عازفات، أكريليك على قماش 140*90 صم
، نشيد ، أكريليك على قماشة ، 110 *150 صم ، 1985
عليسة ،أكريليك على قماش، 150*100 صم
ثنائية ،زيت على قماش 64*53 صم 1984
المفتاح  110 *80 أكريليك على قماش
 بنت السلطان 65 *50 صم عبر صيني على ورق
حروف فارسية أكريليك على قماش 160*65 صم
  •     

  • يعد الفنان التشكيلي التونسي عادل مقديش، من أبرز الفنانين على الساحة العربية و الذي نشط لمدة تفوق الثلاثين عــاما دون انقطاع ولد عادل مقديش في مدينة صفاقس من الجمهورية التونسية سنة 1949 أقـــام عديد المعارض في تونـــس و خارجها, هو فنان أنتج عديد الأعمال الفنية المتميزة حيث تعد مواضيعه رصدا لذاكرة البشر  تبدّلت من خلالها خاماته و تنوعت مرجعياته بين مرجعيات تاريخية و أخرى شعبية تنسج الذاكرة الجماعية وفق قصص و مدلولات بصرية و رمزية.

   سوف نكتفي في هذا المقال بإعطاء لمحة تخص جانبا من جوانب بحثه الفني في علاقة مباشرة  بتحديد مرجعياته المختلفة و للإطلال على "طقوسه الفنية" الخفيـــة و التـــي تعد قنطرة ذاكرته البصرية  هو فنان مؤمـــن بتقـــاسيم الزمــــان، من ذكـرى و تذكــــر وتذكار، هو يذكرنا دائما بأن "الذاكرة البصرية" في التشكيل التونسي لها موقعا هاما، بحيث أن بعض التجارب التشكيلية التونسية و العربية المعاصرة  جعلت منها إطارا مرجعيا ونقطة اشتغال تستند فيها على معطيات وثوابت ثقافية متغيرة راسخة في الأذهان، وتستوحي منها عناصرها التشكيلية الأكثر تعبيرا عن روح الأصالة و الإبداع،  إننا نعني هنا بالذاكرة البصرية، ذلك الرصيد الهائل التاريخي والمتحوّل من مخزون فكري وبصري، موثق في الأذهان، والذي يجد موطنه الفعلي في البنية الثقافية الشعبية للفنان، على هذا النحو يمكننا الحديث عن تمثلات بصرية محددة، تبدأ بأشكـال ورمـوز أكـثر إغراقا في الرمزية، لتنتهي بأشكال و تصاوير تشخيصية نابعة من عمق التراث المحلي أو العربي الإسلامـي، مرورا بالصور الذهنية و الحُلمية الشخصية أو الجماعية المتخيلة.

     رسمَ عادل مقديش فضاءات الذاكرة و جمع شخوصه من فضاءات الحلم, من أزمان ماضية من حروب, من تاريخ متحوّل, من حكايات شعبية مروية للجازية الهلالية ...هذه هي مدارات الذاكرة البصرية المتخيلة للفنان عادل مقديش المتواترة على أعماله الفنية و التي أشهرها في  عديد المناسبات بقوله:" لـــــــــــي ذكرى اليمة مع الروم و الأتراك و الأسبان و قبائل بني هلال الزاحفة و لي أيضا معاناة الإفرنج"[1] و يضيف قائلا  " أرسم خصوبة عليســة على جلود البقر المقدس أنحت وجه جـــوغرتا في أسواق الأفراس البربرية، حفرت على جدران المعابد الإفريقية رسم السفنالساحلية و أشرعتها المنسوجة بشعر النساء (...) كل رسم لي ومضة البرق في السماء أفريقية و أجراس الخيول الآتية تعزف خيوط الألوان لولبية على كف أندلسية في ليلة زفافها"[2].

   من ثمة، فإن الاشتغال التشكيلي وفقا للزخم المرجعي الذي تمنحه هذه الذاكرة قد شكل دوما مجالا للإبداع لدى ثلة مهمة من الفنانين التونسيين وحذا بهم إلى البحث المضني والغني عن مواطن انغماس العمل التشكيلي في تربته المحلية، كما أن ارتباط الأعمال الفنية بالأساطير و الحكايات الشعبية في أعمال الفنان عادل مقديش له مكانته الخاصة في الوجدان الشعبي ، فالموروث الثقافي تتلاقى فيه الأصالة مع الحداثة في جمع بين خبرة الفنان ومعرفة بمفهوم الموروث وحفاظه على الهوية، وأشكال الإبداع الفني الأصيل.

   لقد تراوح المخزون البصري للفنان عادل مقديش بين موروث شعبي ذا علاقة مباشرة بحكاياتنا الشعبية المتداولة مثل (مجموعة هلاليات لسيرة بني هلال)  حيث نجد أن الرسم قد تلاقى بالحكاية الشعبية فارتسم على شكل صورة مروية، لصورة الجازية الهلالية، ورسوم أخرى تستند على طابــع غرائبي  بمسحة من الخيال وذلك في الفترة الممتدة بين أواخر السبعينيات و أوائل الثمانينات وتواصلت إلى حدود التسعينات لكن بتغيير جزئي ,حيث نجد الفنان عادل مقديش يؤسس عالم تحكمه التصورات الغريبة و الغير مألـوفة تصـورات سريالية في رسم الجازية الـهلالية وأبو زيد الهلالي. كذلك نجد   مخزونا تاريخيا و حضاريا شمل الحضارة الإسلامية (الزخرفة  و الحروفية) و الحضــــارة الفــارسية و مخزونا فنيا يتوافق مع السريالية أو المافوق واقعية أحيانا, حيث نجد أن الشبكة الرمزية التي يُدخل فيها الفنان عادل مقديش موضوعاتـــه الفنـــية هي شبكـة، شائكة ومعقدة بحيث أن التمـــائم والطـــلاسم و الرموز تدور معظمها حول قضايا إنسانية وجودية خالصة، مما يجعلنا نزعم بأن "الصورة المجازية" التأريخية أحد المحاور المركزية لهذه الذاكرة ومنبع خصب من منابعها،. لكن كيف تتم هذه العلاقة بين الرســـــم و طرائق الاستحضار للصور المروية ووفقا لأي تناول وانتقاء؟

  لقد سعى عادل مقديش في تكوين فضاءاته  التشكيلية إلى التسجيل وليس التسجيل بمفهوم التمثيل و إنما تسجيل اللحظات الإبداعية الفنية الخاطفة التي تمرّ على كل فنان في أوقات لا نعرف تحديدها،  فينهل منها كل فنان مبدع ما استطاع، ولعل إنجازاته الخطية الغرافيكية تقدم قيمة الإبداع  وما خلـّـفه التصور المتفرد, فأعمال هـذا الفنان ذات خصوصية فنية لا على مستوى الإنجاز فحسب, بل و على ما تحققه من صدى تخيلي وإيحائي يطل على الوهم الذي ينشئ التصورات الجديدة للواقع المتخيل, ليجعلنا نفكر بالمجازات البصرية الواقعية من "أحلام اليقظة" لتتحول إلى مفاهيم لا يحدها حاجز عن المتلقي الذي قد يتعامل معها في الحقيقة، كنفيسة من نفائس التعلق بالصورة الما فوق واقعية . فعادل مقديش يؤسس فضاء، و يجعل من عملية تأويله عملية صعبة و ذلك نتيجة تشعب الدلالات داخل نفس الفضاء، حيث يقوم بإقحام عديد الرموز داخل نفس الفضاء بكل حرفية ويجعل من التأليف بينها هدفا في تكوينه وهذا ما يثري العمل الفني في مجمله ويجعله منفتحا على مجال تأويلي شاسع فرسوماته الخطية في رسم الجسد مثلا، تألفت بمنحى غرائبي. حيث يقدم لنا أنسجة من الخيــال تنسج الجســد بمبدأ تشكيله على نحو غرائبي, فيحاول جمع ما تبقى في ذاكرته ليؤثث فضاء المتعة, متعة الذاكرة و الذكرى في تقص حقائق الجسد.

  وفي أعمال أخرى تتفرغ الكتابة من طاقتها التركيبية ومن إمكاناتها الدلالية اللغوية  لتغدو بذلك كيانا سابقا على اللغة والتواصل أو متجاوزة لهما، أي جسدا حرفيا يتسربل بإمكاناته الحرة في الانزواء خارج كل منطق أو مقصدية تعبيرية مباشرة. حيث نجد ذلك التلاقح الذي يتم بين تشكيله للحرف وتشكيله للجسد بطابع تأليفي و تفاعلي ، بحيث تنمحي الحدود بينهما ويأويان إلى مجال حركي وفضائي واحد. بيد أن هذا الحضور "التشخيصي للحرف ليس أبدا حضورا للغة، بل تغييبا لها واحتفاءً لا بجوهرها وإنما بجانبها المادي المحسوس بصريا. فتتحول لديه العلامة الخطية من علامة مقروءة إلى علامة لا محددة وغير قابلة للتفكيك. إنها تغدو مجرد شكل،أي تخطيطا مجردا ومطلقا.

  كما تمتزج رسوم الفنان عادل مقديش بطابع حلمي أحيانا   فرسوماته الليلية (أجساد مرسومة في زمن الليل) تخضع أحيــــانا  إلــى جانب كبير من العتمة والانفراد في فضاءات أسطورية ويقول الفنان عادل مقديش في هذا السياق فــي إحــدى معــارضه بــمركز الثــقافي الفـــرنسي بالربـــاط " أنطلـــــق في رسوماتي من مثيولوجيات و من أساطــير شعبيـــة و مــن خرافات الطفولة و من الـلاوعي الجماعي و من فزع التمزق الذاتي بين الحلم و الواقع و بين التقسيم الزمني في محاولة لتوحيدها في واقع و احد (...) حيث تلتحـم كل مقومـات و مــدارك الــذات في تعاملها الديناميكي مع المحيط المتحرك"[3]

   جاءت رسوم عادل مقديش من أمـاكن ارتسمت في الذاكرة بأحلى الألوان، من أحـــلام و حكايات، تمد الإنسان بذاكرة الإنسان. حيث احتلت بعض الشخصيات لوحاته و اتخذت موقعا هاما في تصور الفنان فنلتمس تشكيلا سرديا يرسم  الشخصيات والأبطال، وفي هذا السياق من الكلام يقول وحيد السعفي في حديثه عن أعمال الفنان عادل مقديش: "  طاف مقديش في عالم من الذكرى ، هذه الجازية ، وهذه بلقيس و هذه ولادة تمنح قبلتها من يشتهيها , هذه عبلة ذات لثام يقبلها صاحبها ثلاثا في اللثام" [4]  ثم يضيف قائلا في نفس السياق: "جــازية اللوحـــة لا تقود الحملة بـــل يقودها الركاب و الأميرة ذات الهمة لا تحكم في الناس بهمة وبلقيس لا تخضع لأمرها سليمان وهدهده عنبر و الكاهنة طيف لا يصيب الغائر بسوء ، و عليسة لم تنحر الثور قربانا لما أرست عند الساحل و لم تملك الأرض الجـــــلد و امرأة شاعرة لا تسحر شاعرها و لا تسلب عقله البالي  المرأة هنا أسيرة الرسام يحفر في وجهها قصة الزمان"[5].

  و من هذا المنطلق نلاحظ محاولة  عادل مقديش صياغة الحدث الروائي لبعض القصص و النظر في تفاصيلها كحدث ذا أبعاد فنية، تقوم على تداخلات عدة ، بين القصص ورموز تشكيلها، في سبيل الوصول إلـى رؤية فنية جديدة، وهذه الخصوصية الفنية ليست إلا وسائل إيضاح يعتمدها الفنان في "سرد لوحاته" داخل حياته الفنية بكل بساطة تركيبية، فيها المغامرة التشكيلية المعقدة ترتبط ارتباطا وثيقا مع حكايات الأساطير.

  • أعمال الفنان عــادل مقديش جدل بين
    المرجعية التاريخية و الذاكرة البصرية
    بقلم حسّان بنرحومة (باحث تونسي )


1 رياض العلوي ، جريدة الأنباء  16 سبتمبر 1981

 2 نفس المرجع

[3]  عادل مقديش، ملحمة الحلم و الواقع، جريدة بلادي 20 مارس 1983 

[4]  وحيد السعفي ، نص رحلة الجسد الجمال ، دار اليمامة للنشر 2002

[5]  نفس المرجع

 

 

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

ورقة من حياة فنان