•  

  •  

  • في محاولة لاستجلاء الأهمية القصوى لقيم التصوير يبدأ النقاد في وضع تصنيفات لأي القيم الجمالية في فن التصوير هي الأهم والأقوى تأثيرا على الحواس بل والأكثر إمتاعا للحس.. يؤكد النقاد ان الفن التشكيلي جزء من المتعة البصرية و الرفاهية الحسية رفاهية تشترك معظم الحواس في الاحساس بها بداية من حاسة الإبصار التي تشكل جسرا قويا لعبور المعادل البصري الى العقل وبالتالي يقوم العقل بتوزيع هذه التجربة البصرية على كل الحواس بحيث تمتص العين المشهد التشكيلي وعلى حسب القوة التأثيرية للمشهد البصري يتم اشراك الحواس في هذه التجربة البصرية او بمعنى اصح يصبح المعادل البصري لتجربة الرؤية تجربة فنية مكتملة تعبر العين الى الفكر عن طريق تحفيز الحواس ودعنا ندلل على ذلك بمثل بسيط فحينما تقع العين على لوحة تشكيلية او مشهد بصري من صنع الإنسان تحاول العين ترجمة هذا المشهد الى تيارات حسية للحواس فتنفعل الأنف وتشم رائحة الورد المرسوم او تسمع الأذن واهمة صوت حفيف اوراق الشجر او صوت المياه وتصل التجربة الى عمقها حيث تتحفز حاسة اللمس لدى المتلقي فيشعر انه يتلمس كل هذا الزخم من الاشياء التي هي مجرد تجربة متخيلة او مبتدعة اذن التجربة التشكيلية في عمقها وقمتها هي تحفيز الحواس عن طريق الإبصار من خلال طرح ابداعي للالوان والضوء والظلال وتعتبر هذه العملية هي لب الفن التشكيلي ومن هنا جاءت المحاولة الدائمة لاستخلاص ماهية هذا الفن وتمييزه عن أي فن آخر او اي محاولة لاستحضار التجربة الحسية من خلال الرؤية.


لكن معظم النقاد في كل العصور قد أكدوا ان أهم ما يميز الفنان هو مخاطبة القيم اللمسية للأشياء داخل العمل الفني حيث يقاس قوة العمل بمدى ما فيه من تحفيز للقيم اللمسية لدى المتلقي وهذه هي الحرفية الفنية القصوى للفنان ونحن نعرف انه بعد سقوط الامبراطورية الرومانية في يد البرابرة القوط والوندال وغيرهم وانقسامها لجزءين: شرقي وغربي سقطت ايضا القيم الفنية الكلاسيكية وسيطرت على فن التصوير والنحت القيم الشرقية الجامدة وقوانين الأيكينوجرافيك المجحفة حيث تبدلت الحرية في التصوير الى الجمود والتزمت الشرقيين واستمرت المدرسة الشرقية في السيطرة حتى ميلاد عصر النهضة الأول التي كانت اول شرارة فيه هو المبدع الفلورنسي الكبير وعملاق الفن (جوتو بوندوني)


لم يكن جوتو بوندوني مجرد مبدع ورسام وضع الأسس الجوهرية للرينيسانس وحسب بل كان أيضا رمزا لميلاد عصر جديد ليس في الفن فقط بل في كل مجالات الحياة الثقافية والسياسية أيضا ويعتبر على سبيل المثال لا الحصر تعبيرا عن تحرر الفكر من سلطة الكنيسة الشرقية ويشكل هو والقس فرانسيس الأسيزي رموزا لنشأة عالم أقل تبعية للكنيسة وأكثر انفتاحا على العلمنة والبساطة حيث اصبح الفن هو الجوهر الذي يملي نفسه على الفنان من حيث الموقف والحالة الدرامية كما اصبحت الفلسفهة والموعظة اكثر بساطة حيث مالت للترغيب وابتعدت عن الترهيب الذي زرعت به العصور الوسطى الخوف في قلوب الجماهير.
ويعتبر جوتو بوندوني نقلة كبيرة أدت الى ان يكون الشرارة الأولى كما قلنا آنفا فلقد كان هو التطور الذي بدأه الفنانون في الأقاليم الشمالية مثل (تشيمابويه) لكنه كان أكثر جرأه حيث تخطى القوانين الجامدة للمدرسة الشرقية في التصوير.
ربما سوف يتعجب القاريء إذا عرف أن هذا الفنان العظيم بدأ حياته راعيا فقيرا بسيطا يتجول بين ريف ومراعي فلورنسا العظيمة لكي يرعى الأغنام حيث كانت مدرسته هي الطبيعة التي تعلم فيها اول دروسه الفنية لكن كتاب السيرة الذاتية يصفونه بعد ان اصبح ثريا انه كان يجني ثروته من الربا حيث كان يقرض بفائدة لكننا لن نستغرب ذلك إذا عرفنا أن ذلك لم يكن إلا عرف وعادة تلك العصور التي انتشر فيها الإقراض بفائدة سواء في فلورنسا أو فينيسيا أو كل انحاء ايطاليا لكن الدليل على انه كان شخصية كبيرة تتوافر فيها الطيبة نجد أن لورنزو ميديتشي وضع لبوندوني صورة تذكارية في كاتدرائية فلورنسا تقديرا لعظمته.


ونجد ان شاعر فلورنسا الأشهر دانتي الليجيري قد وضعه في كتابه الثاني من الكوميديا الألهية (المطهر Porgatorio) حيث عقد مقارنة بينه وبين تشيمابويه.
تعود اهمية بوندوني في انه نبه قرائح الفنانين الذين تلوه على البساطة التي يجب ان يعالج بها الموضوع المصور دون اللقاء النفس في متاهات وقوانين المدرسة الشرقية بحيث ينتزع المشهد المصور من التعقيد والرهبة والكآبة التي ربما تجعل المتلقي يبتعد كل البعد عن الهدف المرجو من تصوير الحدث الديني أو الدرامي الذي تعالجه الدفقة الشعورية للفنان .
وقد ساعد جوتو بوندوني على ذلك انه كان شاعرا ايضا تميز في نظم الشعر وكانت له قريحة عظيمة في الأدب ويكمن إبداعه في أنه جعل العين تتخيل القيم اللمسية في اعماله التي عالجها كما استخدم من الأجساد البشرية رموزا يعبر بها عن مكنونات جوهر اللوحة وحيث يقول فاساراي عنه (إن بوندوني العظيم يمد الصورة بنفس القوى التي يتمتع بها الموضوع الحقيقي حت تثير خيالنا اللمسي حيث اختار للوحاته العناصر ذات الدلالات الجوهرية والمادية المباشرة مثل الجسد البشري وخاصة العاري حيث يثبت بوندوني ان البشر وكل العناصر المشتركة معه في اللوحة مشاركين في تجربة الحياة)
.
ويتأكد كلام الناقد الكبير فاساراي حينما نقوم بدراسة سريعة لأعمال بوندوني والتي هي في الحقيقة بشارة جلية لعصر النهضة سواء من الناحية التكنيكية والوصفية أو من الناحية الحكائية حيث يصور معظمها قصصا وحواديت دينية تمثل شخصيات كبيرة دينية وسياسية شاركت في صنع هذه الطفرة الفنية والفكرية.


ينزع جوتو الى تصوير الوجوه والأشكال البسيطة الضخمة التي تشبع الخيال اللمسي حيث يلجأ الى ابسط الألوان والظلال حيث يقوم كل خط من خطوط لوحات جوتو بوظيفة كبيرة تكاد تبرز كل مميزاته في اضفاء الفكرة الجوهرية على العمل الفني.
ومن اهم الأعمال التي تبين هذه المميزات تلك اللوحات الرمزية للفضائل والرذائل التي زين بها جوتو بوندوني مصلى (أرينا) في بادوا حيث حاول ان يرمز لكل صفة سواء فضيلة كانت أو رذيلة بشكل بشري رمزي يحف بالشفرات التي تجعل من بوندوني ليس مصورا فقط بل فيلسوفا كبيرا ومفكرا فنجد انه يصور البخل مثلا على انه سيدة عجوز تتبدى فيها كل معاني الشح حيث تحمل في يدها كيس نقود وتقبض على فوهته بكل قوة ويخرج من فمها لسان على شكل ثعبان يلدغ جبهتها ولم ينس ان يضيف بعض التفاصيل التي جعلت منه مخلوقا شائها وكريها وقد يذكرنا ذلك بربة الشح والبخل عند الإغريق والصورة التي صورها لنا أوفيديوس في (مسخ الكائنات) ويجعل قوة الرمز والتحوير الذي استخدمه بوندوني للتنفير من البخل يجعل منه فيلسوفا كما قلنا وينطبق هذا ايضا على رذيلة الظلم التي صورها في صورة رجل ضخم يقبض على سيف بيد وبالأخرى رمح.


والحقيقة أن هذه النماذج في مصلى أرينا قد اصبحت تشكل مدرسة في الترميز الذي استخدمه بعد ذلك اجيال تلت بوندوني
، ولعل بونودني ايضا قد اعتبر ان مهمته تبسيط القيم الروحية وجعلها موضوعا محببا للعيون وبالتالي ابتعد عن حالة الكآبة والترهيب التي كانت متبعة قبله ويبدو ذلك واضحا إذا تناولنا سلسلة اللوحات التي رسمها على حوائط كاتدرائية القس فرانسيس الأيسيزي في أيسيزي في ايطاليا ذلك القس الذي رفع الى مصاف القديسين لما كان له من بساطة في الدعوة والموعظة حيث طور بكل جهده في المفاهيم الكاثوليكية البالية واسس ما يعرف بمذهب الفرانسيكان نسبة اليه من هنا كان على بوندوني ان يأخذ في اعتباره اظهار فرانسيس في تلك الصورة التي يتخيلها كل من يؤمن ببساطة رجال الدين وقدرتهم على الاتيان بالمعجزات كما يعتقد.
وتعتبر اجمل واقوى هذه اللوحات التي يصور فيها حلقات من حياة القس فرانسيس الأيسيزي هي لوحة (معجزة النبع) التي يعتبرها الناقد ريموندو لوتشينو انها بداية حقيقية لمذهب البساطة الذي أسسه بوندوني حيث تصور حدوتة شهيرة تنسب للقس فرانسيس حيث تضرع للسماء ليتفجر نبع يشرب منه احد الفلاحين الذي كان يقله بحماره حيث كاد يهلك من العطش ويحاول بوندوني الموازنة بين المغزى الروحي للحدوتة وبين التفاصيل حيث يتخطى نوعا ما بعض قوانين المنظور ليعبر عن الحكمة الروحية من وراء الحدث.


وتعتبر أيضا باقي اللوحات التي تحكي احداثا من حياة فرانسيس الأسيزي تعبر عن نفس الخط التطويري لجوتو بوندوني مثل لوحة (فرانسيس يخرج عن طوع والده ويصبح زاهدا) حيث تمثل حدثا هاما هو في الحقيقة بداية تحول فرانسيس من الحياة العادية لحياة التنسك والرهبنة وهذا ايضا ما نستطيع ان نصف به لوحة وفاة فرانسيس الأيسيزي .
إذن يعتبر جوتو بوندوني الذي مات عام 1337 الشرارة الفنية الأولى التي أججت عصر النهضة الذي يعتبر وبحق أزهى عصور الفن قاطبة من هنا يقول المؤرخ الكبير وول ديورانت (بوندوني ليس فقط فنانا رسم مجموعة من اللوحات التي سبقت عصره بل كان رساما رسم بمذهبه عصرا كاملا من التمرد على العصور الوسطى ما أدى الى طفرة نوعية وكمية في الفن عامة)

  •  

  •  

  • بوندوني راعٍ بسيط يصبح الشرارة الأولى لعصر النهضة
    مبتكر القيم اللمسية وقائد التمرد على الأيكينوجرافيك
    باسم توفيق
    الراية

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

ورقة من حياة فنان