•  

  •  

  • بمثابة مدخل
    في الرسم، لا يتم التدّوين، إنما يتم الحفاظ على آليات المحو. فليس ـ عدا استثناءات شاردة في الموسيقا ـ هناك اشتغالات بما يتركه الزمن ـ وماذا غيره ـ في الأشياء التي تبدو انها غير معرضة للتفتت أو الاندثار. لكن المحو، هنا، يمتد حتى يتقاطع مع نظام عمله: الذوبان. لأن هذا النسق يتوازن مع عمل الأساطير: انها لا تخفي عللها، أو أدق تفاصيلها، وما تنتجه الرهافة، إلا انها سرعان ما ستختار العمل بالرموز، كي تتلافى القانون الذي صاغها.
    هذا الطريق الوعر، في الرسم، سمح لعدد من الرسامين، منذ تم تركيب نماذج المغارات القديمة، مرورا ًبالعصور السابقة على زمن الكتابة، ووصولا ً إلى ما بعد الحداثة، أو، ما بعد البلاغة المدركة للتصادمات الثقافية، ومنح فن الرسم حضوره وتداخله ومظهره المقبول: توثيق الحلم، المرن في انفتاحه وتأويلاته، حتى لا تبدو اصلب الحقائق اكثر من أوهام عادات لها طقوسها وتمثلها وامتيازها.


لقد أنتجت عصور الصيد والزراعة، حلقاتها في التطور، والتحول، والانتقال من العشوائية إلى الممكن، لكنها، في الوقت نفسه، أنتجت فراغها: المجهول وقد غدا مرئيا. فالاتساع بين ما هو وظيفي ومباشر وواقعي وبين ما هو ذهني، ملغز، ومخفي، سلسلة متماسكة من النصوص (لأنها تمتلك تقاليدها / حدودها/ في البناء) جعلت من الرسم علامات حرة، وهندسية، لكنها أتقنت عملها المشفر، للامساك بما هو غير زائل، وهو لا يمتلك إلا منطق المغادرة، والاندثار.
هنا تتداخل المفاهيم، وفرعوها، وتنويعاتها، ضمن أداء لم يفرط بالخصائص، وبالبصمات الشخصية للفنان، إنما بالحفاظ على مسارات استحالة عقد علاقة حقيقية بين الزمن والثابت. فالمكان ليس اكثر من مساحة مقيّدة، فيما عمل الرسم للامساك بما هو سابق على الأسطورة، وات ٍ بعدها.
في هذا الفراغ (الفضاء) المتواصل، يعيد هادي ماهود، مفهوم (الفجوات) ليشغلها بالمنبهات: البصرية والسمعية أو ذات الجذور الأقدم: الاستدلال بالعطور وما ينتجه الانحلال، أو التفسخ، إلى جانب تمسكه برموز سحيقة وأخرى مباشرة لها علاقة بلاوعيه، وبما تحتمه عليه معرفته للوقائع. فالخزين يجد أنباتاته في كل تجربة، لا تكتمل في الأخرى، بل تمتد عبر النفي، وما لا يقال، في ذروة ما تنتجه الدهشة، والبراءة، والدمار. فالرسام يتخلى عن الوعظ، والبلاغة، عدا إعادة تركيب أحلام شاردة هي من صنع الزمن، وفي الوقت نفسه، لا تتراكم كي تغدو صرحا ً، بل محوا ً منشغلا ً بعدد من الأطياف، تمتد كي تجعل المخيال، بلا ثوابت، إلا بصفتها تعمل بنظامها العنيد: شذرات مساحات لا كتابية، اندمجت عبرها، لغات لا تتوخى البوح، أو الصمت، وإنما تذهب بهما حيث التأمل، وليس البناء، يعمل بالانتقال من الواقع إلى لغزه: شعريته. لأن الرسم لا يعمل عمل (الإناء/ أو الكتابة) كوظيفة، بل للتحرر منها. انه المعنى المقلوب للمعنى، والغايات، إنما ليس بحثا ً عن حدود، وإطار، بل عن بذخ مر لوجود غير آبه بما يكتم أو يعلن، فالرسم ـ هنا ـ وثيقة تتضمن جعلنا أسرى المجهول وقد أهملنا، بدل أن يشغلنا. فالمجهول القابع في أدق تفاصيل العناصر، وعشوائيته المنتظمة، يجاور لغز المنجز الفني: قوة الوهم بما يمتلك من حضور، وفراغات، تسمح لغير المدّون، أن يكون شاهدا ً أو وثيقة.

تجارب ـ ومقاربات

لم تبخل أصابع الرسام العراقي عن أداء، مقدمات، استند إليها هادي ماهود، منذ لوحة (حواء) للفنان أكرم شكري، ومنذ تجارب متفرقة لجواد سليم، التي رافقت يومياته ورسائله، ومنذ معالجات راكان دبدوب للأنثوي العنيد في أسراره، مع ذكر مصغرات، وانشغالات شاكر حسن بالرسم، كي يخضعه للقصد، حتى عندما جعل هاجسه بالعالم الآخر، قصدا ً حميما ً،وذكر (مصغّرات) كاظم حيدر، قبل تجربة لندن، عندما سمح للدال أن يأخذ مداه في الرسم، وليس في المعنى. ولعل تجارب هذا الاتجاه، لم تظهر واضحة كما ظهرت بعد حرب (1991) حيث كفت هذه التجارب عن البذخ الزخرفي، وكل ما أسسه ضياء العزاوي ورافع الناصري، للانتقال إلى تجريد بلغ ذروته بجعل الرسم ذاته علامة، وليس شرحا ً أو إيضاحا ً أو وظيفة. ولم تكن تلك التجارب معزولة عن محركاتها: ما بعد الحداثة، والحداثة، وفنون الشعوب اللا كتابية. فالتجريد راح يعمل خارج دائرة تصّدع الأوهام، لينشد، بصمت، آساه. لكن جمالياته لم تكن خارج عمل حرية السوق، واشتغال العولمة وقسوتها. فحرية السوق، ضمنا ً، سمحت لحرية السجون أن تولد، عبر آليات تقنين العمل، والملكية، ومنها: المخيال. ولأن الفن، كالبضائع، فانه وجد في المأزق، والتصدعات الاجتماعية، السياسية، الروحية مناخا ً له لمغادرة دوافعه السابقة: أيديولوجياته وأناشيده، فقد غدا التجريد استحالة لم يعد يحدق في العتمة، وإنما، كان قد ترك العتمة تمنحه ممرات للعبور إلى ما بعدها. فالتأويل لم يثمر إلا رمزية متعالية للبضائع، والربح. فظهرت عشرات التجارب، بهذا الدافع، اكثر انشغالا ً بالمهمل، والزائد، والمائل، والفائض. وكانت دكاكين الفن، وسماسرة أصحاب بعض القاعات، لا يبخلون بإنضاج هذا الضرب من الفن، المزود بمرجعيات وفلسفات أكدت أهمية (النص) في ذاته، ضمن كوكب تتعرض فيه اعتى الكتل، إلى التفكيك، والانحلال. هذا الانشغال، بالرسم من اجل الرسم، لم يكن فائضا ً تماما ً، لأن (المعنى) ذاته، عبر الحقب والحضارات، لم يتخل عن نفيه. فالتجريد وجد استجابة، بالتحرر من قيود أوهام استنزفت المخيال، مثلما سلبت الواقع، وسحقته. فالبحث عن عتمة (شفافة) سمح للرسم، اكثر مما سمح للنحت والخزف وباقي الفنون، بمنح الحرية، لعبا ً على حبال هي من صنع عالم لم يعد يمتلك يقينا ً، كما امتلك التصدعات، والضحايا. وضمنا ً، لم تكن حرية الأصابع، بمعزل عن محنة (الوعي/ عمل الدماغ) ولغزه، فكلاهما، الأصابع والوعي، لا يعملان خارج الحساسية، وخارج (إعلانات) عصر غدا اكثر خضوعا ً للعشوائية، ولصرامة التصميم، لأن تفكك الأيديولوجيات، ليس محض مصادفة، أو عملا ً عشوائيا ً، بل لم يغب عن عمل أيديولوجية السوق بما تمتلكه من أهداف وانساق وأخلاقيات.
في هذا المناخ، منذ (1991) وحتى اليوم (2008) لم يتعثر الرواج لظهور تنويعات مزدوجة يشترك فيها عمل الروائع، إلى جانب مفهوم الزائل، والاستهلاكي، والنفعي القائم على الاندثار. وهو اتجاه لم تخلقه العولمة (لكن خارجها لم يكن له أن يزدهر) إلا لأنها أتاحت للحريات أن تشتبك، كخلاص، أمام مجهول يراقب، بغموض، الأفعال الأكثر التباسا ً، وعدمية، وربحا ً أيضا ً. فالنهاية الحتمية لحلقات السوق، ستبلغ ذروتها بالعمل على نظام مغاير، لا تعمل فيه العشوائية بطلاقة، وتصنع، كما يصنع الموت (في حقل العنف/الإرهاب) مما اثر، بشكل أو آخر، باستعادة لحظات (ما) للدال، في الوجود الإنساني، وليس في آليات تقنياته المتسارعة.
بيد أن فلسفة الفن، في اكثر الشعوب (هامشية) كان يتسلل عبر القنوات، والانترنت، وعبر اقل الوسائل تأثيرا ً: النقد. الامر الذي جعل ظاهرة الفن، تزدهر، بالعمل المغاير لسماسرة السوق، وبعض أصحاب القاعات، وبالتجار الصغار ـ وهم يجدون ـ ألف ذريعة للتمويه ـ بالمتاجرة بالفن، بإقامة المعارض خارج حدود الوطن.
لكن هذا لم يشكل إلا جانبا ً ـ كما ذكرت ـ من المشهد، لأن حرية وسائل التعبير، وعبثها العنيد، لعبها ورمزية الفعل، ديناميتها وتوغلها في اللاوعي الكلي للموجودات ـ والوجود، منح بعض التجارب أشكالها، وطرق تنفيذها، فضلا ً عن زواجها وما تؤديه من طقوس تلازم المشهد ذاته. ظهرت تجارب فاخر محمد، وضياء الخزاعي، وحمد قريش، وهناء مال الله ..الخ في سياق تقنين العشوائية، كي تأخذ دورها، في آليات دراما نظام خاضع للتجريب، والدحض.
هذا السياق لم يغب عن مراقبة جيل ولد في عمق التحولات، برصد مقدماتها، وتفاصيلها، وما ستنتهي إليه. جيل اقل انشغالا بالأسئلة، مثلما اقل انشغالا ً بالإجابات. فلم تظهر تجربة واحدة توازي فعلا ً (ما) لم يدر بخيال احد انه سيحدث: التناثر للأجساد والممتلكات ولقيم الديمومة أو الحياة. وهذه إشكالية لم تجذب أحدا ً كي تخضع للكتابة، لكنها، بشكل أو آخر، ستتسلل إلى الفن، والرسم تحديدا ً، كسؤال يرجعنا إلى جدران عصر المغارات: ما الرسم؟ وهو السؤال ذاته سيجد حضوره، فوق جدران عصر راحت (العتمة) تحدق في محركاتها، كي تمنحهم هذا القليل من الإنارة ـ أو الضوء ـ كي تأخذ الدهشة صياغتها: كم العتمة بلا حافات، في إدامة البحث عن توازن، أو لحظة وجود، داخل أنثوية العدم!

مدخل آخر
ما الذي تخفيه أطلال حضارة، وقد توارت معالمها بعيدا ً، اكثر من مرتفعات، ومنخفضات، وأحجار مبعثرة، وأحيانا ً، لقى أو بقايا تماثيل طينية ...؟ إن السطح الخارجي لا يخفي ماضيه فقط، بل يموهه، وإذا كانت علوم الهندسة الجينية، وعملها المشفر، بحسب برمجيات كبرى ومازالت نائية وشديدة التعقيد، فان حياة البشر، لا تعلن إلا على نحو مضن، عن آليات اشد غموضا ً بالاكتشاف وبإعادة الصياغة. في المجال الأخير، ما الذي تمثله منجزات الفنون داخل مجتمعات مضطربة، دأبت عادات بصرية وسمعية وشفوية لا توازي الجهد الطويل المتحقق في تحولات الأشكال، من اللا قصد إلى علامات الاتصال، ومن القصد إلى ما بعده، وضمنا ً، استحالة استبدال اليقين بالوهم، أو العكس، إلا عبر المحو، وتحديدا ً في التقاط هذه الصيرورة؛ من العدم إلى الوجود، في مقاومة الاندثار.
أتساءل، ما الذي يستطيع المراقب، بصفته الشخصية، أن يلمحه وهو يتأمل تجارب الفن (الحديث) في الرسم العراقي: استعارة أنظمة أوربية بغية بث الحياة إليها، ومن ثم، إنباتها، بعيدا ًعن آلياتها وفلسفتها ومثلها. إن تجارب مجتمعات أسيا وأفريقيا والبلدان غير الأوربية، لم تهمل تذوق لذات مرة تمس، عن عمق، الأوهام البصرية، وما تعمل على جعله نافعا ً، ضمن مشروعات العولمة وبرامجها. انه حلم تشكيل تصورات ما بعد حداثية : الخطاب بعيدا ً عن ذاكرته، وهويته. فاللغة، حالما تتعرض للتصدع، والانحلال، لأي سبب من الأسباب ـ كالغزو أو الحوار أو الاندماج ـ لا تترك للهوية إلا أن تغامر في اكتشاف الآخر، المتلقي.
إن هذا الإشكال، عند الرسام الياباني أو الهندي، أو العربي، أو الأمريكي اللاتيني، لما يزل يعلن عن أزمة. بمعنى: عن توق لصياغة ملامحه وهويته، وليس الهدف يكمن في تلافي خطر ضياع الهوية، وعلاماتها، بصفتها احد أشكال المعتقد، أو الروحي أو الاجتماعي، أو الداخل في عملية الابتكار (الهوية التجارية) فحسب، بل في المكونات النائية للشخصية. فالنقد الذي وجه لديكارت، بهدم الروحي، سمح للتركيب أن يأخذ مداه، غير الميكانيكي المبسط .. وليس ثمة مثال أدق من عمل (الدماغ) في عمله الواعي، وما يخفيه من آليات لما تزل مجهولة. فالهوية، بهذا المعنى، ليست مجموعة سطوح، أو علامات متراكمة، للتمايز، بل للاختلاف الدينامي، كجزء مكون لمفهوم الحياة ذاتها.
بهذا الصدد، كما لعمل اللاوعي ـ اللاشعور الفرو يدي الفردي أو الجمعي في علم النفس ـ آليات وصور ممتدة ومتداخلة ومنتظمة في عمليات التحول، فان احد الدارسين للفن الصيني، وجد علاقة بين المساحات المنفذة في الرسومات، والمياه الجوفية. علاقة بنيوية دالة على أن الرسام الصيني، لم يغفل ـ في لا وعيه ـ كل ما يقع تحت البصر. فهو يتلمس ـ ببصره ـ اللامرئي. والرسام، إن شاء أن يجد شيئا ً، فليكف عن استخدام البصر! فهو لا يتلمس بأصابعه، أو يشم أقدم لذائذ العفن التي تكونت داخلها بذور الخلق الأولى، أو يتذوق مراراتها الأخاذة، المشحونة بذبذبات كونية، انه لا يعمل بما أصبح متاحا ً للفنان والمراقب (القاريء/ المشاهد) في معرفته، بل بما يجهل. ولعل رد الفعل الأوربي المضاد لمعطيات الحداثة، كحقبة خالصة للتفكير النفعي، وللمعادلات الرياضية المحكمة، ولمفهوم الربح ..الخ أنتجت عودة حتمية إلى الأصول. فما بعد الحداثة، في المعمار العام للمجتمعات، أو لبناء المدن العملاقة، ولّد فجوة بين المصّنع، وبين كل ما هو بكر، وغير ملوث.
وقد جاءت النزعات الشعرية، والفلسفية، والصوفية، والرمزية، والروحية ـ منذ كاندنسكي وكلي وجماعة القنطرة والفارس الأزرق ـ عبر التجريد في تنويعاته الأسلوبية اللا محدودة. فالتجريد لم يأت لاستكمال تطبيقات (موندريان) من المعقد إلى البسيط، ومنح الرمز جسورا ًلمحركاته، بل، عبر مغامرة التوغل في العتمة، وما أنتجته الحضارة (الصناعية) من تحولات بلغت ذروتها بنعيم الرابوت وهو يعّدل أخطاء صانعه! انها محنة جعلت المنطق يفقد أسسه كي يتلمس ما هو بموازاة (الامتلاء) أو الصدق.
هذه الإشارة تسمح لنا بقراءة أساليب نادرة ظهرت في الفن العراقي، لم يتم استيرادها، مع المناهج أو البضائع، أو عبر مفهوم النفع وأخلاقيات السوق، وإنما بالجهد الشخصي، في اكتشاف المخفي، المدفون، المتواري بعيدا عن الذاكرة والحواس، لا ما هو تحت الأرض، أو في الطبقات السحيقة للدماغ ـ منذ أقدم عصور الكائنات الزاحفة والثديية وصولا ً إلى قشرة الدماغ العليا ـ فحسب، بل في العثور على حلول جمالية تعيد للفن نفعه الغامض: النفع المضاد لمفهوم السلعة/ الاستهلاك. فالمغامرة ذاتها تمتلك حريتها: توقها المشيد على بناء امتدادات لومضات سبق لها أن أضاءت ممرات في دروب المجرات الأرضية. فعناصر الحرفي الأولى لا تقل تعقيدا ً عن أدوات كل ذات تعمل على امتلاك قدرات فريدة في الذهاب وراء المعادلات المعاصرة، ومنها، البصريات ومؤثرات وسائل الاتصال؛ لأن المغامرة مازالت تعمل بنظام: الدفن.
هنا تمثل تجارب هادي ماهود، مع تجارب أخرى لم تعد خاصة ببلد أو قارة ـ لكنها، كي لا تغيب عنها حدودها ـ في البنيات المصّنعة أو المخربة، أو التي لما تزل تتعرض للاضطراب والتحول ـ فإنها تتشبث بالمغامرة كأحد عناصر التجريب. فالشعري، كمكون للخطاب الجمالي، يسمح للمخيال ان يوظف الخامات، بحرية لا تأسر المعاني، أو تحتجزها، بل، على العكس: تطلق سراحها، ليس بالمعنى الرمزي، أو الانطلوجي فحسب، بل بمعنى تحرير كل هذا الذي فقد مداه، وزمنه. ففي الشعر، شعرية تعّرف عبر مغامرة البحث في الظلمات (المجهولات) عن جهد لا يكلل باحتفالات النصر، بل بخسارات لا تني تمسك بما هو خارج الأدوات، والربح. فثمة، في فنون حقبة أفول العولمة، لا تعمل باليات التنصيص أو الاستنساخ أو التكرار أو الاستعادة، بل بما يجعل التجربة الفنية، تمتلك قدرات تمنح المراقب، لذائذ لا يكتفي بمراراتها، وإنما كي لا يكتفي بها، وهو اكثر فهما ً لمفهوم البعث، في انشغالاته البكر: الدفن. فثمة، عندما يكف المكان عن آليات انجازه للعلامات (لزمنها/ وللزمن) يأخذ الفن لا زمنيته، وكأنه لا يوهمنا ـ كما تفعل المعتقدات الأسطورية ـ بالأبدية: المكان، وإنما بالتتابع في تقصي الإمساك بلغز المخفي، الذي يدمج أوهامه بما نراه بصريا ً، في شرارات الشعري، داخل حدود الرسم، ورمزيته، وإنما، في الغالب، بما يحافظ على دحض الوهم، بمنطق المغامرة، والذهاب ابعد من المرئي، وابعد من المكان.
* حدود الانفتاح المقيد: السحر
في التجارب العراقية الحديثة، لا اثر لعلم النفس، كالتي تركها (فرويد) في عصره. لكن اثر فرويد لا يكمن في السوريالية، وبتحفيز الآخرين على منح محركات السطح أبعادا ً داخلية ـ وهذا هو الذي حدث في الغالب ـ وإنما في لفت النظر، عن قصد وغير قصد، أن الرسامين (يلطخون)، قبل أن تخضع أعمالهم للتنظيم، وتغدو ممتلكات ثقافية أو فنية أو رمزية.
عودة إلى (لطّخ)، فان شلر كان لفت النظر إلى اللعب، أي، قبل ـ ومع ـ العمل، ثمة فراغ يجرجر أصحاب الرهافة، والموهوبين للقيام بأعمال تخلو من المعنى، عدا معانيها، وجزئيا ً: طابعها الحر أو التبذريري. وبمعنى آخر فانه يمكن تتبع المسافة بين طبيعة لم تغادر براءتها ـ طفولتها ـ حتى سن العمى، والعجز، وبين طبيعة ناضجة وعقلانية.
هادي ماهود، وهو في سن المغامرة، ومغمور، كمعظم زملائه أو من سبقه، في الشهرة، تقع معظم تجاربه الفنية ـ ومعظم تجارب الحداثة في الفن العربي المعاصر ـ تحت تأثيرات تيارات أما أن تغادر تقاليد الرسم، وأما أن تستند إلى الأنظمة المتكاملة التي غلب عليها طابعها الراديكالي، أو البدائي، أو التجريدي بتنويعاته المختلفة. هادي ماهود، كمعظم الرسامين الجدد ـ بعد 1991 ـ لم تعد تشغلهم الزخارف أو المعاني، وإنما انحازوا، في الرسم، إلى التقويض والأقنعة والسطوح. كانت بضائع أوربا الفنية، طوال القرن العشرين، تأتي، كالسلع، لا تسمح بالإضافات أو التعديل. على أن الانشغال بالبصمات أو هوية الفنان لن تدفع إلى الدحض، أو التمسك بأصول قديمة، إلا في حدود دعوات جماعة بغداد للفن الحديث: المزاوجة بين الذاكرة والمخيال. انه مشروع يخلو من الانشغال بالنفس، والتأمل، فضلا ً عن حالة القلق، والخلخلة النفسية، حيث ولدت فكرة: التجريب .. ومن ثم: الإنبات.
هادي ماهود، هنا، خلال السنوات الخمس الأخيرة، لا ينسج، ولا يبني، ولا يركب، إلا بحرية اللعب: التلطيخ. وأنا اجهل ما إذا كان سيدرك أن خزائن الطفولة البكر، ستلازمه، في فنه أم انها ستتوارى ضمن دوافع الوعي، والسوق، والثقافة الاجتماعية في عادتها العنيدة..؟ لكنه لا يوهم نفسه، ولا يوهم المتلقي، ولا الفن، باستعادة فن الطفل، أو خياله، أو منطقه، كما فعل فاخر محمد وضياء الخزاعي وعاصم عبد الأمير وصدر الدين أمين ..الخ إنما توقف عند (الخامة) في الحفاظ على إقامة نصوص لا تسعى إلى تحديد موضوعاتها، أو تنغلق داخلها. فالرسام يلطخ بمثل هذه الحرية المقيدة بخبرة الحواس من ناحية، وبالإيماءات الخفية للحياة ذاتها. فهو كالاثاري يستدل على الحضارات الغائبة، بحضور غير مرئي، في التلال والمواقع. إن الحديث عن فنان يلطخ، لا يوقعنا في فخ النكوص، أو عدم النمو، وإنما يمهد للمراقب التعرف على انشغال شارد بالبحث عن رهافة وحساسية وتوازنات داخل النص. فالفنان يرسم نفسه بالتوحد مع خاماته وبدوافع الرسم. فالعلاقات تدفع بالتجربة لرؤية المشهد متكاملا ً: المؤثرات/ الفنان/ والنتائج. لكن المجال الفني ـ الخامات وعمل الذهن عبر الأصابع ـ يبني أو يهدم: انه ينفذ مشروعا ً للتواصل. فالواقع لا يراه هادي ماهود إلا عبر خاماته، وقد راحت أصابعه تتلهى ـ بشعرية وعفوية منضبطة ـ بها. فهو لا يدفع بالجمال إلى البذخ، أو جعل اللذة خالصة، وإنما بالبحث عن درب مارسه رواد الحداثات، خلال القرن العشرين: ما تمتلكه العناصر في عمليات البناء، من ومضات. فالتلطيخ ليس بحثا ً في اللاشعور ـ أو في موضوعات ما بعد الطبيعة ـ بقدر جذبنا إلى متاهة بين الفنان وعامه الخارجي. وسيبدو معقولا ً العودة ـ للاستزادة ـ إلى القواعد: تلطيخات رسام المغارات فوق الجدران، لأي سبب كان، إلى جانب الانشغال بخامات لا نعرف كيف أنتجها، قبل الكتابة بثلاثين ألف سنة، ومع أولى استثماراته للنار، والزيت، وخامات الطبيعة الأخرى. فالحواس كانت الوسط الذي راح الوعي السحري للفن ينمو فيه. وهو الأثر الذي استعاده فنان الحداثة، جاعلا ً من (القبح) ـ التشوش واللامنطق وهدم الأشكال ـ قاعدة لحداثة لها مرجعياتها المندثرة، لكن، التي لم تغادر الدماغ. فالبحث ـ هنا ـ يوازي الاكتشاف: فالموضوع غير المحدد، يغدو، مع عمل الفنان، انشغالا ً سحريا ً، لأن مفهوم اللعب له وظائفه، وإن بدت غير نافعة أو محددة الأهداف، لكن اللعب سيفتح حقلا ً لا محدودا ً من التجريب، كي تغدو الهيمنة، في الأخير، تعمل عمل الدفن.
إن الرسام لا يحاكي صور الغيوم أو الأشجار أو الأشخاص،بل يلطخ، لأنه يرى المرئيات شبكة من العلاقات، وقد جعلها خاضعة لعمله السحري ـ الفني معا ً. فالحداثة العالمية ـ عامة ـ في هذا الجانب، عملت على نبش مدافن أحلام غائبيها، وإعادة الحياة إليها، بالخامات، وليس بدوافع الوهم. لكن المرئيات هي جزء من مشروع منح البيئة عملا ً لم يغادر عمل السر، في وسائله، نحو غاية ستبقى محكمة الانغلاق. فالموضوعات لا تتكلم. العناصر وحدها تدفع بالصمت إلى حافاته: الهمس أو صمت اللسان وترك الأصابع تؤدي وظائف الجسد السحري وبعمل الدماغ الشعري. فثمة علاقة متوازنة بينهما تتجلى في توزيع المساحات اللونية، وما تعمل على إظهاره. إن العمل البصري للأشكال، وقد تشبع بالمصادفات، والتلقائيات، ضمن نظام اللعب، وسحر الفعالية، سينتظم، كي يحافظ على أقدم جذر لحداثة عصر راح يحدق في المجهول. انها عودة تغادر اثر (العدم) أو الفراغ، نحو مكاسب معادية للاستهلاك، أو عمل حرية السوق. على أن تعددية الأساليب، لا يوضح بالضرورة طريقا ً صريحاً، أو هدفا ً محددا ً، وإنما ستكمن العملية ـ برمتها ـ في المشروع (الانباتي) للذات والخامات وما تبثه محركات المرئيات من مخفيات. إن هادي ماهود يمتلك حرية داخل نظام هذه الضوابط: عناصر الفن .. وشعرية أصابعه في رقصها السحري، وفي العمل الخيمائي للخامات بتحويلها إلى قصائد ـ وأحلام ـ يغيب عنها الكلام، لصالح صمت اخذ شكل الخطاب. إن حداثة تنمو ـ مع صعوبة المقارنة بين الحداثات ـ بالضرورة، تحدد كلامنا، بالمختبر. فالرسم لا يتوخى التعليم، والتربية، والسرد، مع انه يتضمنها. ويتضمن عمله بدحض تحول الفن إلى موت (سلعة) للحفاظ على فعل: التلطيخ، كلعب لا يبلغ ذروته، إلا بصمت النص، أو استحالة استنطاقه.
المختبر ـ والصدمات
بالقدر ذاته الذي كان فيه الكهف مختبرا ًلرسامي ذلك العصر، فان المعبد، حتى عندما اصطدم بمختبرات قائمة على سلطات أرضية، وتجريبية، سمح للفنون أن تؤدي عملها المزدوج: المعنى والجمال. على انه، بدل أن تصعد من الأسفل إلى الأعلى، تقّيد الفن بنسق النزول من المجهول، لا إلى الأرض، بل إلى تصّور وحيد رسّخ نظام المركز بالهامش أو بالمحيط. على أن المختبرات، في نظامها التجريبي، سمحت بحرية الحواس، مع بقاء علاقتها متصلة بمحركاتها المادية ـ التاريخية.
لكن فنون الحداثة الأكثر انحيازا ً للفن، بعزلها عن الميتافيزيقا، والوظائف الاجتماعية، لن تتمكن من بلوغ الذروة، إلا بصهر علامات لا تحصى لموروثات الأزمنة السابقة.
هادي ماهود، ترعرع في مناخ غابت عنه المؤسسة الفنية، وتقاليد العرض، والثقافة النقدية. فالمختبر غدا اقل صلة بتقاليده، التي بلغت ذروتها في معهد الفنون الجميلة، حتى نهاية خمسينيات القرن الماضي، وعبر دور ثلاث جماعات فنية أنتجت تنوعها الأسلوبي. فالسنوات العشرين الأخيرة، عمتها الفوضى، إلا انها لم تكن بلا قيود. فقاعات العرض، وليس المؤسسات الرسمية، أسهمت بجذب الأسماء الأكثر رغبة بتأصيل حداثة فاتحة القرن العشرين. في هذا السياق، غاب المختبر، بما يؤديه من اهتمام بالتجريب. فبعد تعطل دور معهد الفنون الجميلة، في بغداد، وتعطل عمل قاعات العرض، وغياب محاولات لتأسيس محترفات للكرافك أو الخزف أو النحت، تحتم، وبعد (2003) أن يواجه الفنان قدره بأية وسيلة تساعده على البقاء. فلم يبق من رواد الفن من سيشكل ظاهرة امتداد، عدا أسماء للذكرى، ربما كان لوجودها استفزازا ً للتخلي حتى عن أفضل منجزاتها، للمضي ببلورة مختبراتها الخاصة. فبعد رحيل فائق حسن وصالح القره غولي وإسماعيل فتاح، وهجرة عدد كبير من الأساتذة والفنانين، وبعد أن نكب الفن العراقي بتدمير مركز الفنون وفقدان محتوياته، لم يبق الكثير من العون لدي الجيل الشاب، والجديد، إلا لملمة جراحه، بالمعنى الواقعي، وانتظار بذل جهد لا مناص لا يقارن إلا بجهد (المتصوف) في بلوغ درجة القطيعة مع الكل (الآثم) وفي الخلاص الفردي: جهد لا يمتلك لا يمتلك أن يتمرد، حد الدحض، على ماضيه. فالحداثات ذاتها، ضمن عالم لا يكف عن التحول والتشكل، انحازت إلى ما بعدها: اكتشاف الحياة! الحياة خارج الفن ـ وخارج التجربة الفنية. فالقرن الماضي، بتنوع اتجاهاته ومدارسه ومغامراته، داخل أوربا وخارجها، وعبر حرية السوق، وبالدرجة الأولى عبر المنافسة في البحث عن: الجديد. الجديد لا بمعنى البحث عن (الجوهر/ الامتلاء/ الجمال) بل بالبحث عن الراديكالي الأكثر إثارة والأكثر رواجا ونفعا وربحا ً، وقد أدت وسائل الاتصال ـ الفضائيات وشبكات الاتصال الالكترونية ـ عملها الموازي لحقيقة: الزائل الأكثر قدرة على سبر حقيقة الزوال، أو تمويهات الوهم! فالثابت (وضمنا ً الخالد) لم يعد إلا تصورا ً ذهنيا ً لرأسمال تم نسفه بقوانين التراكم، والتصادمات الكبرى، تحت أي مسمى كان، حضاريا ً أو اقتصاديا ً، فالوحشية أو البربرية سمحت للتدمير أن تعيد مظاهر النزوع إلى المخالب والأنياب، والى اكثر العصور عشوائية في مواجهة: قدرها.
في هذا المناخ، دون إهمال انحسار دور الفن داخل معمار المدن، وتقلص دوره الاجتماعي، والثقافي، وضمن تجدد خرائط النشاط ومراكزه، عبر الهجرة الدائمة للمهارات والمواهب، لم يبق للمختبر إلا أن يتشكل برؤية موازية لمشاهد التصادم، والتصدع الاجتماعي، وتداخل المفاهيم، وانحسار اكثر التقاليد رسوخا ً:الجمال، وقواعد الحوار، والتكامل لا بين الأمم والشعوب، أو بين الفرد والمجتمع المصّدع، بل في حدود ملكة الفنان ذاته. فالبحث عن (أمل) ، دفع بالبراغماتية إلى ذروتها، وأعيد لـ (هوبز) حضوره، بجعل العشوائية تبدو وحدها شرعية: حرب الجميع ضد الجميع. حيث العولمة لم تعد إزاء قوانين ابتلاع الثروات، بل تدمير الإنسان نفسه. وإذا كانت أوربا قد أنتجت، ضمن حداثتها، عند نيتشه أو هيدغر، ذروتها في تأمل: العدم أو المجهول. فان حرية عمل المال، سمحت لحريات (السجون) بازدهار شرعيا ًومقنن بضوابط القوانين، سبق لفوكو أن عالجها، بعمل المؤسسات الكبرى: السجون والعيادات والأسواق. فالفنان، في هذا المشهد، ليس كائنا ً خارج بنية لعالم يوحده الانضباط، وقد ازدهرت صناعة الموت (الإرهاب) كمظاهر مسرحية واحتفالية تنسف أي أمل يسمح للفرد بالمغامرة .. والتمسك بما هو قابع في المجهول: في الزوال.
هذا التصّور لا يستند إلى البذخ ـحد الابتذال ـ بدور الإعلام المبرمج، في رسم مشاهد الهدم، والقتل، والخراب، بل إلى الواقعية باسط مفاهيمها: أن لا يستلب المخيال، بحرية المنافسة. فالواقعية، لم تفقد بصرها بعد، والعميان ـ ضمن إرادة الحياة ـ منذ كهف أفلاطون، يأملون أن تحرقهم الشمس، بدل الانتقال من الليل إلى النهار، أم من النهار إلى الليل! فأي فن باستطاعته أن يكون شاهدا ً، والكائنات، كالأشياء، تخضع لنوابض تجعل منها: ذبذبات، بعد أن كانت كوارث الماضي، تطمر الحضارات وتدفنها، كي تحولها إلى أطلال، أو إلى مدافن أو رماد؟ بمعنى: إذا كان الماضي قد خلف ـ لنا ـ للإنسان وهو يواجه اندثاره ـ علامات ما دالة على المقاومة.. فأية علامات بالإمكان أن تبلغ اللا شكل، أو: الأثير!

دورة الاندثار والدهشة: المشترك والاستثنائي
تزدحم نصوص هادي ماهود ـ وهي احد مكونات ذاكرته الشخصية ـ بتوثيق (علامات/ إشارات/ أشكال) شعبية لا علاقة ـ مباشرة ـ لها بالمعنى أو النص الفني المعالج. فالفنان يسمح للفعل الحر أن لا يتقاطع مع اشتغالاته الجمالية ـ الرمزية. فالرسم لم يعد سلعة، لكنه ليس مضادا ً للفعل الداخلي: حرية اللعب.. الذي يقودنا إلى: مهارات الانفعال في حدود النص التقليدي. فنصوص عصر المغارات رسخت قاعدة لم تتعرض للدحض أو النفي، بل، امتدت كي تأخذ أشكالا ً تناسب علاقة الفنان بـ:
1 ـ موروثاته الجمعية/ الشخصية.
2 ـ بالتنويعات الأسلوبية التي لم تهمل المسافة بين الفنان والواقع: البصريات كأشكال مستقلة، وكأشكال لها صلتها بشخصية الرسام.
3 ـ بحداثات عملت على صياغة رموزها بدوافع التجديد، على مستوى النص التقليدي.
وفي سياق العمل التراكمي ـ هذا ـ فالفنان سيواصل تهذيب/ واختزال/ نصوصه بالحرية التي تسمح للرسم أن يؤدي عمل الحلم ولغزه. فالحرية ـ هنا ـ تسمح لأصابع الرسام أن تتلمس أفعال البصر، وباقي الانشغالات الحسية، مما يجعل الرسم، بفعل المنطق الواقعي ـ لا بفعل حرية السوق وحرية التناقض حد التدمير ـ أكثر صلة بأسسه المتوازنة: الأبعاد والحساسية، والذهاب إلى دلالات الرموز المستخدمة. وفي سياق هيمنة الجدل بين الأشكال الهندسية ـ والتلقائية أو العشوائية، يمنح الرسم واقعا ً شعبيا ً معاصرا ً في حدود تقاليد تدرب البصر عليها طويلا ً. فهادي ماهود لا يغادر (المختبر): (المرسم/ ومساحة اللوحة/ والخامات/ والعناصر..والوعي بإشكاليات عصره ..الخ) إلا في حدود النص الفني، كي يعيد يناء المشهد البصري للواقع كوثيقة تسمح لمخيال المتلقي أن يأخذ حرية تناسب موضوعات النص. إنها حرية تمنح الواقعية مساحة لا تغدو فلكلورا ً بمعناه التقليدي، بل فنا ً حداثويا ً يستمد أشكاله من الذاكرة الشعبية: رسومات الجدران/ الحيطان ( وقد سبق للأستاذ شاكر حسن آل سعيد أن استعار العلاقة مع البيئة وصاغها برؤية شخصية) كجزء من مدينة تبني متحفها بإقامة علاقة شعرية معها. فالمركز في نصوص الفنان، تكونه مجموع أجزائه، للحفاظ على ذاكرة توازي (الحلم) بما يمتلك من وظائف ورموز وتشفيرات.
وثمة، في رصد الواقع، واقعية شعرية تمنح الشفافية ذروتها: إنما، في الوقت نفسه، تسمح للمتلقي بمد جسور مع المفهوم الشعبي للفن: إعادة المشاهدة. فهناك، إلى جانب الرموز التقليدية (الطيور/ الأسماك/ ومخلفات اثارية ..الخ) علامات معاصرة: كتابات/ صحف/ طائرات .. الخ، تحيلنا إلى محركاتها الموضوعية ـ الشخصية من ناحية، والخارجية، من ناحية ثانية ـ وهي تغدو علامات لعصر تتحول فيه اصلب (القيم/ الثوابت) وأكثرها قسوة، إلى: أثير، أو ذبذبات.
فالرسام لا يناور، أو يتحايل،بل يغادر مفهوم السلوك المشين للمكائد، والحيل، كي لا يجعل من النص: سلعة، وإنما، كهدم لها بحسب واقعيته، لا بحسب تكرار أنظمة مستعارة. فالرسام لا يزخرف، ولا يصنع بضائعا باذخة، أو منمنمات للترفيه، أو كنماذج تكميلية للتصاميم الداخلية .. الخ بل، على العكس، يهذب عمله الفني داخل عراك بالغ التعقيد: أن يرى الفنان مصيره وقد استحال إلى وثيقة، تاركا ً للحواس أن تدوّن، مثلما للوعي أن يحافظ على فعله السحري ـ القديم /المعاصر ـ في بناء النص الشعبي، وما يتضمنه من تشفيرات خاصة بالأشكال، وطرق معالجتها، فنيا ً وجماليا ً. على أن (الوعي) ليس قبليا ً ـ بلا تجربة تستند إلى الممارسة أو الخبرة ـ إلا بحدود أن الرسم له علاقة بمكوناته، حيث الموروث الشعبي ـ والرسمي، كلاهما يمثلان وعيا ً للتصادم والصراع، وليس تعبيرا ً عن مثال. فتاريخ الرسم لا يذهب ابعد من تاريخ النظر، ومراكز عمل الدماغ المتخصصة. فالتصوير عمل على توثيق العلاقة الواقعية بين الرسام والوعي الجمعي عبر نظام التعبير التشكيلي، وما البعد الرمزي، إلا إضافات ملحقة، ومكملة، لهذا التاريخ. وهنا لا يغادر الفنان مصيره: إعادة تمثل العالم (وضمنا ً الداخلي) بعناصر الرسم، لأن (الميتافيزيقا) السابقة على الوعي ـ وعلى الرسام والمجتمعات البشرية ـ لا تتجسد خالصة، أو بمعزل عن الحركة والامتداد. إنما لن تشكل قوة مستقلة عن المنجز التاريخي للخطاب الفني، بمعناه العملي (النفعي) والجمالي معا ً. فهادي ماهود يحول أعماله الفنية ـ حتى بالنوايا ـ إلى وظائف عليا، أو رمزية متحررة في التأويل، كما فعل عدد من الرسامين بدفع الفن للانحناء إلى الميتافيزيقا، أو مباركتها (ومثال شاكر حسن يوضح مغزى نبذه للتجسيد وصولا ً إلى الواقعية بمعناها المغاير، أو المقلوب) وإنما سيواصل تدوين ـ بعمل الأصابع المتراكم ـ صلته بالواقع. ولأن جواد سليم، بذر مفهوم الرهافة والعفوية والتلقائية، فان عددا ً من الفنانين سيستثمرون مفهوم (الإنبات) بحسب تضافر عوامله. هادي ماهود، هنا، يدشن مسارا ً لما يزل يتضمن إضافاته: مسار جعل النص مركزا ً يلخص مفهوم الرسم الحديث، كي يغادر (عالمه الباذخ) نحو عالم زاخر بالمتغيرات، والصدمات، والأحلام.
تراه، على سبيل المثال، يختار رؤية العالم من (أعلى) كي تغدو نصوصه خرائط وزعّت عليها المساحات والأشكال، كما رآها السومري، قبل خمسة آلاف سنة، حيث كلما ابتعد الرائي عن الأرض، تقلصت الأشكال ـ الأنهار والبيوت والشوارع ـ إلى خطوط ونقاط، ثم تختفي! فالرؤية عن بعد ـ ومن فوق ـ تغاير المنظور التقليدي للرسم، حيث نقطة التلاشي لا تغادر صلة الرسام بالأرض، وفي الوقت نفسه، تسمح برؤيتها كمرتفعات ومنخفضات: سطوح تخفي محركاتها، كأطلال؛ مدن وممتلكات اندثرت واستقرت بعيدا ً عن تفاصيلها، تحت تلك السطوح، وكأن بعض أعماله تصّور نهايات كوارث كبرى كالبراكين أو الطوفانات أو الحروب المروعة. الأمر الذي سمح لنا ـ وللمتلقي ربما ـ بعمل استرجاعي يعيد عبره تأويل السطوح بما تخفيه، وأخيرا ً، بما تدل عليه. لكن هذا محض تأويل، وإنما ليس فائضا ً، عندما لا يكون النص خال ٍ من عمله المشفر، لدى فنان عمل على منح التجريد أصوله الواقعية، بعيدا ً عن الميتافيزيقا، حيث لا يتشكل النص إلا بعدا من أبعاد الواقع، لكن ليس تكرارا ً أو محاكاة له.
على أن البعد الجمالي: كغواية دائمة لمواصلة توثيق الدهشة، وسحرها الملغز، تعلن عن أسى غير خفي لتراث الرسم الشعبي، منذ تصوير الثيران والغزلان، مرورا ً برسومات عصور ما قبل الكتابة، وصولا ً إلى ما بعد الحداثة، تداخلا ً بعصر العولمة وأفولها: السحر وقد أعلن عن وظائفه، وأدواته. فالرسم، قبل الكتابة بزمن طويل، فعل فعل ْ ارتكاب المعصية: النزول إلى ارض الابتلاء والموت. وهو ليس مغزى رمزيا ً لحدث واقعي فحسب، بل لأسطورة الواقع من المنظور الشعبي وتراثه الراسخ عبر اللا شعور الجمعي. فالنصوص ستأخذ موقعها من الذاكرة، في عملها الشعري، بما يمثل المفهوم الواقعي بمحركاته السحرية: الدهشة، وتقصي المخفيات، واللذائذ في شططها وذروتها الملغزة، في تلمس خلايا الخامات، وتركيبها، كأبجدية سابقة على الكتابة، للمعنى. إن هذا البعد الذي لخّص تاريخ الفنون الجميلة، لم ينغلق عند الانبهار، بل سيمتد بنظام التعبير، للإفصاح عن مرارات الدفن، ولوعة ما يتركه الغياب والغائب. فأعماله الفنية لا تصّور اللذائذ، ولا تحتفل، ولا تحول التراب إلى ماس أو إلى ذهب، بل، في الغالب، تمسك بالجمال كي لا يبوح بأكثر من المعاني وقد بلغت ذروتها: الصمت. فإذا كانت ثمة تأويلات، وشروحات للدلالة، ذات فائدة ما، في تقصي المسافة بين النص والواقع، فثمة، في الرسم، ذروة تصدعها غواية الفعل: الامتداد. فالدفن ـ وما تحت السطح أو في العمق ـ سيغدو مرئيا ً. فالرسم ليس كتابة، بل جذر، إنما، كالوردة، يتسع منطقها طالما تداخلت بمكوناتها، وضمنا ً، دور المتلقي الذي غدا، رساما ً، أي: فاعلا ًفي عملية الابتكار، وليس الدفن، إلا حد من حدود الوردة.
هذا السياق، جعل (الأنا) ـ أنا الرسام ـ أنا جماعية، وقد أصبح المركز فيها، خارج الوظيفة، أو القصد، لأن النص ـ بعد قرن أو عقود ـ لن يمثل الرسام إلا بصفته علامة لعصر. على أنها (علامة) ليست بين علامات ـ كوظيفة ـ بل كبوح لوثائق دوّن فيها الرسام دورة: الغياب والدهشة.


بمثابة خاتمة: انشغالات متعددة

ليس أمام بصر هادي ماهود، مقارنة برسام في عصر المغارات لم ينشغل بالرسم إلا بقدر معالجة مشكلات الطرائد، إلا فجوة سيردمها باستئناف محاولات الإمساك بكيان قيد التدمير. إن جدران المغارات لا تروي الذعر ـ بتنوع الأشكال ورموزها ووظائفها السحرية ـ فحسب، بل البهجة الغامضة لديمومة المقاومة: التمسك باليات السيطرة على المكان، لكن بأدوات الزمن: الفعل. فالجدران المعاصرة، كالغابات القديمة، لها كثافة استثنائية: أسوار وأنفاق وحواجز ومواقع وانغلاقات لا تبدأ بالغرفة كي تنتهي بالشوارع، بل تمتد كي لا تترك للسماء إلا علامات عسكرية تنذر بما كان يحدثه مرور نمرة أو لبوة أنهكها الجوع أمام طريدتها. إن حواس هادي ماهود ستتركز برصد الكائنات وقد استحالت إلى بقع، وعجائن، وأشكال مبعثرة، طليقة، وعشوائية، لتمضي في رصدها لا بحثا ً عن (الحقيقة) بل عن: الرسم! فالمسافة لم تعد وهمية، أو رمزية، بل واقعية تتداخل عبرها المنبهات، والمتاهات. فالموضوع، موضوع الرسم، المقتطع من المشهد المتحرك، لن يروي أو يسرد، بل يختزل، وبدوره يسهم بالقطيعة مع المصدر. فالواقع لا ينتج واقعيته، كما أن الفلسفة لن تنتج تصورات إضافية. إنهما ـ الواقع وتمثلاته الذهنية ـ يندمجان بخلق مشهد ينتظم عبر عناصره. فالرسم يتحدد عبر تركيب هذه العناصر وكأنه يرسم ما يراه، بعد أن كفت المرئيات عن وجودها الواقعي. على أن النص الفني لا يمارس غوايته إلا بصفته حساسية: الحفاظ على ما هو غير محدد. لأن (الحساسية) البكر ليست ترفا ً أو خبرة أو مهارة فائضة، وإنما، في الغالب ـ أو كاحتمال ـ لا تعزل عن نظام الاتصال. فالحساسية تستدرج الآخر إليها عبر تكنيكها المشغول بالمصادفات لديمومة معنى وجود الرسم، كعلامة بين الذات والمحيط الخارجي. إنها غاية دمجت وسائلها داخلها، كالشعر أو كالموسيقا، حيث ثمة ما لا يقبل الإيضاح، إلا كالجاذبية. إن هادي ماهود يرسم بوعي تحرر من قيوده؛ قيود المعنى، ودفع بالرسم كي يعالج غايته كبعد لا يخص اللمس أو البصر أو الشم فحسب، بل النداء. والأخير، دفعه لتكرار أشكال لها وظائفها الرمزية: السمكة/ الطير/ الثور .. الخ إنما سيمنح السمكة أولوية قابلة للتأويل. لماذا السمكة؟ أهو الطيران.. ؟ لماذا الطيران..؟ أهي الرغبات ..؟ لماذا الرغبات ... الخ انه سؤال لا يخص الشكل ـ الرمز ـ بل التكوين. فالرسم ليس ضد الرسم، إلا كي يمنحنا ما تعمل عليه الموسيقا وهي تعكس مقاصدها كاملة. إنها ليست الذروة أو الغاية أو البلاغة، بل الأكثر صلة بـ: التلقائية. على أنها ذات تاريخ يمتد مع البصر، قبل تمتع الدماغ بمعرفة الألوان والدرجان اللونية، أي، قبل اكتشاف خاصية الموجات أو الأبعاد اللونية، حيث كان للتلقائية ـ بغموضها ـ لغزها في التدريب. فالسحر ـ كنظام ـ وازن بين العجز والسيطرة. وهنا، يستعيد الرسام مفهوم الحداثة بصفتها مضادة لانغلاق أوربا في تراكماتها المعرفية. فاستعادة منطق الذهاب ابعد من حدود الجسد، والمطاردة، والغابة، ولدّ نوايا الاتساع، إلا أنها لن تخص قانونها: الارتداد نحو الجسد، والصفر. فإذا كانت الحواس قد عمل على ديمومة الجسد، كوسائل سحرية للبقاء، فان ما لا يقبل الشرح، الخاص بالوجود في ذاتهن سينقلنا إلى المجال الجمالي، وقد بلغ لا قصديته أو عجزه في الذهاب ابعد من الأشكال وباقي عناصر الرسم.
لنتوقف عند السمكة: إنها أقدم الكائنات المتحجرة صلة بالفضاء. فالماء، له مغزاه، كالهواء تماما ً، ضمن التكوين البكر للخلايا؛ للبذور التي تبحث عن مغادرة، وتوق لانعتاقها، والكف عن انغلاقها. إن مفهوم (الرحم) ـ وإن كان سيشكل دافعا ً للرجوع إليها عبر القبر ـ يذهب ابعد من الرحمة: انه الانغلاق الأول بما يمثله من سجن مثالي ومحكم، إلا أن البذرة ستناضل، بالعوامل المكملة، للمغادرة. إن البذرة ـ تلك السمكة ـ ستعمل على هدم المكان، كي تمسك بالزمن. فالسمكة ليست عودة إلى الماء، أو الرحم فحسب، بل الانشغال في تصوير (الرغبة) ذاتها. لأن الإنسان المعاصر ـ الحساس تجاه تأمل كل ما هو زائل، وتأمل زواله، وإدراك انه لا ينتج إلا الذي سيفقده ـ سيمتلك الواقعية، ومخفياتها: انه موجود كي يدرك انه لا يمتلك إلا أن يفقد وجوده. فثمة آليات تحددها العلاقة بين الذات والمحيط، وبين الذات والآخرين، وبين الذات وأعماقها السحيقة. فالسمكة ليست علامة لمخلوق متحجر، أو أسير نظامه، أو براءة معرضة للتلف فحسب، بل حلما ً للامتداد. فهي اقرب إلى زمن الطائرة ـ لكن الحربية ـ وقد استحالت إلى طائرة ورقية: حمراء وبيضاء وبلورية .. كي لا نرى عدا طفولة عليها ان تبلغ ذروتها: غيابها. فالرسام، في تأمل مشاهد الدخان والنار وشتى مشاهد الخراب، يتمسك بالطيور والأسماك والأشجار .. الخ وقد تحولت إلى بقع لونية نادرة تذكرنا برسومات الأطفال، وتارة بأساليب الشعراء في الرسم. فثمة هدم متواصل للأشكال، وتفكيك للعناصر، يجعل منها مشهدا ً يكمل بعضه البعض الآخر. بمعنى أن الرسام، لا يختتم نصه، بنهاية، بل يجعل منه امتدادا ً لنص آخر. وتجربته، كعمل السحرة، لا يتوقف إلا ليجد في الامتداد، وثيقة ـ علامات ـ لإعادة استكمال رؤية الحركة في تتابعها. الأمر الذي دفعه، في نصوص عامي (2007 ـ 2008)، لجمع علامات ورموز وانشغالات تكنيكية زاخرة بمتطلبات تصوير المشهد كاملا ً. انه لم يعد إزاء ممر، أو نافذة، أو باب (وهي أشكال هندسية تتكرر ضمن عشوائية عمل الفرشاة وضمن الأشكال الحرة ) وإنما إزاء مدن مقلوبة، وأحيانا مدفونة، وفي الغالب لا يراها إلا عبر عمل الحالم داخل حلمه: أي الحالم الواعي انه أكثر انشغالا ً بفعالية الحلم ومحركاته وعلاماته. فالعلامات ـ كالرموز والإشارات ـ تتبعثر، وتتناثر، لتصّور واقعية المشهد، في جذوره، وفي ذروته: الشعر أو الموسيقا. على أن الشعر ـ كالموسيقا ـ لا يكمن إلا في الشعري، مثلما لا تمتلك الموسيقا سرها إلا في لغز ما لا يمكن إدراكه، حيث الحركة تكف ان تكون حركة مكانية، كي تجعل من (الموضوع) في النهاية: خالصا ً، أو ـ: لا موضوعا ً. فثمة تراكما ً/ تزامنا ً/ تجميعا ً/ تكديسا ً/ لمؤثرات، ولقى، وأشياء تعمل، للتحرر من عملها، كي تحافظ على صيرورة: الدفن ـ الإنبات. وربما تلخص هذه الانشغالات الشاردة، بما تمتلكه من نسق يقارن بنسق الحلم، وربما بدوافعه واليات عمله وغموضه ـ هربا ً ـ لكن ـ للإقامة فيه: انه لم يعد يحدق في المجهول، بل، على العكس: ترك المجهول يحدق فيه. فالحضارة المعاصرة (حضارة الشمال/ الجنوب) أو (الأكثر قسوة/ والأكثر استعدادا ً للذوبان) في عملها، لا تمتلك إلا أن تعيد صياغة عصر البربرية: القنص. بيد أن (الخبرة/ المهارة/ والتراكم) قد عملت على تحديد الأهداف. إن رسومات هذه الحقبة، لا تعلن عن انتصار فلسفة أو رؤية، أو خيبتها: إنها تهرب منها، لتغادرها، كي تغدو شاخصا ً في مدفنها. ذلك لأن أحلام وحدوس ومجسات رجل الكهف ـ كالفنان في عصر العولمة وأفولها ـ برمج كل ما سيأخذ مداه في البحث عن طريدة. على أن الأول، في بحثه عن الطريدة (بصفتها الحقيقة) لم يترك للآخر، إلا بحثا ً لم يشغله عن الإمساك بها، بل الاحتفال بها جماليا ً، بغواية أن العدم أعمى، أو قد غدا أكثر إقامة في الصيرورة: صيرورة الرائي وهو لا يمسك إلا بما سيغدو أثرا ً: بقعا ً لونية، وخطوطا ً وحدها تحكي حدثا ً يصعب أن تكون نهايته، إلا وقد تلبست ـ حد الغواية وكمائن لذائذ ها ـ وديناميتها، ولغزها: الدفن. إن هادي ماهود، كزملاء له، يغادر هامش الحداثة، وما بعدها، كي يقيم فيها: لغزها وقد سمح للحواس أن تدرك، أنها لا ترى إلا ما تثبته، بشعرية جمال المرارات، وطعم الأثير، فيما الحياة وحدها قد كفت أن تنغلق.
28/ 1/ 2009 ـ بغداد

  •  

  •  

  • في تجربة هادي ماهود التشكيلية
    الرسم بين اشتغال الوثيقة وتشفيرات النص الفني
    [ جذور الذاكرة: مرارات الغواية وفتنتها]
    عادل كامل

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

ورقة من حياة فنان