•       

  • للوهلة الأولى يمكننا العودة إلى النظم الفنية والنظر في المقومات والمؤشرات المساهمة في تنوع المنتوج التشكيلي العربي المعاصر، عبر التدقيق في خصوصية التجربة وما تحمله من رؤى مستوحي من عمق الثقافة التي تزخر بمخزون ثري، مكن الفنان العربي من تحديد مسار تشكيلي يندرج ضمن الأطر العالمية و يجاري التحديات والتحولات الثقافية المعاصرة، بما فيها من أبعاد استطيقية وامكنيات تكنولوجية متطورة. ليرنوا بالخروج من موضوع الوجهة التقليدية الكلاسيكية، لينتج وجهات معرفية و فنية حول خصوصية الفن العربي من منظور معاصر لإدراك القيم الجمالية المختلفة.  لهذا كان الإبداع الفني في هذه الفترة المعاصرة ليس كرؤية مجهولة بل كرؤية تتجاوز قوانين المعتاد ما برز، كما هو اليوم، إلى تأسيس ميثولوجية فنية جديدة تتأقلم مع الواقع التكنولوجي. فالإبداع الفني ليس بذلك الانعكاس البسيط للواقع بل هو تجاوز له. فالفنان يعاني من التحولات المتسارعة في عالم الفن التشكيلي. وفي هذا الصدد يؤكد كثير من الفلاسفة والنقاد المعاصرين، انه من الممكن مقارنة المقاربات الفنية المختلفة وتحديد التحولات الفنية المعاصرة في نطاق مفاهيمها الجوهرية.

ويكمن رهان الفنان في تحوله الإبداعي يتجاوز التحديات  الثقافة و ذلك في إطار  التجربة التشكيلية المتضمنة لقضايا فنية يندد بها و يرنو إلى إيصالها  لكافة طبقات الجمهور لذلك يمكننا تسليط الضوء على إشكالية الفن  بعد الثورة التونسية ليصبح العمل الإبداعي  معبرا مستقطبا متجانسا مع روح اللحظة، وهنا يفقد الموجز البصري للصورة الثابت ويتحول الى رسالة تعبيرية تراوح بين المفهوم و الرؤية المستقبلية، ولكن عند الاضطراب والتداخل في الواقع اليومي يعود الموجز البصري التشكيلي إلى حضوره من خلال معانيه وتأثيراته، نتيجة الحضور الكلي للمقومات الإنشائية والخصائص التشكيلية ، التي ينفرد بها الأثر الفني.

           وهنا نسلط الضوء على تجربة الفنان التونسي "ياسر جرادي" في معرضه الأخير الحب ديني و إماني، و كأننا بالفنان يتوجه في سكرة العشق وغمرة الوجد بما يتوجه به العبد إلى ربه في ديانات السماء ليشكل تمازج صوفي روحاني مع خصوصية الخط العربي المعاصر. فهو يتخذ نسقا فني يرنو به إلى إدراك الموجود للوصول إلى المنشود و في هذا السياق تظهر فلسفة ابن عربي الموغلة في التصوف حول ماهية المطلق والخلق "وفي نصوص ابن عربي توجد مستويات متنوعة من الخلق تستند إلى سلم معقد من التراتبات والتصنيفات الأفلاطونية يعد فيها نفس الرحمة أي نبض الخلق نفحة مستمرة، إعدام الخلق وتجديد خلق في كل لحظة[1]" بحيث يتحول الإبداع الفني إلى خلق نسق أو مراحل تأشر بتجلي  الخط العربي بحيث تتحول قواعد العرض في تجربة ياسر جرادي و على حد عبارته"أنا بصدد تجاوز منطق عنوان لكل لوحة إلى منطق المراحل، وكل مرحلة تمثل مفهوم وتكون متكونة من عدة لوحات أو تنصيبات، في هذا المعرض مثلا هناك ثلاث مراحل: البحث (او التيه) ثم التجلي وأخيرا بطن الحوت" (التنصيبة)

          امتلك "ياسر جرادي"  في معرض الحب ديني و اماني تلك النزعة الروحانية في التشكيل، يغمره ذلك التخمر التشكيلي لينتج جمالا خالدا معبودا يحس به في ثنايا الوجود يقدس اللون ويجعل من حركة الفرشاة تناجي اللوحة في كل ما تحتويه من عناصر تشكيلية، ليدخل الفنان في سكون مع الأبعاد الإنشائية لصيرورة العمل. يصغي إلى وحي الأفكار لينتج عمل فني يحمل هوية الذات المبدعة.فما هي التحولات الاستطيقية و التقنية التي يرنو الفنان "ياسر جرادي" لإدراجها  ضمن فن التنصيبة  installation  خصوصا في تعامله مع فكر "ابن عربي" ؟ وكيف وظف خصوصية فن الخط العربي في بعده المفهومي والتشكيلي ضمن أعمال تشكيلية تنهل من فلسفة عميقة في التصوف؟ 

يستعمل الفنان تقنيات وأساليب معاصرة مكنته من تكوين صراع تشكيلي يتدفق من بواطن الأثر الفني ليبوح بذلك الجمال المثالي الذي يتجلى في عمق الخط لما يحمله من بعد بصري. إن الأعمال الأخيرة "لياسر جرادي" تتضمن مفاهيم الاحتواء مزيج من الذات المبدعة  مع روح الخط الذي شكل في فضاء معاصر هو احتواء لكل صفات الروحاني والصوفي و المجرد لتصبح احتواء للجمهور في حد ذاته. ليصبح الخط العربي نسيجا يراوح فيه بين المرئي واللامرئي يحمل لغة تشكيلية فيها أرقى سمات الحضارة العربية. فنظرا إلى الأبعاد الذاتية التي يشكلها الفنان في العمل الواحد تظهر مظاهر التحول الاستطيقي و التقني في احتفالات خطية ذهبت إلى تلك الطقوس الفنية المعاصرة التي أنشأ لها الفنان ياسر جرادي هيكل أو معبد متمثل في التنصيبة يغمرها الخط العربي يربط الأسفل بالأعلى  و كأننا بالفنان قد صلى في هيكل الحب مطبقا في ذلك فكر ابن عربي ليبرز لنا الخط  في تركيبة تشكيلية يصعب فك رموزها المختلفة.  

            هذا الحب جعل الفنان يغوص في مفاهيم التصوف والروحاني بحيث أصبح يدرك مضامين الخط  وكيفية توظيفه ضمن أبعاد استطيقية معاصرة فبحبه لتشكيل الخط وأنغام الموسيقي يخلق "ياسر جرادي" تركيبة تكون مقدسة في هيكلها وفي تشكيلها. استطاع الفنان أن يخرج من الموت إلى الحياة و أن يغير الوجود من وجود مدنس إلى وجود مقدس خصوصا بعد الثورة التونسية. بحيث تحولت التنصيبة الخطية إلى مجال من الرؤى المختلفة وسجال من الأفكار التي تغمر المتقبل إلى التفكير في أبعاد الخط في مستواه الرمزي وأبعاده الجمالية المعاصرة التي عانقت جسد الجمهور، هذا الأخير الذي يحيط النظر في  سميائية  العمل الإبداعي وكيفية الإحساس بحقيقة وجوده " فالفن هو دوما أعجوبة، بمعني انه في الفن، وبفضل الآليات الدلالية و النفسية ، تنشأ حقيقة، رغم عدم وجودها في الحياة العادية[2]"  

              في تأملات "ياسر جرادي" لفكر ابن عربي يبدع أعمال فنية تنهل من عمق الفلسفة الروحية التي جعلت منه ينظر إلى الخط بجميع عناصره  التشكيلية، فأبدع فيه عضمة  تراوح بين الطقوس الروحية والأبعاد الوجدانية التي تمس الذات المتقبلة للعمل. فقد أخرج ذلك الجمال الباطني و الخفايا التي جعلت منه أمام صورة الإله، مبدعا تركيبة خطية في إطار نفس تشكيلي بديع وإيقاع خطي فيه ضرب من التجريد الحروفي المعاصر.

ويقف الفنان في حرم الخط المقدس يناجي روح الحرف ويصغى إلى الابتهالات الصوفية المستوحي من فكر" ابن عربي" ليجعل من المتفرج عنصرا مفكرا في مفاهيم العمل التشكيلي لإدراك الجمال الباطني والمعاني التي يبوح بها الأثر الفني، وعلى حد عبارة جورج جادامر "ففي التمثيل الذي يؤسس العمل الفني، لا يكون هناك مجال للقول بان العمل يمثل شيئا بخلاف ذاته، أي انه لا يكون مجازا بمعني انه يقول شيئا و يسلمنا إلى فهم شيء آخر. بل الأمر على العكس من ذلك، فان ما يفترض أن يقوله العمل يمكن التماسه فقط في باطنه"[3]

  وفي نفس السياق التشكيلي ضمن عمل يحمل أوتار الحروف وأبعاد أخري فيها من التشكيل العربي المعاصر والرموز المستوحي من الإرث الصوفي، تجعل منا نتأمل من جديد خصوصية النسق الفني الذي يحدثه الفنان "ياسر جرادي" في هذه التنصيبة التي أصبحت مدينة من الحروف المعلقة بحيث نلحظ  المخاض الذي يعيشه الفنان في ازدواجية تنهل من عمق الثقافة العربية ليعيد تشكيلها في هيكل فني معاصر باستعمال الوسائط التقنية الكضوء وغيرها. فالمتأمل في هذه التتنصيبة"، يدرك أن الفنان يحاول أن يرجعنا إلى التفكير في هيئة المعلقات السبع و في ذات الحين ينطق هذا العمل بخصوصية التجربة حيث أصبحت الحروف و الكلمات والتركيبة في حد ذاتها مع الضوء والظل الذي ينعكس على الأرضية تحمل دلالاتها ورمزيتها فهو يتخطى حدود الموجود جاعلا من كل هذه العناصر الفنية رسائل صوفية روحانية تشكيلية، و لإدراك ماهية الضوء يمكن لنا الرجوع إلى هذه المقولة "فان سيمياء المرئي تسعى إلى تحديد حالات الضوء من بريق ولون وإضاءة و مادة. و حالات الضوء هذه ليست خصائص للصورة فحسب، بل إنها تبدو هنا بوصفها حالات تتنازع على صدارة المشهد الحسي وذلك بوجود عتبتين متجاورتين، عتبة الانبهار و عتبة الإظلام"[4] إذن فدلالة الضوء ترجعنا إلى خصوصية النور المسلط على الأرض فالضوء له رمزيته الإلهية  فهو يشير إلى انعكاس الذات العليا في الأرض موغلا في الجانب الدلالي وخصوصا انعكاسات الحروف و الكلمات التي تقع على جسد الجمهور ليصبح الخط جزء بين المرئي و اللامرئي. 

           تظهر لنا هنا الأبعاد الاستطيقية التي شيدت عبر فاعلية المكان على حساب الخصائص الحسية الاخري أن الأمر هنا لا يتعلق بذلك العمق الهندسي المنظور الحسابي وانما يتعلق بخصوصية الحرف وما له من أبعاد وظيفية، لان ما يحدث اثر العمق في هذه التنصيبة أي تحديد الأبعاد الزمنية والمكانية للفضاء ليصبح الخط عمقا و بعدا من خلال خاصية انعكاس الظل، وهنا يمكننا اخذ هذه المقولة " ان "تانيزاكي" يعكس هنا بشكل كامل العلاقة العادية بين الظل والضوء. ففي عالم الحس المشترك تكون كثافة الضوء موجودة بين عتبتي الحساسية، و تكون الشفافية شفافية للضوء، أما العقبات فهي تحرض الظل أمام الشفافية"[5]

    وبالتالي فان ظاهرة التصوف تظهر لنا في روح تشكيلية معاصرة فالفنان يحاول ان يحرر الخط العربي من سجن المعني اللغوي الذي يحمله ليصبح الخط و الحرف قائم الذات في نسق من التجريد التشكيلي الذي يندرج ضمن النظم الفنية المعاصرة في إدراج الخط في نطاق التحولات التقنية و الأسلوبية و إدراجه كعنصر فعال و مؤثر في فن التنصيبة.         
المراجع:

·        الموند ايان ترجمة و تقديم حسام نايل ،التصوف و التفكيك درس مقارن بين ابن عربي و دريدا ، المركز القومي للترجمة 2011 ص 45 -46

·        روزين فاديم ترجمة نزار عيون السود ، التفكير و الإبداع ، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب وزارة الثقافة ،2011، ص 302[1]

·        جادامر هانز جورج تجلى الجميل ، المجلس الأعلى للثقافة 1997 ص 123

·        فونتاني جاك، سيمياء المرئي، دار الحوار الطبعة الأولى 2003، ص 6-7.


[1]   الموند ايان ترجمة و تقديم حسام نايل ،التصوف و التفكيك درس مقارن بين ابن عربي و دريدا ، المركز

 القومي للترجمة 2011 ص 45 -46

   روزين فاديم ترجمة نزار عيون السود ، التفكير و الابداع ، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب وزارة

 الثقافة ،2011، ص 302[2]

[3]  جادامر هانز جورج تجلى الجميل ، المجلس الأعلى للثقافة 1997 ص 123

[4]  فونتاني جاك، سيمياء المرئي، دار الحوار الطبعة الأولى 2003، ص 6-7,

[5]  نفس المصدر ص 201

  • الخط العربي المعاصر و التصورات الروحانية في تجربة الفنان ياسر جرادي
    إبراهيم بن نبهان باحث في الفنون التشكيلية تونس 22 جانفي 1987

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

12/12/2013

  حرف