليز وهو عبارة عن غرفة سرية محفورة تحت الأرض حيث تخفي العائلة كنوزها ومؤنها، وفيما يتم اللجوء إليها أيام الحرب فإن التونسيين يبقون على اهتمامهم بها أيام السلم ويطلقون عليها صفة «أم الإنسان الحنون» ويقصدون بذلك الأرض، ومازالت بعض البيوت القديمة تحتفظ بتلك الدهاليز التي يعتبرونها شاهدا على تاريخ بلدهم وحضارته. وبالوصول إلى المطبخ لابد من الإشارة إلى أنه يحتوي على جرات كبيرة لتخزين الزيت والدقيق وأنواع مختلفة من المعجنات مثل «الكسكسي» وهو الأكلة التقليدية التونسية و«الحلالم» و«المحمص» وغيرها، والملاحظ أن عملية التموين مازالت قائمة إلى وقتنا الحاضر ومعتمدة من قبل العائلات التونسية.


ويبقى أن نشير أخيرا إلى أن البيوت الحديثة أصبحت عبارة عن مزيج ساحر بين البيوت التقليدية التونسية وبين البيوت ذات الطراز الغربي الحديث.

  •  

  •  

  • العمارة التونسية.. عبق الماضي و سحر الحاضر
    لطفي بنصر

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

20/10/2013

فنون العمارة