• يزاوج جميل ملاعب في معرضه الراهن في غاليري جانين ربيز في العاصمة بيروت، الذي يستمر حتى السادس والعشرين من فبراير بين حس هندسي تركيبي وجسد إنساني منحوت يبدو وكأنه يتسيد على المكان ويخرج من سلطته.


لا يزال الفنان التشكيلي يبحث عن مشهد أخير يروي فيه ظمأ عينيه الى الضوء والنور والجسد. سيرته التي لم تكتمل بعد تتجلى في لوحات جديدة تختلف تقنياً ودلالياً عن سابقاتها، حيث يحاول تركيب أبجدية للواقع كما يتراءى له. هذا الواقع تشكل من جدلية الهندسة والانفعال، فهل يبحث ملاعب عن انفعال هندسي أو يحاول أن يهندس الانفعال؟
عن معرضه الحالي «أبجدية الواقع» وأمور أخرى، كان هذا الحوار التالي:

● قلت دائماً إن عنصر التأليف في اللوحة له مرجع وحيد بالنسبة إليك هو مقاييس الجسد الانساني وأبعاده. فكيف يمكن لنا أن نتلمس حضور هذا الجسد وأبعاده في اللوحات الحالية التي هي تجريد صاف؟
- في اللوحة أعلى وأسفل، يمين وشمال، ولها تركيز في القلب، لها وجه، لها جنب، وهي في احتوائها على كل هذه العناصر تشبه الإنسان. مقاييسها مأخوذة من جسم الإنسان.
الباب الذي نمر منه، صفحة الدفتر، شكل التلفزيون.. كلها اشكال مأخوذة من جسم الإنسان. هذا افتراض ليس من الضروري أن يكون قاعدة يتبعها كل الناس. مجرد افتراض بالنسبة إليّ.

المدينة الزهر
● «المدينة الزهر» لوحة يطغى عليها عنصر الإضاءة الباهر، فما علاقة ذلك بمدينتك المتخيلة؟ وهل هكذا تشاء أن تبني مدينتك في الوضوح؟
- ليست متخيلة %100. خلال زيارتي للمغرب رأيت ضيعة لونها زهر مائل للبني لم أعد أذكر اسمها. استوحيت من المدن العربية التي يسود فيها لون واحد. هناك الضيع البيضاء والخضراء والزهرية.
قمت برحلات عدة منذ عام 2000 وإلى اليوم، زرت مصر والعراق والبحرين وتركيا والهند والمغرب وروسيا. كل بلد زرته وأعجبني فيه مشهد ما كنت أرسم فيه مباشرة وكانت المناظر الطبيعية تجذب اهتمامي بشكل خاص.
تأثرت بهذه المدن وسجلت مشاهداتي بطريقتي الخاصة: حركات الناس، الشوارع، البيوت، المناظر الطبيعية، البحر.. لكن عند المقارنة يبقى لبنان بالنسبة إلي هو الأجمل، على الرغم من بعض «الشواذات» التي تحصل مع احترامي لكل البلدان. كل التنوع البيئي موجود في لبنان.
هذه المدينة الزهرية علقت بذاكرتي وذكرتني بضيعتي (بيصور) التي تشبه في صور فوتوغرافية مأخوذة من ستين سنة مدن المغرب. لا يوجد فيها منزل بشع، ولبنان بشكل عام لم يكن فيه منزل بشع منذ 80 سنة.
حضارة الاستهلاك والمواد الجديدة التي لا تهضمها المعدة الهندسية لم تستطع بعد أن تفهم كيف من الممكن استخدام الباطون من دون تشويه البحر والجبل والسماء.

صراع مع الزمن
● في لوحة «يوميات الريف» اخترت إضاءةً ترابية تحيل مباشرة الى الذاكرة. فكيف تنجو اللوحة من التحول إلى عملية توثيق؟
- منذ عشر سنوات وحتى الساعة، لم يمر يوم لم أرسم فيه شيئا من مشاهداتي اليومية. تحولت لوحتي الى مذكرات مكثفة لمائة يوم سبت أو مائة يوم أحد، شعرت بأني قادر على أن أصنع منها لوحة يمكن للناظر إليها أن يرى مجموعة من السنوات في لوحة واحدة. هي في نهاية المطاف محاولة. نجحت أم أخفقت، فلست أنا من يقرر ذلك. أضع رموز فناجين قهوة مرصوص بعضها فوق بعض على مدى 5 سنوات، ألا يصنع ذلك منها لوحة؟
الإنسان في صراع مرير مع الزمن يرغب في القبض عليه كما يلتقط المشهد المنسوج في الطبيعة، والذي صنعه الله في سنوات هائلة.

لسنا رسامين
● نلاحظ انه في اللوحات الخاصة بالجسد (المرأة) هناك تشديد على الخطوط ليتراءى لنا وكأن الاجساد خارجة من اللوحة ومنحوتة. فهل تعتقد أن هذه التقنية تهب الروح للأشخاص؟
- نحن العرب لسنا رسامين بقدر ما نحن خطاطون. أجمل ما في الحضارة السومرية هو الحفر المعتمد على الألياف والخط الجميل. الكتابة المسمارية التي هي أول كتابة ليست سوى خطوط محفورة في الصخر.
الكتابة الهيروغليفية هي عبارة عن خطوط لأشكال الحيوانات والنباتات والطبيعة وأشكال الحياة كلها. الإنسان الأول عبّر عن الشكل في المغارة بالخط. الحجم أتى لاحقاً لأنه يحتاج إلى لون ومواد وتدرج بالألوان، بمعنى أنه يحتاج إلى صناعة.
في خلفيتنا كأطفال نرسم بالقلم، كأطفال في أول حضارتنا، المرأة تغزل الكنزة بالخيط تنسج الشرشف والأرابيسك بالخيطان البيضاء، الخيط هو الخط، هذا جزء ورثناه في خلايانا. لهذه الأسباب يحب الرسامون العرب أن يرسموا لوحتهم كأنهم يكتبونها كتابة. يتعاملون معها وكأنها صفحة.. لماذا؟ ربما كان ذلك بسبب هروب الإنسان من ذاته نتيجة التخلف الديني والفهم الخطأ للدين، ونتيجة التخلف العقلي في تفسير الشكل البشري وتأليهه، الأمر الذي أدّى إلى هروبه من شكله ومن مرآته.
في محاولة لتحقيره يصنعون من الإنسان شيطاناً، والعكس هو الذي يجب أن يحصل. هذا تحقير لفهم الدين لم يقتصر علينا، بل هو موجود كذلك في الأديان الأخرى، ولكنّ الآخرين استقلوا وتحرروا في الوقت الذي لا نزال نحن نحقر الألوهية الموجودة فينا ونشوهها إلى حد تحويلها جريمة. بالأمس حطموا رأس أبي العلاء المعري، لا يطيقون الفكر يريدون الإنسان الترابي الذي يأكل ويشرب وينام فقط. الله لا يحب الانسان الآلة. هم يريدون تحويله الى آلة.

مفهوم طبيعي
● العقلنة التي تبدو جلية في لوحاتك، هل هي نتيجة الغوص في بيئتك الخاصة بما تحمله من معطيات ثقافية ووجودية؟

- العقلنة هي هندسة اللوحة. لا وجود للوحة فنية مهمة من دون مقاييس تشكيلية صحيحة وإلا فستصبح لوحة أطفال. لوحتي مفرطة في كلاسيكيتها، لكنها ليست مسطحة. كلاسيكية، ولكن على الطريقة الشرقية وليست الغربية. هناك تجريد شرقي وتجريد غربي. الشرقي فيه ألوهية أكثر ومسطح أكثر وعالمه موحد أكثر، بإمكانك أن تنظري إلى اللوحة كأنك في السماء. عملي يشبه رؤيتي للكون والفن ولطريقتنا بصناعة السجادة بحيث هي مسطح من دون أبعاد. العقلنة في اللغة تكمن في ألا نكون أطفالاً نرسم ما يحلو لنا. اللوحة لها موضوع ولها قواعد جمالية معترف بها علمياً.
الألوان هي حروف علمية لا يجوز تشويه مفهومها الطبيعي. الأحمر له مفهوم طبيعي والأصفر له مفهوم طبيعي لا يمكنني أن أمزجهما كأنني ألعب. اللعب غير مستحب في هذه الناحية. العقلنة موجودة. هناك خطوط طول وخطوط عرض وكما في الموسيقى هناك ربع صوت وصوت كامل، في اللوحة أصوات موسيقية ولوحات تتشكل عبر كمية المساحة وكمية اللون. للقلب دور. لا نفعل شيئاً من دون إحساس والعمل التشكيلي يتضمن الإحساس بالقلب والعقل.

  • جميل ملاعب.. حوار الضوء والنور والجسد
    أنديرا مطر

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

12/04/2013

حوار ورأي