•  

  • "يشكل الفن المعاصر تحديا للأفكار التقليدية للعمل الفني وللجمهور وللفنان نفسه، وهذا ما ساهم في إحداث تغير نموذجي في الممارسة الفنية التقليدية. وتحول الأمر من التركيز على العمل الفني نفسه إلى التركيز على إمكانات ما بعد العمل الفني"[1].

     هكذا يتفق أغلب الباحثين والنقاد كون ميزة الفن التشكيلي لا تكتمل دون تغيير منطق التفكير ومحاورة الوجود وملامسة المتغيرات الأنطولوجية والإبستيمولوجية، لتتقارب الصورة الإبداعية مع مرادفتها في الواقع الاجتماعي والسياسي، هذا ولا يمكننا أن ننفي كون جنوح المبدع عن واقعه هو في حدّ ذاته تعبير صارخ على آلام وعقد الواقع الحياتي والمعرفي، وتندرج في إطار بحث المبدع عن المنشود من خلال تعرية وكشف الواقع في نظرة ذات خصوصية للوجود الإنساني في كلينته، فالفنان التشكيلي يمتلك نظرة خاصة للموجود، نظرة تساؤل الأحداث والتطورات المعرفية والفكرية من خلال بنية الشكل وتسايرها بتفاعلات لونية تكشف لغة جمالية بصرية في ظاهرها وتبطن عالم من الرموز الدلالية في لحظة انكشاف قصوى للواقع.

 حيث تبقي النظرة العميقة القائمة على منهج تحليلي موضوعي تغوص في الذات الكائنة وتعريها لتنكشف بواطنها وتنحدر لمنطق التحليل العقلاني وتنسلخ فيها الذوات المترفعة عن التأليه ومنطق القداسية وبذلك يدفع الفن لنزع أقنعة المحرمات والمقدس التي رافقت الفكر الإنساني عامة والفكر العربي خاصة وتتأتي خصوصية التجربة العربية في هذا المنحى لكونها بقيت تجربة حاملة لسجال نقدي مثير. رسم معالمه النقاد العرب في حدّ ذاتهم  الذين يرونا كون الممارسة التشكيلية العربية  أسيرت للخطاب المثيولوجي تعلن قيم وخطب مثالية جعلت منها تجربة ملثمة بحنين التراث وحضارة السلف في إطار بحث مضني عن تكريس خطاب جمالي تشكيلي عربي يختص بتمرير منهج تشكيلي مستقل يرتقي إلى على ما أصطلح بتسميته الهوية[2] .

 وهذا التصادم النقدي عبر عنه الفنان المغربي "نور الدين الفاتحي" بقوله: "الشرقاوي والغرباوي وجواد سليم وفائق حسن وشاكر حسن آل سعيد هيؤا لنا تركيبة جاهزة للدخول في مشروع متذبذب بين حداثة فضفاضة وجسد مريض، ورثناه بدون وصفة طبية ولا تحليل مخبري. جسد بدا كجثة متعفنة، رائحتها تجلب الضباع والنسور من أعالي جبال المكر والضغينة والتفقير.

في هذه الأجواء خرجت أعمال ورثة هؤلاء الفنانين في حلة مزركشة، تتباهي بجمال متحفي ينشد الطمأنينة البلهاء وينتصر لاستقرار متكاسل، لا يفاجئ ولا يهدم ولا يصدم ولا يقلق.. بل العكس يحافظ علي ما هو اصلي ومتداول، ويحث علي التمسك بالصور القائمة والممارسات المتداولة ضمن رؤية أخري لمجتمع سينهض علي تبعية سطحية لتجربة إنسانية جديدة لا تستقر علي حال، تجربة ستظل منفلتة علي إدراكنا وممارساتها حتى الآن.. تجربة وان لم نكن ملزمين بخوض غمارها، فنحن مطالبون بمصاحبتها نقدا وإبداعا وبمعني آخر، فنحن ملزمون بإيتاء ما يضاهيها أو يوازيها ويقوم مقامها"[3].

 هذا المصطلح الحامل لعدة أوجه متداخلة بين المرجعية الحضارية والسياسية وكذلك الاقتصادية مثل وجهة تعبيرية لثلة كبيرة من الفنانين العرب خلال النصف الثاني من القرن المنقضي وإلى حد الوقت الراهن والذي ذكر الفنان المغربي " نور الدين الفاتحي" جملة من أقطاب هذا التوجه الفني الذي ساد في الحقبة المذكورة.

 هذا ولئن كان هذا التوجه في ظاهره يبحث عن منظومة جمالية ومادية فنية خاصة بالقطب الشرقي العربي لأجل إدراك أو بالأحرى ترسيخ "هوية" فنية عربية، فإنه في ذات الحين يبطن خطاب تصادمي بين الغرب والشرق، بما يبطنه هذا الخطاب في بعده الفكري من خلفيات إيديولوجية موروثة أساسا من لبنة البعد التفاضلي المتعالي التي يكرسه المنطق السياسي الغربي في تحديد تموقعه داخل هذا العالم قبالة الفكر والتصور العربي الذي يرى في ماضه جذور الريادة، وفي ظل هذا التشظي الفكري والتنوع المعرفي في رؤية العالم تراكمت الأبعاد الإيديولوجية في تحديد التوجهات الإبداعية للفنان التشكيلي العربي وبخاصة خلال النصف الثاني من القرن الماضي وبصفة خاصة مع تنامي النظم السياسية ذات التوجهات القومية وكذلك مع تنامي وتغلل الأفكار الناصرية في مصر والبعثية في العراق وتعلق الذات العربية بإمكانية الرقي والتطور أو بالأحرى إمكانية نيل شيئا من إشعاع الحضارة الماضية زمن الخلافة الراشدة وما تلاها من إشعاع للحضارة العربية الإسلامية.

وفي ظل هذه الإرهاصات الفكرية والسياسية التي سكنت الفكر العربي رأي العديد من الفنانين في العودة للماضي دليل على الاختلاف والتفرد فسارعت المدرسة العراقية لتشكيل جماعة البعد الواحد ومنها  تشكلت جملة أخرى من المجموعات تبني أفرادها بيان البعد الواحد الذي يرى في استدعاء الخط العربي منفذا لتقديم خطاب جمالي عربي مخالف للنمط الغربي السائد، والتي يرى فيها أغلب النقاد كونها تجربة                     

نواياها حسنة بما تعلنه من محاولة تحديد منهج مستقل يبرز خصوصية جمالية ومادية في معالجة القضايا الفكرية والإبداعية للعالم العربي ولكنها في ذات الحين هي تجربة أفرزت جدل نقدي كبير بين ما تعلنه هذه المجموعات أو حركة الحروفية العربية من سعى للتفرد وما قدمته من إقتداء كلي بالمنهج العربي على مستوى المحمل والمواد المعتمدة لتقديم توجهاتها، وهو ما من شأنه أن جعل التجربة العربية موضع تساؤل وحيرة بين ذاك الهاجس المشترك الباحث عن التفرد في صياغة هوية إبداعية عربية وذاك الأسلوب المنحاز إلى التعبير باعتماد أسلوب ومنهج "الأخر" الغربي، فتواترت الدراسات حول هذه التجارب فبرزت مواطن الخلل في الممارسات العربية، حيث تفطن الباحثين إلى كون هذه التجارب لا تتعدى عموما ـ مع بعض الاستثناءات ـ النسخ والمحاكاة، فلا يمكننا أن ننفي التأثر الواضح للأب الروحي لجماعة البعد الواحد "شاكر حسن آل سعيد" بأسلوب ومنهج "تابياس" (Tapies)  حدا أصبحنا نرى فيه نوعا من الممهاة بين أعمال هذا الفنان العربي وذاك الغربي، لتتشتت بذلك الهوية بطابعها القومي العرقي في فضاء تداخلت فيه "الهويات" في إطار بحث مشط عن هوية مستقلة.

ولعل هذا ما من شأنه أن سارع بسقوط الحركة العربية الوحيدة وتشتت أعضاءها لتنطلق التجارب الفردية في معالجة هذه الإشكالية التي أرقت جسد المبدع أو الفنان التشكيلي العربي، هذا الفنان الذي أصبح ممزقا بين إمكانية اللحاق زمنيا بمفاهيم وجمالية الخطاب التشكيلي العالمي المعاصر والبقاء في سجال الإرث الحضاري الفني للهوية، وما أفرزه هذا التشبث بمسألة الهوية من سجال نقدي وصل حد القول بكون أغلب هذه التجارب لا تعبر عن توجهاتها العربية إلا من خلال اللغة المعتمدة في الأشكال، وفي هذا جاء إنزياح كثرة من فناني الحقبة الجديدة بداية من تسعينات القرن الماضي نحو البحث عن منطق مغاير للسائد في التوجه التشكيلي العربي يواكب في ذات الوقت تصورات ورؤى الفكر الجمالي المعاصر.

          وعلى هذه الأسس برزت موجة فنية عربية معاصرة زمنا وفكرا للأفكار الجمالية والوقائع والأحداث التي على ضوئها أنبنى الصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب.

وهي تجارب فردية تنوعت أسلوبا ومنهجا على منطق الإبداع عند أقطاب الحركة الحروفية إلى أن وصلت مع بعض الفناني المغتربين حدّ التفكير بمنطق ينقل أو يبحث في هوية المشرق بأسلوب فكري ناقد، ساخر يلامس في فحواه العقيدة الإيديولوجية والتركيبة الاجتماعية للمجتمع العربي راصدا علاقات التصادم الفكري والإيديولوجي بين "الأنا" (العربي) و"الأخر" (الغربي) لتطرح قضية جديدة شكلا ومضمونا تخلصت على ضوئه التجربة الإبداعية العربية  كليا من ما يمكن أن نسميه بعقدة الإرث الحضاري للخط العربي وغيره من الفنون إبان الحضارة الإسلامية فلم يعد الفنان يبحث عن انطلاقة جديدة لتوظيف الخط العربي وإنما يبحث عن منطق إبداعي ذو خصوصية متفردة "تعبر خاصة عن إرادة التجاوز"[4] بطبيعة مضمونها الفكري الذي يعالج قضايا معاصرة أكثر من أن يبحث في مقبرة التاريخ، وفي هذا نجد ما قام به الفنان المغربي المقيم بفرنسا "منير الفاطمي" أكثر تعبيرا على خصوصية التجربة الفنية العربية الجديدة هو سكب المغربي للحروف العربية في الفضاء في عمل تنصيبي يوحي بأكثر من تأويل ودلالة، حيث عمد الفنان  لبناء جملة من التركيبات الخطية بتوظيف مادة معدنية صلبة ووضعها في صندوق و ألقى بها في قاعة العرض في حركة أدائية تعكس الخلفية الفكرية التي يتبنها الفنان في إبداعه وأفكاره حول سجال الهوية السائد في الفضاء التشكيلي العربي ينطلق ، ليقدم الفاطمي هذه الجدلية (الهوية) بمنظور وتصور مختلف ومغاير لمسألة إستدعاء الإرث الثقافي في بناء أسلوب فكرى ذا خصوصية للممارسة التشكيلية العربية، فكما هو مبين في هذا العمل يعمد الفاطمي عبر عمله النحتي الأدائي الذهني إلى تمرير فكره الداعي إلى التحرر من عقد القديم أو مفهوم الإرث لتقديم تصور فني عربي مخالف لنظيره الغربي، والعودة لتقييم الواقع الجمالي التشكيلي المعاصر ومسيرة التطورات التي يطرحها وعلى ضوء تحليل الأفكار والروافد الجديد يكون طرح الرؤية الذاتية ومنها معالجة الواقع السياسي والاجتماعي للبلدان العربية، وفي هذا قام الفاطمي بطرح عمله التنصيبي التالي في إشارة غير صريحة للتجاوز وإعادة بناء أسس التجربة الفنية العربية.

وفي هذا الصدد انطلقت رحلة بحث الجيل الجديد على تكريس نمط مختلف عن جدلية الهوية والإرث لطرح أفكار وتصورات معاصرة  تطرقت أغلبها على غرار تجربة المغربي  لقراءة واقع العلاقات والنظم التواصلية بين قطبي الصراع الإيديولوجي المعاصر في بعديه الشرقي والغربي و إشكالية "الأنا"و"الأخر" لتصبح العلاقة القائمة بين الغرب والشرق موضعا للتساؤل الإبداعي والطرح الجمالي   عبر من خلالها الفاطمي عن جملة من المشاكل السياسية وكذلك العقائدية وتداعياتها على العالم، وفي هذا كان اهتمامه بطرحه تصوره لأحداث 11سبتمبر 2001 وسقوط برجي التجارة العالمين ومن قراءته لهذا الحدث العالمي انطلق المغربي في معالجة مفهوم شائك ومتداخل الأطر، مفهوما مثل هو الأخر وجه من أوجه الصراع الغربي العربي والمقصود هنا مصطلح "الإرهاب" وما رفقه  تطاحن وصراع بين القطبين أو بين الأنا والأخر في مفهومها الشمولي حيث قدم الفاطمي ثلاث تصورات لأحداث 11 سبتمبر تحت عنوان مشترك وأرقام متسلسلة  مطلقا عليه اسم "إنقاص مانهاتن"، والمميز في هذه التجربة المتكررة لدى "منير الفاطمي" كونها قدمت  في  تصورات مختلفة وكانت المواد الموظفة في طرح العمل هي موطن الاختلاف حيث سعى الفنان لقراءة هذا الحدث وفقا لتطورات تفاعل العالم والباحثين معه محاولا كشف وتعرية جوهر الأحداث والأفعال التي رفقته. وبالرغم من تكراره فإن هذا العمل يحمل ذات الفكرة القائمة أساسا على تأويل الواقع وطرحه بأسلوب يرتقي بالحدث إلى مستوى الإبداع.

     وهكذا فإن الفنان المغربي يقوم بإثارة الوقع التصادمي بين الشرق والغرب ويعيده في شكل إبداعي ويعيده طرحه وفقا لمنظور يدعوا للإعادة التأمل والتفكير وفك روابط وخلفيات الأفعال وفقا لرؤية يحكمها مفهوم التأويل الموضوعي والمنطقي لتكون قراءة الحدث الأكثر تأثرا في سياق العالم الحديث قراءة منفتحة ومتحررة من قيود الرسالة الإعلامية المحنطة والخاضعة لإملاءات القوة المهيمنة، و في هذا بالذات يشاطر الباحث التونسي "حميدة مخلوف" تصورات الفاطمي حول الصورة الإعلامية حيث يقول كون " صورة تحطيم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك زعزعت قناعات الناس في أصقاع الدنيا، وكانت سببا في تمرير إيديولوجيا (الحرب ضد الإرهاب)،"[5]    

 ومن خلال طرحه التشكيلي ورؤيته الفنية  يقدم المغربي أسلوب فني يخالف السائد المعتاد في التجارب العربية السالفة له وبخاصة تلك المعتمدة على الإرث، فهو يقدم أعمال تثير الجدل وتعيد الواقع بأحداثه المتفرقة للتساؤل والبحث طرحا بذلك  إمكانات جديد لتأويل وذات قراءة مغايرة لصورة الواقع بما أنها منبع للإبداع والتفاعل الفكري، ليخلق حوار منفتح بين الحدث والمتلقي وبخاصة أنه يقوم بعرض رؤية تفكيكية تحليلية للمواطن وأحداث الصراع الغربي العربي مبرزا مكامنه الإيديولوجية والعقائدية بمعنى أن فاطمي لا يوثق الأفعال وإنما يسايرها زمنيا بمنطق يحمل خصوصية في الأسلوب والطرح لأنه يلامس الواقع حدثا ويتجاوزه طرحا، حتى أنه لا يمكننا أن نفهم أو نعي ارتباط العمل المقدم للواقع المعاش إلا من ضمن قراءتنا للعنوان على غرار عمله"إنقاذ مانهاتن" في تصوراته الثلاثة بطرافة مواد تناوله وغرابتها، وهي غرابة تبطن رسائل ضمنية للمتلقي المتنوع هو الأخر بين الشرق والغرب ولنا في تلك الغرابة والطرافة الباعثة على التأويل والتحليل وإعادة التقييم أنموذج عمله "إنقاذ مانهاتن" في نسخته الأولى حيث تطرق الفنان إلى اعتماد جملة من الكتب والمؤلفات التي رافقت أحدث  11 سبتمبر ويتوسطها نسختين من كتاب القرآن كإيحاء أو تأكيدا أو بحثا عن مصداقية الاتهام بكون الشرق الإسلامي هو من قام بهذا الحدث.

 هذا وقد قام الفنان المغربي بتنظيم فضاء تنصيبته وفقا لمنظور أفقي وعمودي محاكيا بذلك التركيبة المعمارية لبرجي التجارة من حيث الشكل، إلى جانب توظفه للضوء  قصد إعطاء صورة مظللة لتنصيبته تضاهي واقع مدينة  نيويورك وتحديدا "مانهاتن".

 وهو عمل يبعث على الحيرة والتساؤل ومكمن هذه الحيرة هي تلك الطريقة الانتقائية التي على ضوئها اختار الفاطمي كتب تنصيبته  حيث عمد إلى توظيف عناوين تؤكد ذاك الصراع العقائدي بين الغرب والشرق  حتي في مستوى الإنتاج الفكري ليقوم بتعرية الواقع السائد وكشف تأثير الخطاب الإيديولوجي حتى على مستوى الإنتاج الفكري وهو ما يمكن أن يعه القارئ المتأمل في عمله هذا من العناوين المطروحة في بناء هذا العمل  ولنا في ذلك  كتاب ل " Gérard Chaliand et Arnaud Blin[6]" والصادر تحت عنوان "تاريخ الإرهاب"، إلى جانب كتاب "مستقبل الإسلام" هذا إضافة إلى عدة كتب أخرى تتمحور جلها حول مفهوم إيديولوجيا العقيدة وفكرة التصادم ليقدم الفنان مجسما خاصا به لأحداث 11 سبتمبر، وفي هذا يقول " العمل الفني الذي جسدته، اعتمدت فيه معظم الكتب التي أدرجت بعد 11 سبتمبر لتكوين مجسما لمانهاتن"[7]، وهو عمل يبعث على الحيرة وإعادة قراءة الواقع وتقييم الأحداث كما تبرزه مواده وطريقة طرحه كما هو مبين في صورة العمل. 

بمثل هذه التصورات الإبداعية  يسعى الفنان المغربي "منير فاطمي" لتقديم صورة وفكر جديد لطرح ومعالجة سجال الهوية لتتملص معه من نمطية الكليانية العقائدية الجماعية لتصبح بحث عن تقديم تصور خاص يعالج مكامن الذات ويثير مشاغلها الفكرية  وفقا لطرح يسائل الواقع ويشتث الإبداع من روح العصر وتقييم أحداثه  خالقا بذلك سجالا جديدا بين العمل الفني والواقع، وأيضا أسس لصورة مزدوجة بين الحدث كفعل إنساني والعمل الفني المولد لدهشة بما هي مؤشر على بداية التفلسف.

 فالفنان المغربي وقف قبالة الواقع  بأحداثه التصادمية من جانب ومن جانب أخر ثقافته الفنية كممهد لنسج صورة حوارية تمهد ضرورة إلى قيام حوار فكري وثقافي بين "الأنا" و"الأخر،في حدود توافقية متكافئة وفي أيطار تحييد كلي لخطاب التفاضل والتعالي كما يتساءل من خلال أعماله وممارسته الفنية  المستندة على مرجعيات واقعية الحدث ليحاوله إلى صورة مزدوجة، صورة خالقة، صورة ناقدة، صورة تؤسس للبحث، والتفاعل مع الأحداث وفقا لمنطق عقلاني موضوعي تنسلخ فيه الذات من كل عقدها الإيديولوجية العقائدية والعرقية.

 فلم تعد تجربة المغربي نابشة عن اللذة البصرية بل إنه ذهب أبعد من ذلك بتطرقه لإنتاج الصورة الجدلية المثيرة للفكر والداعية للتفكير وفي ذات حين الصورة الناقدة، تصبح الصورة معه  " وسيلة رمزية للمعرفة، والرسالة التي يبثها إلينا هي أعمق من أن تكون لذة حسية أو متعة جمالية زائلة"[8]  ضمن صيرورة تفكيك الواقع وإثارة جدليات الحدث العالمي ومنه الولوج إلى عمق تكوين أخر، وهيكلت الأفكار الحاملة لقانعات راسخة وغير متحولة، ليخوض غمار التعرية والكشف عن عمق الروابط التواصلية بين الشرق والغرب، لتكون بذلك تجربته الفنية  بمقام أو بمثابة رحلة وجودية تزعزع الثوابت وتثير الإشكالات وتأسس جدلية التواصل.

وذلك من خلال قيام تجربته  الفنية على مسائلة أحداث معاصرة،  حيث أن هذا الأخير اختص بإعادة صياغة المعتقدات والممارسات الإيديولوجية الشرقية في مستوى علاقتها بالغرب، ليكون الموضوع مع الفاطمي بذلك محددا ومختصا بإثارة هذه الروابط التواصلية ذات المنطق التصادمي، بمعنى أدق اشتغل المغربي في مستوى مواضيعه وأفكاره على رهنية الحدث، على غرار العمليات الانتحارية الإستشهادية، وأحداث سقوط برجي التجارة العالمية وأخيرا اشتغاله على ثورات شمال إفريقيا في عمل بعنوان "the lost spring "، هذا العمل الذي قدمه في إطار تفاعله مع الأحداث والتحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها البلدان العربية مؤخرا وهو عمل تنصيبي يحمل رسالة مباشرة من خلال توظيفه لأعلام البلدان العربية كما تبرزه صورة العمل الموالية.  

وفي الأخير نخلص للقول بكون تجربة الفاطمي هي تجربة متنوعة وذات خصوصية، هذا علاوة على كونها قامت على إنتاج رسالة بصرية مؤسسة على المفاهيم وإشكاليات الفن المعاصر وراوحت أيضا بين جل مجالات التعبير التشكيلي (فوتوغرافي- نحت-أداء...) وان اختلفت وجهة النظر في قراءة الصورة عند الفاطمي فانه لا يمكن أن يختلف اثنين على واقعية المرجعية لأنها صورة تستمد أفكارها من الواقع المعاش للإنسان المعاصر ليقدم رؤية إبداعية، تحمل في طياتها قراءة نقدية ذات أسلوب متفرد يناقش إنسان "الأنا" و"الأخر".

هذه الجدلية السجالية التي أسس عليها المغربي أعماله ونسج منها خيوط خياله ليتواصل ويتلاحم مع الواقع لتنطلق رحلة الذات بين الذوات، ففاطمي يبحث عن كينونة الذات بين الذوات ومنها يحاول فتح مجالا أرحب للتواصل بين "الأنا" و"الأخر" وبهذا تكون تجربة المغربي نافذة للبحث في انطولوجيا الإنسان والكينونة الوجودية لذات لتصبح الأنا المبدعة صلبة موغلة في الذهنية باحثة على إثارة الذوات والنفاذ إلى إنشاء روح تواصلية متفاعلة "فالأنا الذي كنا أكدنا صلابته الانطولوجية هو ذاته الأنا المعرض للصراع بفعل كينونته ذاته والمجبر بالتالي على الدخول زمنيا في علاقة بالأخر. فليس للأنا ما يتخفى وراءه وليس له من مهرب يحميه من الآخرين، يسألونه بل و يضعون وجوده موضع سؤال"[9] .

ولنا عدة تجارب عربية معاصرة أخرى تندرج في ذات الموضوع وهو إثارة مسألة العلاقة بين الشرق والغرب من خلال تطرح تصورات إبداعية وفكرية على غرار الفنانة البريطانية من أصول فلسطينية "منى حاطوم" و الجزائري " عادل عبد الصمد" وثلة أخرى من التجارب الفنية العربية التي يمكن أن تكون موضوعا للقراءة والدرس.

 مراجع المقال:

-         صفاء روماني (كاتبة سورية)، مجلة الفنون "التمرد متكأ الفن" العدد 109 يناير كانون الثاني.

-         مقال للفنان المغربي نور الدين الفاتحي ورد بالموقع الآتي : http://vb.arabsgate.com/showthread.php?t=515773

-          Ben Cheikh Naceur ; Peindre à Tunis, Pratique Artistique-Magrébine et Histoire ; Exemplaire dactylographique

-         مخلوف حميدة: " مجتمع الصورة؛ بين ثقافة الفراغ وفراغ الثقافة"، طبعة الشركة التونسية للنشر، تونس 2009.

-         http://www. Gérard Chaliand.com

-         http://www.mounirfatmi.com  Interviews

-         مصطفى عادل، دلالة الشكل في الإستيطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن دار النهضة 2001.

-         Jeanne Delhomme , La pensée interrogative, PUF 2éme éd. Paris 1992

 صفاء روماني (كاتبة سورية)، مجلة الفنون "التمرد متكأ الفن" العدد 109 يناير كانون الثاني ص17[1]

[2] Identité الهوية 

تعني حسب الفيلسوف اليوناني أرسطو"الشيء بالتماثل والاختلاف بحسب ما يريده الفرد وما يميزه عن غيره".

يبدو لنا مفهوم الهوية إشكاليا، وسبب هذا المفهوم هو أنه  مفهوم متحرك، إذ يشكل منطوق هذا المفهوم توجها اجتماعيا أو سياسيا أو ثقافيا من جماعة أو مجتمع يؤمن بثوابت عامة في هويته، ويسعى إلى نشرها وزيادة تأثيرها، وتوظيفها على مستوى الإيديولوجي، فإذا ما تناولنه من جانب الاصطلاحي فنجده على مستوى ألتنظيري مصطلحا فضفاضا، يملك القدرة، الإشارة المتعددة إلى أكثر من مصدر من مصادر الانتماء، فكل حامل هوية يحوز رأسمالا رمزيا خاصا يمنحه قدرة تمكنه من الاعتراف والرفض، حيث تمثل الصراعات من أجل الاعتراف والرفض بعدا محوريا للحياة الاجتماعية. يعد هذا المفهوم في الواقع الآني مفهوما غير واضح ينتقل في الآن ذاته بين حالات مختلفة من التغير والثبات في معظم المجتمعات الحديثة بشكل عام، يعاني مفهوم الهوية المعاصرة من وطأة حياته في سياق اجتماعي، وثقافي لأفراد يسعون تحت مظلة القيم الحاكمة لعالمنا الحديث إلى تحقيق خصوصياتهم الفردية بقوة.فهذا المفهوم تداولاته العديد من العلوم وتجاذبته اتجاهات سياسية واجتماعية وثنية وثقافية مختلفة. – الحياة الثقافية التونسية، العدد 213- ماي 2010.

[3]   مقال للفنان المغربي نور الدين الفاتحي ورد بالموقع الآتي : http://vb.arabsgate.com/showthread.php?t=515773

[4] Ben Cheikh Naceur ; Peindre à Tunis, Pratique Artistique-Magrébine et Histoire ; Exemplaire dactylographique

p146.

[5]  مخلوف حميدة: " مجتمع الصورة؛ بين ثقافة الفراغ وفراغ الثقافة"، طبعة الشركة التونسية للنشر، تونس 2009، ص 113.

[6]  Nous vivons à l'heure du terrorisme et nous ignorons son histoire.
Entre la violence des images, la répétition des menaces et la confusion des ripostes, peu de place est laissée à la réflexion et à l'analyse. Il est pourtant urgent de chercher à comprendre le phénomène terroriste. Avec le concours de quelques-uns des meilleurs spécialistes internationaux, Gérard Chaliand et Arnaud Blin retracent ici l'histoire du terrorisme, depuis l'Antiquité jusqu'à ses formes actuelles, et nous font découvrir combien la perception du terrorisme a évolué au cours du temps.
L'islamisme radical auquel est consacré une partie de l'ouvrage est ainsi replacé dans son contexte historique. Seule cette profondeur de vue peut permettre de cerner les enjeux actuels de ce phénomène dont les effets sont loin d'être épuisés. Les auteurs ont aussi réuni pour ce livre les discours, manifestes et autres textes théoriques des acteurs principaux du terrorisme, de Bakounine à Ben Laden, la plupart inédits en français.
Des cartes inédites et des statistiques du département d'Etat américain viennent compléter cette première grande encyclopédie du terrorisme.

http://www. Gérard Chaliand.com

[7] http://www.mounirfatmi.com , Interviews

[8]  مصطفى عادل، دلالة الشكل في الإستيطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن دار النهضة 2001 ص24

[9] Jeanne Delhomme , La pensée interrogative, PUF 2éme éd. Paris 1992 p34

  •  
  •  
  • سجال الهوية بين ثنائية الغرب - الشرق في الخطاب التشكيلي العربي المعاصر -
    قراءة لتجربة "منير الفاطمي" 
    طلال قسومي

 

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

ورقة من حياة فنان