•  

  •  

  • حينما يتخيّل الفنان المرأة فإنه لا يتخيّلها مثل باقي البشر فهو قد يتعدى الشفرات الأنثوية والعلامات الجسدية ليبرز أشياء قد تكون بعيدة تمام البعد عن حقيقة الأنثى وبالتالي نصادف صعوبات نقدية كثيرة في عرض بعض الفنانين الذي يمرّون بحالة (الميتافيزيقا الأنثوية) وهذه حالة قد تستتبع سيلاً من التخيلات الفنية تضع العين في حيّز من الرؤية الطوباوية لهذه المخلوقة الأرضية التي توصف بأنها أنثى.



ربما تنطبق هذه الكلمات على فنان يعدّه العالم من أهم فناني القرن الـ19 والقرن العشرين قاطبة يكفي أنه أول فنان تشكيلي في القرن العشرين يطلق علي أعماله (الفن الجديد) وهو الفنان التشيكي الكبير الفونسو موكا (موخا في اللهجة التشيكية) ولعلّ الإعلام الغربي لم يعط لموكا حقه من التحليل والإشادة لأنه ببساطة من فناني أوروبا الشرقية ونحن دائماً ما نلاحظ هذه الظاهرة وهو إهمال فناني أوروبا الشرقية على حساب إبراز فناني أوروبا الغربية لكن على أية حال فإن دور الفونسو موكا في الفن التشكيلي العالمي واضح وجلي وبدون حاجة لإبراز.

الحقيقة أن الفونسو موكا هو فنان نستطيع أن نطلق على أعماله قفزات في فن التصوير التشكيلي وعلى الرغم من أنها تبقى معظمها بورتريهات مصممة بشكل يناسب أكثر فن البوستر والإعلان إلا أنها تظل هي الطفرة الفنية سواء في الأسلوب أو في الألوان أو في التقنية والتي استحقت أن يطلق عليها (الفن الجديد) بمعنى الكلمة وهناك قضيتان مهمتان يجب أن نطرقهما في إنتاج الفونسو موكا الأولى في الموضوع التشكيلي ذاته وهي الأنثى في عالم الفونسو موكا التشكيلي وفي هذه النقطة بالتحديد من الممكن أن نصف أسلوب الفونسو موكا بـ(ميتافيزيقا المرأة) وتعني تخيّل أنثى ما وراء الفكر البشري أو أنثى الحلم فنساء موكا يتصفون بالرقة والرشاقة والحدة في الوقت نفسه وخلفيات بورتريهاته التي تشتبك مع صفات الأنثى أيضاً تشكل ذلك الحلم وهكذا تكون الأنثى عند موكا هي أنثى أتت للتو من حلم لكن أيضاً علينا أن نقول إن الفونسو موكا ولا شك قد تأثر بالفنان الإنجليزي العبقري دانتي جابريل روسيتتي والذي عالج بروفيل الأنثى من عدة زوايا جديدة وبأساليب جديدة كذلك استخدام تلك الخلفيات المكثفة من التكوينات النباتية والورود كان قد استخدمها روسيتتي بشكل كبير لكن موكا قد طوّر موضوع الأنثى داخل الإطار النباتي والموتيفات الزخرفية حتى أصبحت أعماله نفسها موتيفات تحتذى ومن هذه الناحية علينا أن نذكر أن موكا قد أثر كثيراً في العديد من فناني العصر الحديث وبشكل هوسي أحياناً ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الفنان المصري الكبير يوسف فرانسيس والذي يمثل مدرسة الأرت نوفو المصرية وبدون وضعه أعماله في مقارنة فإننا نجد أن المقايس نفسها (خاصة مقاييس الوجه) يستخدمها كل من روسيتي وموكا وفرانسيس.

أما القضية الثانية في أسلوب موكا هو بعده التام عن زخم الموضوع التشكيلي فهو لا يعالج قضية ما (إلا نادرا) بل هو يجعل بهاء الأنثى الحلم هو موضوعه التشكيلي مبتعداً بذلك عن طرح قضية تتعدى هذه الفكرة حتى إنه تكاد تخلو أعماله من الشخصيات الذكورية لأنه كما قلنا الأنثى لديه هي محور العمل التشكيلي.

على الرغم من ذلك أثبت موكا أن هذا الانحسار ليس بسبب ضعف ما في موهبته حيث قام بأعمال تناول فيها موضوعات تاريخية ودينية لاقت نجاحاً شديداً مثل عمله التاريخي الرائع (الملحمة السلافية) والتي تعبّر عن الجذور التاريخية لسلوفاكيا كذلك لوحاته التي نفذها على الزجاج في كاتدرائية سان فيتوس في براغ.

ولد الفونسو موكا في يوليو 1860 في ايفانشيسي وهي إحدى مقاطعات مورافيا في جمهورية التشيك الحالية وتلقى تعليمه في مدينة برونو وعمل في رسم الإعلانات التجارية في مورافيا أثناء دراسته لأنه برع في الرسم كهواية منذ الصغر ثم رحل بعد أن أكمل دراسته إلى فينا حيث عمل في مكتب ديكور يقوم بتنفيذ الديكور والخلفيات المسرحية لكنه عاد إلى مورافيا بعد أن أحترق المكتب الذي كان يعمل به. وبعد أن قام برسم بورتريهين للثري الألماني كارل خون وأعجب بهم دعاه لأن يعمل كمدرب في أكاديمية ميونيخ للفنون الجميلة.

كان الفونسو موكا ما زال يشعر بأنه ينقصه شيء فقرّر أن يرحل لباريس ليكمل دراسته هناك عام 1887 حيث درس في أكاديمية جوليان ثم أكاديمية كلاروسي على التوالي. وعمل بعد ذلك في باريس في شركات الإعلانات يقوم برسم الإعلانات وعمل البوستر وكان موعده مع الشهرة في باريس عام 1894 حينما كانت أسطورة المسرح الفرنسي سارة برنار تعد لمسرحيتها الجديدة (جيزموندا) لفكتورين ساردو وبسبب الافتتاح المفاجئ لم يكن بوستر المسرحية الذي يحمل بورتريه سارة برنار جاهزاً ولم يكن هناك غير أسبوعين على افتتاح المسرحية وكانت مغامرة بالنسبة لموكا أن يقبل ان يصمّم ويرسم البوستر في هذا الوقت الضيق لكنه نجح وفي خلال أيام امتلات باريس باعلان مسرح الرينيسانس الذي يحمل صورة سارة برنار ويحمل إمضاء الفونسو موكا ولشدة نجاح البوستر أعجبت به سارة برنار كثيراً وقرّرت أن توقع معه عقداً بست سنوات من هنا طارت شهرته وأصبحت لوحاته والبوسترز الخاص به ملء الأبصار في باريس بل وفي كل أوروبا ما جعل الباريسيين يطلقون علي أسلوبه (الفن الجديد).

وبعد أن عاد موكا لبراغ عام 1906 تزوّج من موروسكا شاتليوفا وأنجب ابنته جيروسلافا وابنه جيري الكاتب المعروف فيما بعد وبعد أن قضى فترة في أمريكا عاد مرة أخرى لبراغ وقام بدعم الحكومة بفنه وتصميماته وقام بعمل الديكور لعدة أماكن عامة (مثل البافاليون) كما أنه كان شديد الوطنية لدرجة أنه اختير لرسم موتيفات الوثائق الرسمية والطوابع البريدية بل والعملة الورقية أيضاً.

ومع صعود الفاشية ودخول ألمانيا للتشيك كانت الأوامر هي تصفية معظم الشخصيات الوطنية وفي عام 1939 اعتقل الجستابو الألماني موكا مع مجموعة من الشخصيات التشيكية والسلوفاكية وكان مصاباً بالتهاب رؤية ما أدى لوفاته بعد استفحال المرض.

وهكذا رحل فنان صدر للمخيلة البشرية شكلاً تخيّلياً للمرأة الحلم غير الموجودة بالمرة فوق أرض الحقيقة.

  •  

  •  

  • أول تشكيلي يطلق على أعماله لقب (الفن الجديد)
    باسم توفيق
    الراية القطرية

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

27/12/2013

ورقة من حياة فنان