•  

  •  

  • في عام(1971) وفي إحدى لقاءاتي مع الفنان المرحوم شاكر حسن آل سعيد, طلب مني أن أشارك بمعرض البعد الواحد(الأول) الذي كان يعد له مع مجموعة من الفنانين, من بينهم المرحوم الفنان جميل حمودي. واعتقد أن طلبه هذا كان نتيجة لمشاهدته لبعض من رسومي لتلك الفترة, وخاصة التي كانت بعضها تحمل جملا عربية, كنت استقيتها من أسماء ونصوص بتأثيرات من الإرث السومري. لكني لم أقصد أن يكون عملي حروفيا. لذلك اعتذرت عن الاشتراك في ذلك المعرض. لم تكن دعوة آل سعيد من اجل إقامة المعرض هذا, كبقية المعارض الأخرى. فقد كان يخطط إلى أبعد من ذلك. لقد كان ينوي تأسيس منطقة تشكيلية بمصادر الإرث ألحروفي العربي, لتكون متميزة عن بقية المدارس التشكيلية العالمية. وبما أن الحرف العربي يتمتع بخصائص بلاستيكية قابلة للتشكل, سواء بصلابة أو ليونة بنيته الشكلية, ولتتعدى حتى ضوابط خطوطها الكلاسيكية أو الحديثة في العمل ألتلويني. وكما جربها هو في أعماله السابقة, أو أعمال بعض من مجايليه. كذلك لكون هذا المسعى ألحروفي, وفي زمنه هذا, يتوافق وزمن ومساعي فناني ما بعد الحداثة التثقيبية عن مصادر اختلافي والزمن التشكيلي الحداثي, رغم جذر العمل ألحروفي الأوربي الدادائي في العقد الثاني من القرن العشرين. وما أن أعلن عن اشتغالات البعد الواحد ألحروفي العربي, حتى ساد في الكثير من أعمال الفنانين التشكيليين العديدين في كل البلدان العربية. وان لم يكن البعد الواحد العربي كشفا مطلقا, إلا أنه تحول إلى ملاذ لاشتغالات فنية عربية لا تحصى, ولا يزال يشكل ظاهرة أسلوبية لم تستنفذ كل إمكاناتها الأدائية للكثير من التشكيليين العرب. لكن, أحيانا ما يصل الأمر إلى حد الإسفاف.


الفنان التشكيلي العراقي المقيم في سويسرا(فائق العبودي) لا يزال مسحورا بالأثر ألحروفي العراقي, و, خاصة الأثري الموغل في القدم, مع مقاربات لعلامات خطية وظفت تشكيليا ضمن مساحة العمل. أعماله تنسج الحرف حفريا, خطوط ومساحات طاردة للفراغ, حروفه وخطوطه وأشكاله الهندسية لا تندرج على سطح ألعمل, بل تنغرس فيه. و محاولاته الأدائية تبدو لأول وهلة كأنها اقتطاعات من احفورات الأثر بإيحاءات صلابة مادته الصخرية أو الفخارية. أو ربما تبدو كثلمة مسلة ضلت سبيلها وسط متاهة أو غرابة الأمكنة . فالعمل عنده اثر لا يغادر أزمنته إلا ليدل على تقادمه. فهو حينا يحاول التعتيم على مدوناته, وحينا آخر تغريه ملونتها الأثرية مسعى آخر للتغريب. ومن خلال كل ذلك, لا يود إلا أن يترك انطباعا, في العديد من أعماله, بكونها سطوح منسوخة بهاجس استشعار ما للأثر من مقدرة على البوح بما لا يستطيعه اللسان. أعماله, وضمن هذا التوصيف اعتقد أنها لا تمثل إلا اللسان بصرا, لا بصيرة, لغموض أو عتق زمنها الافصاحي بالنسبة للمتلقي. ميزتها البصرية. لا الدلالية الغامضة, اعتقدها من أهم أسباب موحياتها الإثارية التي تفاجأ المتلقي وخاصة الأوربي. وهي ميزة استفاد منها, وروج لها العديد من الفنانين العرب الذين استوطنوا الفضاء الأوربي أو الياباني, وغيره من الفضاءات الأجنبية. وكما فعلها فائق في أعماله.


في زيارة لي لمدير احد المتاحف التشكيلية العربية في بناية المتحف, تطرق الى أهم مساهمات عروض المتحف في أوربا, وكانت بمجملها عروضا لأعمال حروفية لأشهر الفنانين الحرفيين العرب. وفي إجابته على تساؤلي: اخبرني بأنه ومن منطلق حرصه على أن يشاهد المتلقي الأوربي أعمالا عربية تشكيلية مميزة, لم يجد إلا أن يقدم له عروضه الحروفية هذه, كونها تحمل خصوصيتها العربية الأثرية والمعاصرة في آن واحد. كما أنها تحمل ملامح اختلافاتها لمعظم النتاجات التشكيلية العربية المختلفة التي تشتغل على مناطق إبداعية أخرى(وحسب رأيه فان هذه الأعمال تحمل بعضا من بصمات مصادرها الأوربية. مما يقلل من أهمية استقبالها كمنجز له خصوصيته المحلية). مدير المتحف إذا كان يسعى لعرض فني تشكيلي يتميز بخصوصية واضحة ومفترقة في نفس الوقت عن النتاج التشكيلي الأوربي, وربما يمتاز حتى بغرائبيته بعض الشيء. واعتقد أن فائق العبودي هو الآخر تمسك بهذا الخيار الأسلوبي. وسط حاضنه الغربي الجديد المكتظ والمولد للكثير من الابتكارات التشكيلية المعاصرة. في البدء لم يكن الحرف الا لسانا في الأعمال التشكيلية الأثرية, ثم تحول الى مفردة تشكيلية بلاستيكية متداخلة ونسيج العمل حتى ولو كانت نصا مقتطع, أو مجرد إشارة. لكن بعد إشاعة استغلاله تشكيليا, لم يتوانى الكثير من الفنانين (الخطاطين) من ممارسة مهاراتهم الصياغية الحروفية بأعمال ذات طبيعة لغوية افصاحية. وبات الكثير منهم(وحتى وان لم يكن على إجادة في الصياغات الخطية) يحاول دخول عالم التشكيل من خلال أداته الحروفية, إلى حد اختلاط مناطق الأداء والإجادة من عدمها. ثم تحول الأمر إلى استغلال أبجديات محلية مثل(الامازيغية) في المغرب العربي, وأبجديات أثرية(الفرعونية والسومرية وغيرها). الفنان العبودي اختار الأبجدية الأثرية(السومرية) في محاولة منه لتدوير الأثر, أكثر من كونه إعادة اعتبار. لذلك فهو غارق في تفاصيله, مستعيدا بعض من مقاطعه النصية, مستعرضا النزر القليل من مضامينها للمتلقي, كمأثرة تلك الأزمنة القصية. وكاشفا عن ملامحه ابن بلد أهدى للعالم أول رقعة أبجدية مخطوطة.


لم تكن أبجدية فائق استنساخ معظمها, بل هي من وحي هيئة وسطح الأثر سواء كان مسطحا أو مدورا أو كتلة صخرية. وان استعار لأعماله أو اقتبس بعض من المقاطع الحروفية الأثرية. فانه لا يفضل أن يتحول عمله مجرد استنساخ, لذلك استغل علامات وإشارات خطية هندسية. ودسها وسط مساحة مفتوحة أو مغلقة أو ممزقة أو متشظية من أعماله. في نية منه لكسر نمطية الأداء ألمسندي الذي يعتمد الشكل التقليدي للعمل الفني التشكيلي. وان كانت العتمة(ربما من اجل إضفاء مسحة عتق على العمل) في أعمال فائق تعيق الانفتاح على فضاءات أكثر إشراقا. كما هو الانفتاح على مناطق أداء الخامات المختلفة التي من الممكن استغلال طاقتها التعبيرية والجمالية والتغريبية لإنتاج أعمال توليفية تغني التجربة الفنية , وخاصة في أعمال كهذه, بتعداد مناطق اداءاتها, واختلافات مشهديتها. وما دام العمل الفني مفتوح دائما على فضاءاته التجريبية, من اجل ان يبقى متحركا طاردا لكل ثبات أو جمود يؤدي إلى التكرار الذي لا نهاية له.
فائق العبودي يتحرك ضمن فضائه الفني المفترض الذي بناه من مخلفات عصور سابقة. لكن عليه الانتباه للحراك الزمني الصوري ومحاولة السعي للامساك ببعض من هباته الكثيرة التي تغمر فضاءاته, لا بالاكتفاء بما لديه, بل بما يضفي على تجربته آفاقا أرحب. فنحن أولا وأخيرا أبناء عصرنا, نعوم في فضاءاته الواسعة بحثا عن شاطئ سلام. وعليه معاينة التجربة الحروفية الصينية أو اليابانية الأثرية وما جرى عليها من تغييرات تعدت فعلها الأثري المحلي للصورة الفنية التشكيلية والتطبيقية العالمية المعاصرة. ولا ننسى بأن فننا المعاصر صور متحركة, لا ثابتة. معظمها اعتمد تفكيك وإعادة صياغة ومونتاج الأعمال الفنية الأقدم, إضافة لتدخلات التكنولوجيا الرقمية و بعض المستجدات العلمية الأخرى.

  •  

  •  

  • الفنان التشكيلي العراقي فائق العبودي.. ومقارباته الأثرية
    علي النجار

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

18/11/2013

ورقة من حياة فنان