•  

  •  

  • يعد الفنان التشكيلي المكسيكي (ديفيد سيكيروس) الذي اختار طريق التمرد والثورة أن يكون صوت شعبه في مراحل تاريخ وطنه الحاسمة، من أهم الفنانين الذين أنجبتهم المكسيك بشكل خاص وأمريكا اللاتينية بشكل عام، وقد أدرك هذا الفنان منذ صغره أهمية الفن والدور الأساسي والفاعل الذي يمكن أن يلعبه في كل المراحل التاريخية، والاجتماعية، لناحية الارتقاء بالإنسان وأحاسيسه، ومفاهيمه، وقدرته على التحاور والانتماء لحضارات الإنسانية مجتمعة.


لذلك كانت أعماله التي أنتجها عبر مسيرته الفنية بمثابة شهادة حية تَعكس ما بَذله سيكيروس من أجل تكريس مفاهيم تتفق مع القيم الإنسانية وتوق الإنسان إلى التمرد للحصول على الحرية والعدالة والجمال.. وقد نجح سيكيروس إلى جانب ذلك في صنع ذائقة فنية جمعية وهوية بصرية متفردة، لم تكن بمنأى عن تراث بلاده الفني السابق.
ـ من هو هذا الفنان؟ وماذا عن مسيرته التشكيلية؟
ولد الفنان سيكيروس في 29 كانون الأول من عام 1896 م، في سانتا روساليا (كامارغو) حالياً، وسرعان ما شهدت الحياة الفنية والسياسية ولادته كفنان ومتمرد.
في عام 1910 م، وكنتيجة منطقية للتيار الانطباعي الجديد في أوروبا أعلن طلبة مدرسة الفنون الجميلة الإضراب، وقد كان هدف الإضراب بقيادة ثوار شباب من الذين شاركوا في النضال ضد السلطة الديكتاتورية، وكان سيكيروس من بين الفتيان الذين التحقوا بالإضراب.
نجح الإضراب وافتُتِحت أولى المدارس في الهواء الطلق في قرية (سانتا أنيتا) تحت إدارة الفنان الانطباعي (الفريدو راموس).
بعد ثلاثة أعوام انضم سيكيروس مع بعض رفاقه إلى صفوف الثورة، بقيادة "زاباتا" ليحارب ضد حكم ( هويزا ) الذي خَلِف عهد دكتاتور المكسيك ( يورفيريو دياز ) الذي أُسقِط عام 1910 م، واستمر ( زاباتا ) في ثورته لأن (هويزا) لم يَقُم بالإصلاح الزراعي المطلوب، لكنه واجه مقاومة مشتركة من جانب كبار الملاك ومن أصحاب المصالح الأمريكية في المكسيك.
أتاح التحاق سيكيروس بالثورة أن يكون على تماس مع الشعب المكسيكي، مع فلاحي المكسيك، مع عمال المكسيك، مع هنود المكسيك، مع ابن المكسيك، ولم يكن التواصل محصوراً مع ما ذكر فحسب، بل مع مزاجية كل من ذُكر، مع جغرافية المكسيك وآثارها، مع مُجمل تاريخ الفن المكسيكي، مع الفن الشعبي وكل ثقافة الشعب المكسيكي.
وقد أنهى هذا التواصل البوهيمية الباريسية التقليدية في نفس سيكيروس، وأدرك أن الفن كان له دوماً دوراً اجتماعياً في كل المراحل التاريخية الهامة.
يقول سيكيروس:" وبدا لنا واضحاً ـ ونقولها لعلماء الجمال ومناصري الفن للفن المندهشين ـ أن الفن المسيحي كان ـ لا أكثر ولا أقل ـ من فن دعائي.
بِدءاً من ذلك الحين غَدت رغبتنا الأساسية هي المشاركة في تطور الثورة المكسيكية منطلقين من قاعدة الإنتاج الفني ".
وبعد انتصار الثورة عاد سيكيروس إلى مدينة (غوادا لاخار) برتبة نقيب متقاعد، وشارك فيها بتنظيم " مؤتمر الفنانين المحاربين ".
وقد سجل الفنان فيما بعد، وبإيجاز، ما جناه من ذلك الصراع الدموي: " جيش الثورة ساعدنا في اكتشاف جغرافية بلادنا، تراثنا، وإنساننا بكل عمق وشمولية مأساته، ولولا تلك المشاركة لما كان ممكناً استيعاب وتوجيه الحركة التشكيلية المعاصرة في المكسيك ".
لقاء مع الفن الحديث
بعد انتهاء الثورة واغتيال (زاباتا) عام 1919 م، أَرغَمت السلطات الحاكمة سيكيروس وبعض زُملائه على مغادرة المكسيك، فسافر إلى أوروبا وبشكل خاص إلى باريس، التي كانت آنذاك تعيش مرحلة ما بعد التكعيبية، ولعلها أكثر التيارات الحديثة أهمية، وهناك قابل كلا من "بيكاسو" و "سيزان"، وتعرَّف إلى فنان مكسيكي كان مقيم في باريس وهو "ريفيرا"، وكان للقاء المواطنين أهمية خاصة في مجال الفن المكسيكي، فقد كان "سيكيروس" يُمثِّل الفنانون الشباب الذين شاركوا بشكل مباشر في الكفاح المسلح للثورة المكسيكية، وكان "ريفيرا" يُمثِّل مرحلة هامة للغاية للثورة الشكلية في الفنون التشكيلية الأوروبية. وقد اتفقا على عمل مشروع للرسوم الحائطية (الفريسك)، ذات الطابع البطولي، أسوة بالأقدمين، وفي نفس ذلك العام (1919)، سافرا إلى إيطاليا لدراسة فرسكات القرون الوسطى.
ثم عاد سيكيروس إلى باريس حيث تبلورت رؤيته الفنية بعد استطلاعه ما وصلت إليه الفنون في مدينه باريس التي يدعونها " عاصمة الفن "، وغدا واضحاً لدى فناننا الثائر أن التسيب "والفذلكات" التي أفرزتها المجتمعات الرأسمالية لا يمكن أن تخدم ذلك الإنسان الذي حارب من أجله، فَطَريقَهُ مختلف، ولا مجال للحذلقات الفكرية فيها، ولا تهادن مع الفهم البرجوازي الذي يسيطر سياسياً، واقتصادياً، ويحاول إملاء أذواقه، وقيمه الجمالية على الشعوب المقهورة.
يقول "سيكيروس": "لا حاجة لنا لتقليد صّر عات شيخ الرأسمالية فلدينا في تربيتنا التراثية من الأصالة ما دفع فنان القارة الأوروبية إلى الاستعانة بها بحثاً عن نصغ جديد لعروقه اليابسة فلم يأل جهداً في نبش الفن الإفريقي والإسلامي والبدائي والآسيوي.. لملء ذلك الفراغ".
"لدينا تراثنا، وزخم لا يلين.. إننا نرفض تحول العمل الفني إلى سلعة، إلى نوع من الشيكات المصرفية المؤطرة في صالونات أفراد لا يرون فيه سوى القيمة التبادلية ويحتكرون بنزعة التملك الهمجية مالا حق لهم فيه".
بيان إلى فناني أمريكا
في عام 1921 م، غادر سيكيروس فرنسا متوجهاً إلى أسبانيا، وفيها حاول تلخيص أفكاره التي كانت في الوقت ذاته أفكار رفاقه طلاب الفنون الذين شاركوا معه في النضال المسلح، وكذلك أفكار (ريفيرا)، فأخذ يناشد الفنانين بالاتجاه نحو فن تعبيري وتاريخي، وبعدم الاندفاع خلف التجريديات المبهمة ـ وكأنه كان يرى مقدماً تلك الطرق المسدودة التي توقفت عندها معظم المحاولات التجريدية، التي وصلت إلى ذروة ابتذالها في منتصف القرن الماضي تقريباً، وإلى ما أدت إليه من انفصال بين الفن والناس ـ وكان سيكيروس يؤمن بضرورة التقارب بينهما، فكتب في برشلونة بيان موجه للفنانين التشكيليين في أمريكا، أعلن فيه رفضه لمعايير الجمال في الفن الأوروبي الحديث، في القارة القديمة، كما أعلن عزمه على العودة إلى منابع الفن القديم، لما قبل كولومبوس في المكسيك.
وبخلاف عزمه على العودة إلى الجذور القديمة لبلده، لخلق فن قادر على فرض نفسه بقوة تعبيره على الجماهير، حدد سيكيروس موقفه كفنان مقاوم وعنيد من قضية الفن من أجل الشعب، فنشر على صفحات مجلة "الحياة في أمريكا" التي كانت تصدر في برشلونة (عدد أيار 1921) بيان أسماه: "من أجل توجهات مصوري ونحاتي الجيل الأمريكي الجديد" وقد تضمن رؤيته لفن المستقبل.
أدان سيكيروس في بيانه "مدارس الماضي الهشة ـ بما فيها ـ (الفن الجديد) التجاري الذي يسمم شبابنا". وأعلن تأييده لتجربة بول سيزان الجادة، كما اعتبر الثورة المكسيكية في باريس بأنها ثورة سطوح اللوحات باتجاه الأعلى، بينما لا يمكن أن تكون الثورة حقيقية وعميقة ما لم تتجه السطوح إلى أعلى وأسفل، أي أن تكون ثورة تتفهم دور الفن والأشكال المتعلقة بهذا الدور وليس فقط الأساليب.
وقد كان نداءه أول نداء لخلق فن نصبي وبطولي، وفن إنساني، فن جماهيري، باستغناء مباشر من وحي الثقافة الأمريكية العظيمة لما قبل الاحتلال الأسباني، وكانت الرسوم الحائطية هي خير ما يناسب فكرته ـ التي تتلخص في الفقرة التالية:
"أننا لا نريد حبس أعمالنا في المتاحف، حيث لا يمكن أن يشاهدها إلا من لديه الوقت لذلك، وهذا ليس حال الذين يعملون... وبما أن الشعب غير قادر على زيارة المتاحف والمعارض فيجب علينا عرض أعمالنا في الشوارع وفي الأماكن التي يتجمع فيها العمال.. لنحوِّل إذن أماكن تجمعاتهم إلى متاحف، ولنغط جدران المنازل والمباني العامة والقصور النقابية وكل الأماكن التي يتواجد بها الناس بالرسوم الفنية".
أسبانيا تبعد سيكيروس
وفي برشلونة، خلال جنازة سياسي مكسيكي اغتالته الشرطة الأسبانية، ألقى سيكيروس خطاباً كان من الشدة لدرجة أن السلطات الأسبانية أبعدته من أراضيها، فلم يكن هناك فصل لدى سيكيروس بين العمل الفني والسياسة.
وبعد عودة سيكيروس إلى بلاده طرح السؤال التالي: "كيف يمكن أن ننجز فن نصبي وبطولي، فن جماهيري؟ قلنا لأنفسنا: فن جماهيري، هذا يعني فن جداري، وبدأت الحركة الجدارية المكسيكية، جذر وجذع فن التصوير المكسيكي المعاصر، وقد وصلت تفرعاته إلى الغرافيك، النحت، الموسيقى، الأدب، السينما، الخ.. وكانت المدرسة الإعدادية الوطنية بمثابة مختبر للفنانين، فقد تم التعاقد مع عدد منهم لتصوير كل مكان يرونه مناسباً لذلك، وقد اختار سيكيروس جدران الدرج وصور فيه، بشيء من التردد ودون ثقة كبيرة بعد، " العناصر: النار والهواء والماء".
لكن الفنان تلمس في جداريته الثانية الطريق التي ستستغرق حياته، إننا نقصد "فن العامل الضحية" والذي أنجزه بتقنية الفريسك القديمة، وقد أبرز في هذا العمل جزء يمثل مجموعة عمال يحيطون بتابوت رفيقهم القتيل، إنهم صامتون، لكنه ذلك الصمت المليء بالصراخ بالإدانة، بالتصميم على الانتقام، وجاء هذا العمل تأكيدا للطاقة الإبداعية التي سبق لها أن وعدت بالكثير.
وقد أدرك سيكيروس أن أقصر وأضمن السبل للوصول إلى الجماهير العريضة، الجماهير الكادحة، هو إخراج العمل من الصالونات والمتاحف إلى الشارع حتى برزت أمامه العديد من المعضلات التي شرع يعالجها دون إبطاء أو كلل منه في النحت البارز.
أما التصوير فإنه كان يتلكأ أمام المادة الهشة، ليس بمعنى صمودها وتحملها تقلبات الطبيعة فحسب، وإنما أيضاً في ثبات لونها.
التقنية هي أول المصاعب التي واجهها سيكيروس ومن هنا جاءت تجاربه العديدة، وكان أول من استخدم ألواناً صناعية حديثة، ومنها طلاء السيارات، واستبدال الفرشاة بالمسدس البخاخ، لكن المواد والتقنيات التي استخدمها تأتي ثانوية الأهمية إذا ما قورنت بإضافاته الجديدة على قانون المنظور، أو بكلمة أخرى: بوضعه منظوره الخاص.
لقد وضع سيكيروس نصب عينيه، ومنذ البداية، طرقَ كل امكانات الإيصال والتواصل حتى ولو تطلب ذلك المغامرة بتشويه الشكل إلى الحد الذي يفقد فيه دوره، فإذا لم يأت المرء إلى الجبل ذهب الجبل إليه.
وكان هذا ما دفع سيكيروس إلى إيجاد أكثر من منظور للسطح الواحد بما فيه المقعر أو المحدودب كما هي الحال في القبب.
ومن ناحية أخرى بذل سيكيروس جهوداً كبيرة ليحمي ـ قدر المستطاع ـ التأثير السلبي والقاطع للزوايا فتلاعب بالخطوط لدرجة تُوهِم المشاهد فعلاً أن لا وجود لزاوية التقاء سطحين متقاطعين.
وبما أن العمل مُعرَّض لحركة المشاهد، فلا بد من التوجه إليه أينما كان وقوفه أو مروره من مجال الحركة، فالمشاهد يجب أن يشعر أينما وقف يتأمل العمل، أنه موجه إليه ولا يراه "من جانب".
في عام 1923 م، وبعد اقتناع سيكيروس وزملاءه بأن مواضيع أعمالهم لم تستجب للدور الذي عولوا عليه نظرياً، قرروا الانتظام في نقابة مهنية أطلقوا عليها اسم: "نقابة المصورين، النحاتين والغرافيكيين الثوار في المكسيك".
وقد قادتهم هذه الخطوة نحو العمل السياسي الأمر الذي حسَّن الطابع الأيديولوجي لمواضيعهم، وعلى الرغم من ذلك بقيت معالجاتهم وأشكال الإنتاج هي ذاتها: أشكال الماضي المفقودة والتي قاموا ببعثها.
في عام 1924 م، كان للاتجاهات السياسية التي دخلوا في تنظيماتها دوراً في قيادتهم ـ بشكل عفوي ـ إلى تعميق الطابع الجماهيري لعملهم المشترك، وصاروا يهتمون بفن الإعلان والمطبوعات فأصدروا صحيفة "ايل ما تشيتي" لسان حال النقابة، وكانت بمثابة لسان حالهم حيال الجماهير الشعبية الواسعة في المكسيك.
لكن الخلافات السياسية مع الحكومة ـ ربة العمل في مجال التصوير الجداري ـ أدت إلى إيقاف التنظيم المهني.
التركيز على العمل التنظيمي والسياسي
في عام 1925م، أقلع سيكيروس وبشكل مؤقت عن الرسم وركز على النشاط السياسي والنقابي، فنظم الاضرابات، وقاد تنظيمات هامة كاتحاد عمال المناجم، وانتخب ليمثل الشغيلة المكسيكيين في المؤتمر النقابي الدولي الذي انعقد في موسكو عام 1927 م، وشارك كذلك في المؤتمر النقابي في مونتيفيديو واعتقل لنشاطاته السياسية في الأرجنتين وطرد من أراضيها.
بعد عودته إلى وطنه شارك في مظاهرة الأول من أيار (عيد العمال العالمي) فحدثت صدامات مع الشرطة والذي كان من نتائجه اعتقال سيكيروس من شهر أيار ولغاية كانون الأول من عام 1930 م، ونقل بعدها إلى مدينة تاكسكو تحت الإقامة الجبرية والمراقبة البوليسية المشددة في المدينة.
لم يكن سيكيروس يأبه لأمر سلطات بلاده، فقد كان يفتخر بأنه مناضل "لم نعد هواة الثورة السُّذَّج كما كانت الحال في البداية، وإنما مناضلين مجربين حقيقيين في طريق تطورهم".
في عام 1931 م، خرج سيكيروس من السجن وقرر الإقامة في تاكسكو وفيها أيضاً أُخضع لمراقبة مشددة، كان سيكيروس في هذه الظروف مقتنعاً بأن تجاربه السياسية ستُتَرجم دون أدنى شك إلى أشكال تشكيلية جديدة، فقرر التفرغ بشكل كامل للإنتاج الفني، وفي عام 1932 م، أقام معرضاً كبيراً لأعماله في " كازينو أسبانيول " الواقع في مدينة "مكسيكو" وحضر الافتتاح متحدياً السلطات، ولم يكتف بخرق الأحكام الصادرة بحقه، بل عاد لنشاطه السياسي وألقى كلمة هاجم فيها بشدة أولئك الفنانين الذين يخدمون البرجوازية والسياحة الرخيصة بالغرائب المكسيكية، ومما قال: " إن التطبيق العملي لا يستجيب دوماً لأفكارنا النظرية فذكرى الماضي أمتن من الوعي الإيديولوجي". الأمر الذي جعل السلطات تطارده، فهرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية المجاورة.
ومن الأعمال البارزة التي قدمها في المعرض المذكور:"حادث في المخيم" و "زاباتا" و "الأم الفلاحة" الرائعة التي صورها بالاعتماد على دراسة بالألوان المائية كان قد أنجزها عام 1924 م، وعكس هذا العمل بوضوح موقف سيكيروس الجمالي، ويمثل هذا العمل، باختزال مدهش، عمق البؤس الذي يهيمن على الريف المكسيكي.
ويمكن اعتبار المرحلة التي امتدت فيما بين 1921 ـ 1931 م، بالمرحلة الهامة في أعمال سيكيروس، وهي مرحلة كرسها للتعبير عن فن يتفق والتقاليد الفنية والشعبية العريقة لحضارة وطنه، وبخلاف اعتماده على الماضي، كان يجد رابطة قوية وعضوية بين فن التصوير المكسيكي والأسباب العميقة التي أدت إلى الثورة وإلى مولد المكسيك الحديثة، وهذه الفكرة هي اللحن القائد لأعماله الخلاقة ولنداءاته المتعددة، ورداً على كل من يحاول الرجوع بجذور الفن المكسيكي المعاصر إلى كونه ظاهرة عنصرية أو قومية أو استمرار للحضارات القديمة، يقول سيكيروس:
إن الفن المكسيكي المعاصر هو التعبير عن الثورة المكسيكية المعاصرة، وغير صحيح أنه نتيجة الحضارات الثقافية السابقة وحدها، فهناك بلدان لاتينية أخرى لها تراثها القديم لم تنهج نفس الاتجاه المكسيكي الجديد، إذن بدون الثورة السياسية والاجتماعية المكسيكية لما كان هناك فناً مكسيكياً".
أي أن الماضي وحده لا يكفي كدعاية للانطلاق منها، وأنه لا بد من الارتكاز على دعامات التراث القديم وعلى تطلعات المستقبل المبني على الأمل وعلى الإمكانيات المعاصرة، ودعوة سيكيروس إلى الجذور القديمة لحضارة أرضه (الأوزتك) قائمة على الفهم العميق لمضمون هذه الحضارة، وليس على نقل شكلها الخارجي.
وحضارة الأوزتك من الحضارات القديمة القليلة التي عرفت الكتابة الهيروغليفية، وهذه الكلمة لا تقتصر على لغة المصريين القدماء فحسب، وإنما تدل على اللغات القديمة المعتمدة على الصور، وما تبقى من مخطوطات الأوزتك يحتوي على ملاحظات فلكية، ومسائل خاصة بالتقويم، إلى جانب بعض المعطيات التاريخية.
ومكانة الفن في حضارة الأوزتك، مثلها في حضارة المصريين القدماء، مكانة لها أداء اجتماعي، مرتبط بالناس، وليس مكانة مجردة أو منفصلة عنهم، وذلك ما أدركه سيكيروس وجعله نقطة انطلاقة، مضيفاً إليه معطيات ومتطلبات عصره، ومستعيناً بإمكانياته الحديثة، وعند التعرض إلى الدور الاجتماعي للفن، لا يجب الخلط بين قيادة الفن لتطوير الجماهير وبين استخدامه للدعاية السياسية المبتذلة.
ومن هذا الربط بين الفن والمجتمع، سواء القديم أو المعاصر، ندرك أبعاد الدور الذي قام به سيكيروس من عام 1921 إلى عام 1931 م، وهو دور متعدد الجوانب كما أسلفنا، فقد جمع بين الإبداع الذاتي والتخطيط الفني الاجتماعي، والتنظيم النقابي للفنانين.
المرحلة الثانية: النفي من جديد
بعد دخوله أمريكا استقر بمدينة لوس انجلوس، وتعتبر فترة منفاه هذه، المرحلة الثانية في حياته الفنية، وتأكيداً لقناعته بأن الفن لا يُعلَّم إلا في خضم العمل الإبداعي ذاته، فقام بتكوين نواة أسماها " فرقة المصورين الجدار يين "، مهمتها نشر فكرة الرسوم الحائطية وأثناء وجوده في لوس انجلوس طَلب مِنه " مركز الفنون " في عام 1932 م، أن يرسم سيكيروس على جدران المركز.
لم يتردد سيكيروس، وبدأ فعلاً بتنفيذ المشروع، وتولَّدت في ذهنه مدارك أكثر عصرية بالنسبة للفرسك، قائمة على تجارب معتمدة على أساليب جديدة وغير تقليدية.
ومما لا شك فيه أن احتكاكه بالمجال الصناعي قد ساهم في توسيع مداركه، وقد أنجز جدارية تبلغ مساحتها 270 متر مربع.
وكان على سيكيروس أن يرسم هذه الجدارية خلال وقت قصير على جدار من الإسمنت، ولكي يستطيع أن يجاري سرعة جفاف الاسمنت، استخدم "الفرد البخاخ" الذي يستخدم في رش السيارات والرسوم الدعائية وغير ذلك، وتوصل من خلال هذه الأداة إلى نتيجة تختلف جذرياً عن طريقة الرسم الجداري "الفريسكو" التقليدية، وسرعان ما طوَّر منها إحساسا جمالياً جديداً.
وقد صور سيكيروس على ذلك الجدار بلدان أمريكا اللاتينية مصلوبة من خلال رسمه لهندي مصلوب، يُحلق فوق رأسه طائراً كاسراً (النسر الأمريكي)، وكذلك امرأة مربوطة بالحبال "الضحية البروليتارية"، ولم يكتفِ بنقل واقع تلك المناطق بل أشار إلى الطريق التي تنتظر تلك الشعوب بتصويره ثائرين أحدهم من البيرو والآخر من المكسيك.
وكانت المفاجأة كبيرة بالطبع، فقد طُلِب من سيكيروس مغادرة أمريكا بعد أن فشلوا في إخضاعه مالياً، لقد ظن الإمبرياليون أن المال يُخضع الجميع.
انتقل سيكيروس بعد ذلك إلى الأرجنتين ليتابع نضاله النظري والعملي، وألقى هناك عدة محاضرات قال في إحداها: " سنصور على الجدران الجانبية والمكشوفة للبنايات الحديثة، وفي أكثر الأماكن استراتيجية من الأحياء العمالية، في المراكز النقابية، في الحدائق العامة، في الملاعب الرياضية وفي مسارح الهواء الطلق ". وكانت هذه المحاضرة بمثابة نداءاً للتشكيليين الأرجنتينيين.
وقد أنجز سيكيروس أثناء وجوده في الأرجنتين جدارية في بلدة "توركواتو" على مساحة مباشرة، حيث يركز المشاهد نظره على مساحة معينة من اللوحة لتصبح حركة نظره، منذ البداية عنصراً من عناصر تكوينها، لأن هذه الحركة تلغي سكون الهندسة المعمارية، وقد عالج الفنان في هذا العمل ـ ولأول مرة ـ امتداد العمل من الجدار المستوي إلى السطح المقعر.
ونتيجة لوجود مشاكل سياسية مع الشرطة الأرجنتينية، غادر سيكيروس عائداً إلى بلاده المكسيك حيث أنتخب في عام 1934 م، رئيساً للرابطة الوطنية المعادية للحرب وللفاشية.
وفي عام 1935 م، رسم لوحة (ماريا أسونولو تهبط الدرج)، وقد وضع فيها بذرة ما سيكونه مستقبلاً، هيمنة الحركة واللعبة الديناميكية بين الظل والنور.
وفي عام 1935 م، اضطر إلى مغادرة البلاد مرة أخرى بسبب ملاحقات الشرطة، فذهب إلى مدينة نيويورك، وهناك لاحق كل الاكتشافات الجديدة، واستطاع أن يفيد منها، وتمكَّن من أن يكوِّن قواعد رئيسية لطرقه الفنية التي تقوم فكرتها الأساسية على استغلال الأدوات التقنية الحديثة والمعارف العلمية في الإنتاج الفني، هذه الأدوات غيّرت من طبيعة الفن التشكيلي تغييراً جذرياً، حيث كان يرى في الفن أداة تحريض ثورية قبل كل شيء.
وقد استطاع سيكيروس أن يخطو خطوة أخرى في هذا الاتجاه عندما وجد فجأة مادة "بيرو كسيلين" وهي مادة (نترو سيلوص) تستخدم بالدرجة الأولى في صناعة السيارات، كما اهتم بمواد البلاستيك وبالإصباغ الصناعية.
وكانت الاكتشافات والاختراعات العديدة في زمن قصير نسبياً، قد مكنت (سيكيروس) من اختبار فعالية المواد بشكل فعال أكثر من ذي قبل، استطاع من خلالها أن يبدع قدرة تشكيلية تنقل رغبته الفنية إلى أعماق شعور المشاهد، فقد أصبح "مشغل سيكيروس التجريبي" الذي أسسه في تشرين الثاني عام 1935 م، في نيويورك، مركزاً للتجارب الفنية، وقد عمل فيه عدة فنانين منهم (لويس أرينال وأنطونيو بوجول وجاكسون بولوك).
وفي نيويورك هجر سيكيروس الألوان الزيتية ليسبر إمكانيات البيروكسيلين وراح يبحث عن "الصدمة" المقصودة في تقنياته.
إلى تلك الفترة تعود لوحات هامة نذكر منها: (ولادة الفاشية ـ انتحار جماعي ـ انفجار في المدينةـ أوقفوا الحرب).
وقد سجل سيكيروس في رسالة مؤرخة في السادس من نيسان 1936 م، دهشته من الإمكانيات المتاحة بفضل المواد الملونة الجديدة: " استخدم صدفة في التصوير.. أسلوب خاص لامتصاص لونين أو أكثر، متواضعين فوق بعض، فما أن يتغلغلا حتى نحصل على فانتازيا وأشكال سحرية..".
وفي لوحة " انفجار المدينة " يتنبأ سيكيروس بشكل الفطر الذي ستحدثه فيما بعد القنابل النووية.
الاشتراك في الحرب الأهلية الأسبانية
بعد اندلاع الحرب الأهلية الأسبانية لبى الفنان الثائر نداء الواجب وانتقل إلى مواقع القتال في تموز 1937 م، ووضع خبراته في خدمة المقاتلين الجمهوريين، فساهم في رسم مجموعة من الملصقات وبعض أعمال الحفر، لكن حماسته وموقفه السياسي دفعاه من خط الفن إلى خط المقاومة وخط النار. وعلى الرغم من شهرته كفنان ومن انتشار صدى تجاربه في أوروبا، إلا أن ذلك لم يمنعه من التصرف كعادته، معرضاً حياته للخطر ـ فهي ملك للشعب وهبها دوماً للتغييرـ فنجده َيقبل القيام بمهمة متواضعة " مراسل حربي يقطع المسافات بين مواقع القتال وحيداً، سائراً بين رشيقات الرصاص وانفجار القنابل ".
ثم تتالت مهماته العسكرية:(قائداً للعمليات ثم قائداً للفصائل)، وقد شارك في الكثير من المعارك.
بعد الهزيمة التي مني بها الجمهوريون وهيمنة الفاشية على أسبانيا، لم ينكفئ الفنان سيكيروس، صحيح أنه أنجز أعمالاً كبيرة الحجم إلا أننا نستشف عمق الألم والحزن والعذوبة الشاعرية التي سجلها في لوحاته الأخيرة نذكر منها:"صورة ذاتية ـ النحيب ـ الحلم ـ البحيرة"، وتجمع هذه اللوحات مسحة كآبة عميقة تُعبر عما تركته الكبوة من آثار نفسية.
بعد عودته إلى وطنه عام 1939 م، شارك مع الفنانين الأسبان الملتجئين إلى المكسيك برسم جدارية حملت اسم "صورة البرجوازية"، في حيز ضيق من بناء عمال الكهرباء.
وهذه الجدارية تقوم على تجميع الحجج والبراهين، حيث استخدم فيها عناصر فوتوغرافية وتراكيب تقنية وتأثيرات أخرى لفن الإعلان الأسباني، والجدارية مكتظة بحشود عمالية وجيوش وأبنية تحترق وتظاهرات ووحوش طائرة واجتماعات وأرامل وأيتام وزنوج مشنوقين بالإضافة إلى قطع نقدية تصنعها آلات رهيبة بدم العمال.
ومرة أخرى يعاود سيكيروس النضال السياسي المباشر فقاد هجوماً على القلعة التي كان يقطنها تروتسكي نجم عنه الاستيلاء على أرشيفه، ثم توارى مع مجموعته في جبال (خاليسكو)، إلى أن ألقي القبض عليه وأودع السجن لشهور عديدة وبعد ذلك حكم عليه بالنفي إلى مقاطعة (تشيليان) في تشيلي، وهناك طُلب منه رسم جدارية في مكتبة إحدى المدارس، ورسم الجدارية وأطلَق عليها اسم (الموت للغزاة)، حيث سجل فيها صور الأبطال التاريخيين لأمريكا اللاتينية: " كواوتيموك ـ لاو تارو ـ وريكابارين وغيرهم، وبعد أن أنهى هذه الجدارية سُمح له بالسفر إلى هافانا حيث رسم "غنائية للمساواة العرقية"، وتَنقل بين دول أمريكا اللاتينية محاضراً، مناضلاً، ومبدعاً.
العودة إلى المكسيك مرة أخرى
بعد غياب دام أربع سنوات قرر سيكيروس العودة إلى المكسيك لينجز إحدى أهم جدارياته " كوا وتيموك يتصدى للأسطورة " تاركاً لنا رمزاً للنضال الأبدي.
وقد عالج في هذا العمل قصة الصراع بين الغزاة (الأسبان ـ الأسطورة) وشعب المكسيك العريق بحضارته وتراثه ممثلاً بشخصيتين تاريخيتين: (موكتيزوما الملك وكوا وتيموك الأمير).
تقول الأسطورة المكسيكية القديمة أن آلهة رهيبة ستصل الشواطئ الشرقية ولن يستطيع أحد مقاومتها، وعندما نزل الغزاة الأسبان تلك المنطقة من القارة الأمريكية بقيادة (كورتيث) وشنوا حرباً كان هدفها وشاغلها الرئيس، القتل، والحرق، والنهب، والتدمير، والسيطرة.. وقد جاءوا ممتطين وحوشاً مرعبة (كأن الخيول مجهولة بالنسبة لسكان البلاد الأصليين) يبقون الموت بأسلحتهم النارية من بنادق ومدافع، بينما سلاح الهنود حجارة ورماح.
ويروي المؤرخون أن الملك (موكتيزوما) استسلم رافضاً المقاومة لإيمانه بما جاء في الكتب المقدسة، لذا نراه راكعاً يسترحم الوحوش، أما (كوا وتيموك) فقد أبى ذل الاستسلام وأعلن المقاومة فنراه يوجه رمحه القوي ليحطم الأسطورة ويزرع الإيمان بإمكانية النصر.
بعد الحرب العالمية الثانية أنجز سيكيروس جدارية مقسمة إلى أجزاء ثلاث، وموضوعها هو "الديمقراطية الجديدة" وقد استخدم فيها عناصر رمزية مباشرة كالشعلة، القبضة، السلاسل، وقبعة الحرية (من رموز الثورة الفرنسية).
أما جدارية "الوطنيون الخونة" التي رسمها على الجدران الداخلية لبناء الجمارك في (سانتو دومينيغو) لم تنجز لأسباب مالية.
وبعد الديمقراطية الحديثة، قدم سيكيروس معرضاً ضخماً تحت عنوان (70 عملاً جديداً)، في هذا المعرض اختفت عذوبة المراحل الأولى وحل محلها عنف تعبيري.
وبعد مضي خمس سنوات على "الديمقراطية الجديدة" أنجز العديد من الجداريات، أسفرت إحداها عن ضجة كبرى ـ بما فيها محاكمة سيكيروس ـ فقد طَلبت نقابة الفنون المسرحية من سيكيروس تصوير تاريخ المسرح المكسيكي، وبدلاً من أن يمثل الفنان مأساة مسرحية وهي الفكرة التي أوحوا له بها، قام بتسجيل المأساة اليومية: اعتداء على عمال، عسكريون تدوس كتاباً سجل عليه الرقم (17) إشارة لسنة معروفة في تاريخ الثورة المعاصرة، امرأة تحتضن ابنها القتيل، نساء متسربلات بأسمال، وقد بلغت هذه الجدارية ( 990 ) متر مربع.
عندما رأى القائمون على النقابة هذا العمل رفعوا دعوة وعمدوا إلى تغطية الجدارية بألواح خشبية، والحقيقة أن مبعث انزعاجهم لم يكن انتفاء تاريخ المسرح، بل وجود المأساة.
في عام 1957 م، بدأ سيكيروس يرسم ـ ولأول مرة ـ موضوع الثورة المكسيكية جاعلاً مركز العمل جسد الشهيد المحمول على أكتاف رفاق السلاح، وفي جانب آخر من العمل رسم زعماء الثورة، ورضخ الفنان لرغبة قديمة كانت تعتمل في نفسه وهي التصوير الهجائي الساخر لبلاط الديكتاتور (دياث).
في نهاية الخمسينيات عاشت المكسيك موجة اضطرا بات لعمال السكك الحديدية فواجهت الحكومة تلك الأوضاع باعتقال أعداد كبيرة من العمال، فانبرى سيكيروس، الفنان ـ السياسي ـ للدفاع عن حقوقهم وشن حملة واسعة على السلطة إلى درجة حملت هذه الأخيرة إلى اعتقاله وتقديمه للمحاكمة عام 1961 م، ولم تجد السلطة في مكانة الفنان المدنية (قائد خلال الثورة، معارض في مختلف أرجاء العالم، لوحات معروضة في متاحف عالمية عديدة، جائزة بينالي البندقية عام 1950...)، لم تجد في كل هذا ما يمنعها من إدانته، لكنها "خففت" الحكم عليه بالسجن إلى ثماني سنوات فقط (!!!) على الرغم من أن ممثلة وزارة الأشغال العامة طالبت بثلاثة أضعاف المدة!
وأودع ـ في الرابعة والستين من عمره ـ السجن بعد أن ضرب عرض الحائط بجملة التضامن التي قام بها الأدباء والفنانون والعلماء والسياسيون في مختلف أنحاء العالم.
أمضى في السجن أربع سنوات في زنزانة طولها أربعة أمتار وعرضها متران، لكنه لم يستسلم ولم ينقطع عن نشاطاته الفنية والسياسية هذا ما تؤكده مائتي لوحة أنجزها بين تلك الجدران، وكذلك ما كتبه، ما قاله في مقابلات أجريت له، الصور التي التقطت له.
وفي تموز 1964 م، صدر مرسوم رئاسي يعفي عنه وبأمر بإخلاء سبيله "اعترافاً بنوعية عمله الفني".
وفي عام 1966 م، منح أكبر جائزة في بلده، وهي: "الجائزة الوطنية الفنية"، وعندما أصبح في الواحد والسبعين من عمره، قام بتنظيم معرض شامل للوحاته التي أبدعها خلال العقود الطويلة من النضال، كأنه يخاطب العالم، " هذا بعض ما فعلت ! ".
الفن من أجل الجماهير
إن تجربة سيكيروس تجربة فنية مناضلة مقاومة ثائرة معاصرة، استوعبت المذاهب الفنية المختلفة بموضوعية تامة، ابتداءً من التعبيرية إلى المستقبلية، ومن الموضوعية الجديدة إلى السريالية، وله تأثير واضح على تطور الفن المعاصر بكل ما قدم من أعمال نذكر منها:(الديمقراطية الجديدة 1945) و (المواطنون وأعداء الوطن وصحوة كوتيموك 1951) و (كوتيموك حاكم من عصر الأوزتك قتلته قبائل الكوتز، ومن أجل ضمان اجتماعي كامل 1955) و (من الشعب إلى الجامعة ومن الجامعة إلى الشعب 1956) و (من عهد الديكتاتور بورفيريو إلى عهد الثورة 1966) و (الثورة المكسيكية 1956) وهو العمل قبل الأخير حيث بدأ الإعداد له أثناء سجنه الأخير، وهذه الجدارية تعد أكبر فريسك في العالم إذ تبلغ مساحتها (842، 4) متر مربع وهذه الجدارية موجودة في متحف التاريخ والإنسان، قال عنها سيكيروس:
" إنها تمثل جماهير غفيرة، تبتعد عن ماض سحيق، كله بؤس وشقاء، النتيجة نحو التحرر والتقدم، هذا ليس موضوعاً محلياً فحسب، وإنما يعبر عن كل شعوب أمريكا اللاتينية".
أما آخر لوحة رسمها فكانت في عام 1971 م، أي قبل وفاته بثلاث سنوات، وهي عبارة عن عمل ضخم في حديقة عامة (بارك دولاما)، وهي لتخليد ثورة المكسيك، وقد أطلق عليها اسم (مسيرة البشرية).
القسم الداخلي من الجدارية يبدو صغيراً على الرغم من رحابة المكان ويخلق أحساسا بالإثارة، بالضغط والضيق قد يدفع المرء للبحث عن الهواء والحرية. وقد رسم الفنان في هذه الجدارية أشباحاً مريعة، خيالية وواقعية صادفها في غمرة الثورة، في تجربة الحرب، في محنة السجن وفي معاناة الحياة اليومية.
وما يميز هذه الجدارية هو أنها تعطي نفس التأثير سواء من داخلها أو من خارجها.
لم يهدف سيكيروس يوماً إنتاج عمل ممتع لمجرد الإمتاع، ولم يتطلع يوماً إلى طرح حلول، فالفن كما قال الناقد الفرنسي جيل كيان في بليز يردي فرانس في شهر حزيران 1972 م: "قد يكون هذا الفن شيئاً مقيتاً بالنسبة إلينا، أو على الأقل، مُعارِض لما نحن فيه، ولكن ماذا نستطيع أن نُقدم كرد عليه وبعظمة مماثلة؟ ماذا يمكننا أن نقول عن الأبحاث الذهنية العاجزة لأنبياء النفي واللامعنى لدينا خيال إلهام متفجر لمبدع حقيقي".
القبول والرفض
وكما حظي (مايكل انجلو) خلال أربعة قرون بالقبول والرفض من هذا الفريق أو ذلك نجد سيكيروس عرضة للخلاف ذاته، ما بين مصفق معجب وناقد مندد، لكننا لسنا بحاجة لاستفتاء لنؤكد أنه كان انسجاماً بين قطبين: العنف والتمرد من جانب، والعذوبة، الحنان والإخاء من جانب آخر، وحياته كانت تمثيلاً لتلك الوحدة.
قال سياسي عبقري مرة: "علينا تشجيع كل جديد والحياة ستختار الأفضل". وكانت تلك الحال مع سيكيروس فبعد النقد الجارح الذي تَعرض له عندما أدان لوحة الحامل عام 1923 م، وانحاز إلى الفن الجداري، نجد هذا النوع يوسِّع رقعة وجوده في مختلف الأقطار والقارات، وقلما يُصادف فنان معاصر لا يحلم بإنجاز تجربة جدارية.
لقد أدين سيكيروس عندما نادى بتحويل جدران الأبنية إلى وسيلة اتصال مع إنسان الشارع، وها هو العالم يتبنى الأمر.
اتهموه بالخلط بين التصوير والنحت، وها هي الأعمال المختلفة تولد في أماكن عديدة (جداريات الاتحاد السوفيتي سابقاً، فرنسا، ألمانيا، مصر، العراق، سوريا..).
أثقلوه ذماً وقدحاً لمعاداته التجريد وطرحه الواقعية أسلوباً، وها هي أزقة التجريد المغلقة ترد من جانبها وعاد يبحث في التشخيص (بمختلف تسمياته)، عما يضمن الحياة للفن.
نادى بعمارة مصورة مما يضفي عليها دوراً نفسانياً، سياسياً وجمالياً، وها هو ذا (فازاريللي) يتحدث عام 1970 عن مدينة مصورة، ونيكولا شوفر يصمم في الفترة ذاتها مدينة سيبرنيتيكية حيث يتمتع كل بناء " بتنظيم وبرمجة لخدمة الإنسان ويحمل محركاً للانفعالات الجمالية ".
وربما سخر البعض من سيكيروس عندما طالب في كتابه "نصائح إلى فنان مكسيكي شاب" بتلوين الهوائيات الضخمة وسفن الفضاء، فما قولهم بعض معسكرهم (الكساندر كالدر) الذي صور ولون طائرة مسافرين لصالح إحدى شركات الطيران الأمريكية؟ أبطال سيكيروس يتعذبون وقد يموتون، لكنهم لا يتراجعون، وكذلك كان هو.
قال سيكيروس مرة مشاركاً بيكاسو رأيه: "ماذا تظنون الفنان؟ أهو غبي يملك عينان إذا كان مصوراً وأذنان إذا كان موسيقياً؟
إنه على العكس من ذلك تماماً، إنه كائن سياسي، على علاقة دائمة بكل ما يجري في العالم.. فهو يعيش ذلك ويساهم في تأكيد وجوده".
نعم استطاع سيكيروس الذي رحل في عام 1974 أن يؤكد وجوده بل ويفتح آفاق جديدة في الفن لصالح الجماهير الواسعة، واستطاع أن يحقق حلمها بأن يكون الفن فاعلاً، ومؤثراً وحمل لها تطلعات ثورية بعالم أكثر عدالة، ولم يكن مجرد شاهد أو مجرد معبر عن أحداث رآها الفنان وعكسها في أعماله.
لقد ناضل وقاوم سيكيروس بفنه وعرَّض حياته للخطر كي يوصل لجماهيره الفن حيث هي، وهذه الجماهير لم تخذله ولم تخذل رفاقه الفنانين، فما زالت تحج إلى أعمالهم وتدين لهم بمعرفتها الفنية وبما قطعته من مسافة نحو الاقتراب من المجال.

  •  

  •  

  • ديفيد سيكيروس
    الفنان المكسيكي المتمرد ورائد الجداريات الملحمية في العالم
    غـازي انـعـيـم
    مجلة عمان


ـ المراجـــــــــع:
ـ مجلة الحياة التشكيلية: العدد ـ 4 ـ السنة الأولى 1981.
ـ مجلة الفكر المعاصر: العدد ـ 48 ـ 1969.
 

 
 

ورقة من حياة فنان

 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط